أزمةُ الأخلاقِ العربية.. إلى متى البقاء في قاع الهزيمة والانكسار الحضاري؟!
بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري
عُرِفَ عن العرب – على مختلف تنوعاتهم القبلية والعشائرية التقليدية – اتّصافهم بصفاتِ النخوة والشجاعة والكرم والمروءة وإغاثة والملهوف والسعي لنصرة المظلوم وغيرها من القيم الإنسانية الأخلاقية والسلوكية التي أضحت رمزاً أساسياً للهوية والانتماء التاريخي العربي.
فاشتهر كثير من العرب بتلك القيم، كحاتم الطائي في الجود، وعنترة في الشجاعة، والسموأل في الوفاء. ولمن تبق تلك القيم حالات فردية بل تأصلت كمكارم أخلاق عامة في وجدان الأمة عبر قرون.
ولكن على الرغم من أنَّ بعضَ العربَ مارسَ في الجاهلية (قبل الإسلام) القبائح وسوء الخصال والفِعَال والمُنكرات والرذائل، لكن بقيت قيم النخوة والمروءة والشهامة، تعيش وتتألق في دنيانا العربية، حيث أضاف إليها الإسلام إطاراً دينياً جديداً تمثل في الإلزام الخلقي والحكم الشرعي.. بمعنى أن القبيلة العربية تمسكت بمكارم الأخلاق العملية المتجذرة في العادة والتقليد، ورفضت التفريط بها، حتى في ظل أشد الأيام عداوة وضراوة مع الإسلام ومحاربة الدين الجديد، وقبل الدخول فيه.
ولكن ما نشهده اليوم نحن كأجيال متعاقبة نشأت وتربّت على تلك القيم الفطرية الإنسانية الكريمة والخصال النبيلة، هو حدوث الكثير من التحولات والتغيرات في معنى تلك القيم وواقع عملها وهدفها، مع هيمنة وسيادة قيم جديدة تجمعها صفة واحدة أو مناخ واحد هو مناخ التدليس والكذب والنفاق على الذات وعلى الآخر تحقيقاً لمنافع جزئية خاصة؛ حتى بتنا نقول أننا نقبع في قلب هزيمة نفسية، ونعايش اليوم أزمة أخلاقية عربية –وليس فقط بشرية عالمية- بكل معنى الكلمة، انهارتْ من خلالها الحدود والفواصل بين القيم والمبادئ والفضائل الأخلاقية وبين السلوكيات والقيم اللا أخلاقية..
فعلى مستوى التربية والأسرة والعائلة مثلاً، أصبحنا نرى في كثير من الأحيان – ولكل قاعدة شواذ – كيف أن الولد يمارس سياسة الكذب على أبيه، والأم تكذب على زوجها، والوالد يكذب على الأم؛ وهكذا، كلهم في بحر الكذب يسبحون.. الابن الذي لم يبلغ بعد سن الـــ 14 سنة تراه مثلاً يدخّن أمام أهله، بلا خوف أو احترام لمعنى الأبوة والأمومة، ولقيم الأخلاق الأسرية، بل ربما نلاحظ أن هناك بعض الآباء أو الأمهات يسهلون ويساعدون ويشجعون ولدهم على هذا الفعل المشين.. وهكذا فحتى الصغير لم يعد يحترم الكبير بأبسط الأمور؛ والمشاهدات كثيرة والأمثلة واسعة وواقعية، وليست من محض الخيال والتجريد.
وعلى مستوى الدول والمجتمعات، نجد كيف أن بعض أولي الأمر القائمين على الأمر في كثير من دولنا ومجتمعاتنا، يكذبون على شعوبهم، ويدلّسون في التعامل معهم، ويسلكون أبشع أشكال التمويه والدجل في تمرير مصالحهم كنخب حاكمة لا همّ لها سوى التّنعّم بمزايا السلطة والنفوذ وإنفاق المال العام بلا حسيب ولا رقيب، فيسرقون الموارد، وينهبون الثروات والخيرات، في وقتٍ يكذبون أمام الناس في لغة الأرقام التي يطرحونها في وسائل الإعلام حول ثروات الدولة ومالها العام.
