مؤتمر ميونخ للأمن 2026: الولايات المتحدة تدمر النظام العالمي
بقلم ابتسام الشامي
ينعقد مؤتمر ميونخ للأمن في دورته الثانية والستين في لحظة شديدة الحساسية السياسية ليس بفعل الحروب المتواصل منها والمستجد فحسب، وإنما في الأساس في التصدعات التي أصابت علاقات الدول الغربية بعضها ببعض ما جعل السؤال عن مستقبل تلك العلاقات من أبرز الأسئلة المطروحة على المؤتمر والمشاركين فيه
لحظة سياسية فارقة
بحضور نحو خمسين ممثل عن دول العالم، تنطلق أعمال مؤتمر ميونخ في عاصمة ولاية بافاريا الملقبة بـ “العاصمة الخفية” لألمانية، يظللها الموقف الأمريكي من القارة الأوروبية ومستقبلها، في ضوء استراتيجية الأمن القومي لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وخطاب نائبه جي ديفنس في المؤتمر ذاته العام الماضي، عندما اتهم القادة الأوروبيين بفرض قيود على حرية التعبير وعدم السيطرة على الهجرة، ما فجّر موجة انتقادات من مسؤولين في إدارة ترامب، تجاه أوروبا، لا تزال ذيولها حاضرة حتى اليوم وهي تثير المزيد من القلق الأوروبي حيال مقاربة واشنطن للعلاقة التاريخية التي تجمعها بها.
المؤتمر الذي يعد المنتدى العالمي لمناقشة سياسة الأمن الدولي، ومنصة للمبادرات الدبلوماسية الرامية الى معالجة أكثر المخاوف الأمنية إلحاحاً في العالم، تلتئم دورته هذا العام في زمن سياسي شديد الاضطراب وغير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينيات القرن الماضي، بتأثير مباشر من اتساع رقعة النزاعات المسلحة في العالم وارتفاع حدتها، بالموازاة مع تآكل منظومة القواعد الدولية، وتزايد الشكوك بشأن مستقبل التحالفات التقليدية، لا سيما الشراكة عبر الأطلسي، مع ما يعنيه ذلك من اختبار للنظام الدولي القائم ومدى قدرته على التكيف مع تحولات جيوسياسية عميقة، مصحوبة بحضور قوى جديدة وازنة في محيطها الاقليمي، وتنامي التنافس بين القوى الكبرى، وتراجع الثقة في بعض المؤسسات متعددة الأطراف.
وإذا كان اجتماع هذا العدد من ممثلي الدول الغربية وفي مقدمهم وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو محاولة لرأب صدع العلاقات الآخذ بالتوسع بين الحلفاء، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تحضر بوصفها متهمة بتخريب ما قامت عليه العلاقات الدولية من انتظام مؤسساتي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
الولايات المتحدة لم تعد حامية النظام
في هذا الإطار كان لافتاً للانتباه ما لفت إليه تقرير صادر عن مؤتمر ميونخ للأمن، من أن الولايات المتحدة لم تعد حامية النظام العالمي، بل أصبحت هي نفسها في موقع من يعمل على تفكيكه. وجاء في التقرير المنشور عشية انعقاد المؤتمر أن “الولايات المتحدة كانت تعتبر سابقاً “حامية” النظام العالمي، ولكنها بدأت الآن بعملية تدميره لأنها ترى أن النظام الحالي يتعارض مع مصالحها”.
وبحسب التقرير فإن “العالم قد دخل عصر سياسة التدمير، حيث بدأت الولايات المتحدة نفسها اليوم تدمير النظام الدولي الذي بني قبل 80 عاماً بقيادتها”.
وإذ حذر التقرير من أن “العالم اليوم تحول إلى ساحة يكون فيها الأقوياء والأغنياء” أصحاب الكلمة الفصل” فإنه وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في طليعة الجهات الفاعلة التي تستهدف النظام العالمي والمؤسسات القائمة وذلك من خلال سياساته الهدّامة.
وفي سياق متصل تقول صوفي إيسنتراوت من مؤتمر ميونخ للأمن: “نحن نشهد حاليا صعود فاعلين سياسيين لا يعدون بالإصلاح أو الترميم، بل هم صريحون جداً بشأن رغبتهم في هدم المؤسسات الحالية، ونحن نطلق عليهم اسم رجال الهدم”.
أمريكا تقدم مصالحها على مصالح الحلفاء
المآخذ الأوروبية على الشريك الأمريكي لا تقتصر على تغيير قواعد العمل على مستوى النظام فحسب، وإنما تقديم مصالح واشنطن على حساب مصلحة الحلفاء، بل الذهاب بعيداً في اعتماد سياسية خارجية من شأنها أن تؤدي إلى إضعافهم. وهو ما تتلمس مخاطره دول الاتحاد الأوروبي، إذ قدر رئيس المؤتمر فولفغانغ إيشينغر “أن العلاقات عبر الأطلسي تمر بأزمة ثقة ومصداقية كبيرة حالياً. “وذكر أن إحدى قضايا المؤتمر الرئيسية هذه السنة، ستكون قدرة أوروبا مستقبلاً على إثبات نفسها بقوة أكبر عن طريق قدراتها الخاصة والوحدة، بعد ردها على مخططات ترامب بشأن جزيرة غرينلاند التابعة للدانمارك.
ورداً على سؤال بشأن احتمال توجيه انتقادات مماثلة لتلك التي أطلقها فانس، قال إيشينجر إنّه يتوقع أن يركّز روبيو على السياسة الخارجية الأمريكية “لا على قضايا لا تدخل مباشرة ضمن نطاق اختصاصه”.
خاتمة
تعكس الهواجس المعبر عنها سياسياً وأمنياً في مؤتمر ميونخ، نجاح السياسية الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب في إيجاد شرخ عميق في العلاقات التي جمعت الولايات المتحدة بالاتحاد الأوروبي على مدى نحو قرن من الزمن، وهو ما يسميه الأوروبيون استراتيجية الهدم، التي لا يبقى أمامها بالنسبة لهؤلاء سوى استعادة القدرة على بناء المستقبل وإعادة النظر في منظومة الشراكات والعلاقات.