كذلك، نشاهد أمامنا كيف تعاظمت لغة العنف والدم، وعدم تحمّل الناس لبعضها بعضاً، فباتت تتكرر كثيراً في كل مجتمعاتنا بشكل شبه يومي، وبطرق وآليات مختلفة؛ فمثلاً منذ فترة وقعت حادثة مروّعة في إحدى الدول العربية، حين أقدم شخص معروف بسجله الإجرامي، على طعن الضحية (وهو زوج وأب لثلاثة أطفال) طعنات نافذة أدّت لمقتله على الفور، وسط صياح الرجل وتوسلاته للحضور أن يغيثوه دون أن يتدخل أحدهم، مكتفين بتصوير الحادثة بكاميراتهم الهاتفيّة إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة أمامهم..!!. ليقومَ القاتل بعدها دون أن يطرف له جفن بشرب كوب من العصير.!!!.. كما قتل منذ فترة أشخاص خلال عرس تحول لمأتم في خلاف على موالٍ كان نقطة تفجر غرائز الذات..!. مضافاً إليه شيوع تعاطي الحشيش والمخدرات وغيرها من عقاقير وسموم التخدير العقلي والروحي وإبعاد الشباب عن وعيهم ومسؤولياتهم وأخلاقهم وتدينهم..
ولعل المثال الأكبر الذي عايشناه مؤخراً منذ أكثر من عام وإلى يومنا هذا، حول موضوع تراخي الالتزام بالأخلاق العربية، هو مشاهدة العرب لما جرى ويجري أمام أعينهم في غزة وفلسطين ولبنان واليمن، دون أن يرف لهم جفن..!!. بل كانوا (الرسميون منهم بالذات) شهود زور على ما جرى..!!. فأين هي النخوة العربي والخصال عربية الإسلامية الحميدة؟! وأين هي الشهامة وإغاثة الملهوف؟!.. وأين هي شعارات الإسلام وقيمه وأخلاقياته وأحكامه الشرعية التي يتغنى بها فقهاء دين تلك الدول على منابر الإعلام ومنصاته ليلاً نهاراً؟..
أكثر من ثلاثة أعوام (منذ 7 تشرين أول 2023م) وأهلنا العرب يتعرضون لأفظع ويلات الظلم والقتل والعدوان والتشريد والتجويع والتدمير والضياع جراء حرب صهيو/ أمريكية مجنونة يشنها كيان محتل غاصب ظالم تحت قيادة إنسان مجرم معتوه مدعوم بدعم لا محدود من أمريكا والغرب في مشهد يعد وصمة عار في جبين الإنسانية، ولن ينساها التاريخ؟!.. للأسف إنها ثقافة اللا مبالاة واللا مسؤولية واللا قيم، ثقافة التردي والانحطاط الأخلاقي التي باتت حالة شبه متأصلة في كثير من مواقع ثقافتنا وسلوكنا العربي، الرسمي منه والشعبي المتأثر تغييباً ربما بسلوك وتضليل أنظمته الحاكمة، طمعاً وخوفاً على حد سواء..!!.
ويبدو أنه وعلى كثرة أحداث ومشاهد وأفلام ويوميات العنف الأعمى والقتل والدمار الفظيع التي يشاهدونها، تبلّدت مشاعر الناس، وتكلست أحاسيسهم، وتجمدت عواطفهم ومشاعرهم وانحرفت أخلاقياتهم، وأصاب العور الدائم حميتهم وقيمهم “الجاهلية-الحضارية!!” التي نعرفها تاريخياً وتقليدياً، والتي قال الرسول الكريم محمد(ص) في يوم من الأيام، بأنه جاء ليتممها، قوله(ص): “إنما بعثتُ لأتمّم مكارمَ الأخلاق“. (أنظر: صحيح الجامع، ص2833).
ولكن على ما يبدو أن الأخلاق لا تشتعل ولا تتحرك لوحدها في عالم عربي ينوء بمشكلات معقدة وأزمات وجودية، سياسية واجتماعية واقتصادية كبرى.. إذ أن ما يشغّل محركات الأخلاق عند العرب – وعند عموم البشر – ليسَ فقط الوعظ والحض والحث والكلام المنمق الجميل، ولا كثرة الأحاديث الأخلاقية والفضائلية، ولا انعقاد مؤتمرات وندوات عن القيم والتربية والأخلاق وغيرها، ويتكلفون فواتير باهظة الأثمان.. حيث يعقدونها مع بقاء مجتمعاتهم باقية في لجة التخلف، تعيش في الحضيض والقاع الحضاري بعيدة عن أدنى تمثُّل للأخلاق (العربية منها قبل الغربية).!!. ولهذا: ما فائدة الكلام والشعارات والخطابات المستمرة في بلداننا منذ سنوات طويلة، طالما أنها لم تُحدث أي فارق أو تغيير وتحول إيجابي مثمر على صعيد الأخلاق الحقيقية والتنمية وبناء الذات وتطور العلوم وازدهار المجتمعات؟!..
إنَّ ما ينفع في موضوع التمكين الأخلاقي الصلب الحقيقي هو تكريس الحقوق الفردية الإنسانية، وتلبية حاجات الناس، وترسيخ مبدأ المواطنة وسيادة القانون على الجميع..!!.. أي كما نقول دوماً: أعطوا الناس حقوقها تصبح بالضرورة أخلاقية بامتياز، وعلى رأسها حق أن تصبح مجتمعات حرة متعايشة بوعي ومسؤولية؛ فولادة الذوات الحرّة شرطٌ ومقدمة ورافعة قوية للتمكين الأخلاقي، وللبناء العقلي والعلمي والتقني؛ وعندما نصل إلى مرحلة أنْ تُولدَ عندنا الذواتُ الحرّة الواعية، فهذا يعني عملياً أنْ الطريقَ نحو الأخلاق والعلم والتنوير فُتحتْ على مصراعيها، ليأتي الدورُ عندئذٍ على تلكَ الذوات (الحرّة) لتعلن عن حقيقتها وحضورها الفاعل والمنتج في حقل الوجود الإنساني الحقيقي، فتثريه إنتاجاً وفاعلية وسلوكيات أخلاقية إنسانية.
إننا نعتقدُ أنّ محاربة الحقوق وتغييب العقل كانت من أهم أسباب حضور ثقافة العنف وشيوع النفاق والكذب واللا مبالاة في حياتنا العربية، بل من أسباب هزيمة هذه المجتمعات التي تدعي الفلاح والنجاح، وهي باتت مجرد قبور تمشي على الأرض نتيجة محاربة العقل والتفكير العقلي والقيم الحقوقية والأخلاقية.
ويجب أن نعلم أن “محاربة الحقوق، وتغييب العقل” ليسا مجرد خطيئتين عارضتين في مسيرة الثقافة العربية، بل هما بنية عميقة تسللت إلى وعي المجتمعات وأعادت تشكيل علاقاتها بالإنسان والقيمة والمعنى.. إذْ أنه حينما يُصادَر حقّ الإنسان في التفكير والتعبير عن رأيه بشكل إنساني سلمي، وحين يُختزل وجوده في خانة الطاعة والامتثال (والعبودية)، تصبح الحياة الاجتماعية ساحةً للاستحمار، والتمثيل لا للصدق، ويصبح الفرد ممثلاً لدور لم يختره بنفسه، بل اختاروه له، حيث يتقن فنون النفاق لأنه لا يملك ترف البوح، ويتعلم الكذب لأنه لا يجد أماناً في الحقيقة. وهكذا يتحول العنف من حدث استثنائي إلى مناخ عام، لأن العنف ليس فقط الضرب والسجن والسحل ووالقتل، بل هو أيضاً إسكات السؤال، وتكميم الفم، وتشويه العقل، وقتل الثقة في إمكان المعرفة والتغيير.
وحين يُغيَّبُ العقلُ، لا يُغيَّب عضو التفكير فحسب (وهو العضو الذي أكرم الله تعالى به الإنسانية جمعاء)، بل تُغيَّبُ معه منظومةُ القيم الحقوقية والأخلاقية برمّتها.. لأنَّ الحقوقَ لا تُبنى على العاطفة وحدها، بل على العقل الذي يعترفُ بالإنسان كإنسان، بغضّ النظر عن جنسه ودينه ولونه وطبقته وخلفيته العقدية والجهوية.. والعقل هو الذي يؤسس من خلال القانون لمواقع المساواة والعدالة والحرية، وهو الذي يحمي الأخلاق من أنْ تتحول إلى شعاراتٍ جوفاء أو أدواتٍ للسيطرة. وعندما يُستبعدُ العقل من الحياة العامة، تصبحُ الأخلاقُ مجرد تبرير للسلطة، ويصبحُ الحقُّ مجرد منّة تُمنح وتُسلب، لا صفة أصيلة في الإنسان.. وهنا يولد الكذب والنّفاق الاجتماعي بامتياز: مجتمعٌ يتظاهرُ بالتقوى والفضيلة، بينما يُمارسُ في الخفاء ما ينكرهُ في العلن، ويحكم على الناس بمعايير مزدوجة، ويجعلُ من الكذبِ ضرورةً يومية للبقاء والعيش الوجودي.
إن ثقافة العنف لا تنشأ من فراغ، بل تنشأ حين يُقتل الحوار، وحين يُلغى الآخر، وحين يُشطب السؤال.. أي حيث يغيب العقل النقدي والتأملي، القعل الحواري.. فالمجتمع الذي يعلّم أبناءه أن السؤال عيب (وحرام)، وأن الاعتراض خيانة، وأن الطاعة والإذعان فضيلة مطلقة، هو مجتمع يُعدّ أبناءه للعنف أو للاستسلام والتحول للسلبية والانفعال.. ومن لا يستسلم يلجأ إلى العنف، لأنه لم يتعلم لغة أخرى للتعبير عن رفضه.. وهكذا تدور الحلقة (بفواتيرها الغالية والقاسية): عنفٌ يولّدُ خوفاً، وخوفٌ يولدُ نفاقاً، ونفاق يولد لا مبالاة، ولا مبالاة تفتحُ الطريق لمزيد من العنف.. وتبدو المجتمعات العربية، التي تتحدث عن الفلاح والنجاح، وكأنها تسير في اتجاه معاكس، أي كلما ازدادت شعاراتها عن النهضة، ازدادت مسافة النهضة بعداً عنها… لأن النهضة لا تقوم على الجهل والاستبداد، بل على العقل والحرية والكرامة.
والحقيقة أن هذه المجتمعات لم تُهزم من الخارج فقط، بل هُزمت من الداخل.. كيف؟ فقط حين أغلقت أبواب العقل والاجتهاد وحرية الفكر، وحين جعلت من الحقوق ترفاً أو خطراً.. فوقع الجميع في الانكسار والهزيمة.. وهي ليست دائماً عسكرية، بل هي أيضاً ثقافية وأخلاقية وعقلية وعلمية وووإلخ.. وهي تحققت وتتحقق حين يفقد الإنسان ثقته في قدرته على الفهم والتغيير، وحين يقتنع أن واقعه قدرٌ مطلق لا رادّ له ولا مفرَّ منه، وحين يتم استبدال الحلم بالشكوى، والعمل بالتمني، والمسؤولية بالاتكال والتواكل.. وعند هذه النقطة، يتحول المجتمع إلى ما يشبه القبور التي تمشي على الأرض: أجساد تتحرك، لكن وعيها ميت، وأصواتها مكتومة، وإرادتها مشلولة عاجزة..
من هنا، إن استعادة العقل والحقوق ليست ترفاً فكرياً، بل هي شرط بقاء ونهوض. فلا يمكن محاربة العنف بالقمع، ولا محاربة النفاق بالوعظ، ولا محاربة الكذب بالإعلام. المحاربة الحقيقية تبدأ بالاعتراف بحق الإنسان في التفكير، وبحقه في التعبير، وبحقه في الاعتراض، وبحقه في أن يكون شريكاً في بناء واقعه. وعندما يُستعاد العقل، يُستعاد الأمل، وتُستعاد الثقة، ويصبح النجاح ممكناً لا مجرد شعار. أما إذا استمر تغييب العقل ومحاربة الحقوق، فسيظل العنف والنفاق والكذب واللا مبالاة هي اللغة السائدة، وسيبقى السؤال المؤلم قائماً: كيف يمكن لمجتمع أن ينجح وهو يقتل عقله بيده؟!..
أختم مقالتي هنا بعبرة (فيها حسرة) من التاريخ العربي الإسلامي؛ فقد كتبَ أحدُ الولاة لعمر بن عبدالعزيز (الخليفة العادل) أنّ الناسَ ساءتْ أخلاقُها، ولا يُصلحُها إلا السّيف والسّوط..!!. فردَّ عليه عُمر زاجراً: “قد كذبت، بل يُصلحهم العدلُ والحقُّ”. (أنظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي، ج1، ص181).
