البداية والنشأة
بقلم حسين عبد الله
نحن عندما ننتصر.. ننتصر وعندما نستشهد ننتصر قالها سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله ذات يوم من أيام المقاومة التي بدلت الأزمان بفضل دماء الشهداء والانتصارات على العدو فولى زمن الهزائم وجاء زمن الانتصارات.
والكتابة عن تاريخ المقاومة يدفعك إلى البحث عن عمرها في تاريخ لبنان الحديث فتجد أن عمرها من تاريخ الاستعمار والاحتلال لبلادنا.
ففي العشرينيات من القرن الماضي ولدت المقاومة في جبل عامل واندلعت الحروب والمعارك في جبل عامل، بين الثوار العامليين بقيادة صادق حمزة وأدهم خنجر من جهة، والفرنسيين وأتباعهم المحلّيين من جهة ثانية. وبدأت الفرق الفرنسية بالتقهقر في بعض المواقع، وحصرت عساكرها في المدن الهامّة. وتزامن انفجار الثورة في جبل عامل سنة 1920 ضدّ الفرنسيين مع انفجار الثورة في العراق ضدّ الإنكليز. وما إن اندلعت المعارك في جبل عامل بين الثوّار والفرنسيين حتّى أصدر المراجع الكبار في النجف الأشرف الفتاوى بضرورة التصدّي للاستعمار الإنكليزيّ في العراق.
وقد خرجت ثلّة من المجاهدين العامليين بقيادة صادق وأدهم بعد الوقفة العلمائية المشرّفة، التي أكّدت على حضور الجهاد العامليّ الإسلاميّ العميق الجذور الممتدّ إلى كربلاء الإمام الحسين عليه السلام.
مستلهمين بذلك ماضي الأجداد المشرّف في مواقع: البحرة وكفر رمّان وسهل الغازيّة ويارون وصور وأنصار وعيناثا، وغيرها من ساحات الشرف والعزّ، سائرين على خطاهم، وراحوا يرابطون في شعب الأودية وعلى مفارق الطرقات، يكيلون بالعدوّ ضرباً وتنكيلاً، رافضين تسلّطه وما يسمى استعماره. وكان المقاتلون للاحتلال الفرنسي يتلقون دعماً شعبياً ودعماً من مقاتلي البدو في منطقة سهل الحولة في فلسطين والجولان الواقعة تحت السيطرة البريطانية. ومن يومها كان الانقسام اللبناني حول مفهوم المقاومة واضحاً وربما ما قاله المؤرخ كمال الصليبي في كتاب “بيت بمنازل كثيرة: الكيان اللبناني بين التصّور والواقع” (1988)، عن انقسام الرؤية حول ركائزه “لبنان”. وقد بدا ذلك في جريدة “البشير” عام 1920 إذ سمت الثوار ضد الفرنسيين بالمخربين وكانت من أبرز الصحف المتابعة ميدانياً في تلك الحقبة، وتحديداً خلال ثورة جبل عامل عام 1920 ضد الانتداب الفرنسي ومحاولات ضم المنطقة، وجرت مواجهات وتصدي لفرق وآليات الجيش الفرنسي في مناطق الجنوب ومن بينها منطقة جسر الخردلي (الذي يربط النبطية بمرجعيون فوق نهر الليطاني). وشهدت منطقة الخردلي ومحيط مرجعيون مناوشات وعمليات قطع للطرق وإقامة متاريس من قِبل الثوار المقاومين لمنع تقدم الطوابير العسكرية الفرنسية (مثل حملة الكولونيل “نيجر” في مايو/أيار ويونيو/حزيران 1920).
والنقطة الهامة في مقاومة العامليين للاحتلال الفرنسي التقاطع بين ثوار جبل عامل والشيخ سلطان باشا الأطرش في سوريا فعندما حاول أدهم خنجر اغتيال الجنـرال هنري غورو، المندوب السامي للاحتلال الفرنسي على لبنان وسوريا، في الثاني والعشرين من شهر حزيران لعام 1921 أثناء مروره في القنيطرة، إلا أن الرصاصات التي أطلقها أدهم خنجر استقرّت في ذراع الجنرال غورو الاصطناعية وتسبب ذلك في نجاته.
عندها لجأ أدهم خنجر إلى سلطان باشا الأطرش، الذي كان في رحلة صيد. لكنّ الفرنسيين اعتقلوا خنجر في 7 تموز 1922 في غياب الأطرش، ما أغضبه عندما علم بأمر ضيفه، فكان اعتقال خنجر دافعاً جديداً فجّر غضب رجال الثورة السورية الكبرى والثوار الدروز في جبل العرب ضدّ الاستعمار الفرنسي.
أعدم الفرنسيون الثائر أدهم خنجر في العام 1922 في بيروت. ولا يزال البيت الذي نشأ فيه خنجر في المروانية قائماً حتى يومنا هذا. ولذلك من هنا يمكن القول إن جذور المقاومة للاستعمار هي جذور عميقة، فجبل عامل، الممتد جغرافياً من جنوب لبنان الى شمال فلسطين، كان حصناً حصيناً للثورات العربية المتعاقبة في فلسطين وسوريا وضد الاستعمار الفرنسي والبريطاني والهجرة الصهيونية، فقد شارك العديد من أبناء الجنوب في الثورة السورية الكبرى عام 1925، كما شاركوا عام 1936 في فلسطين ولبى العديد من المتطوعين اللبنانيين نداء الواجب في حرب فلسطين عام 1948، فكان أحدهم فوزي القاوقجي أبن طرابلس، قائداً لجيش الإنقاذ، وكان الآخر النقيب في الجيش اللبناني محمد زغيب ابن يونين – بعلبك، بطل معركة المالكية وشهيدها، وكان الشهيد معروف سعد زعيم صيدا بعد ذلك من رجالات المقاومة في فلسطين…
ومما لا شك فيه أن المطامع الصهيونية في مياه لبنان وخيراته وأراضيه كانت حافزاً إضافياً. و (جبل عامل) ممتد جغرافيا من جنوب لبنان الى شمال فلسطين حيث يشكل العديد من قرى الجليل ومدنه جزءاً أساسياً منه. ولذلك الحروب مع الصهاينة هي من عمر الحرب العربية – الإسرائيلية سنة 1948 التي شارك فيها لبنان بجيشه الناشئ، ولم يشكل اتفاق الهدنة الذي وقع في 23 آذار/مارس 1949 سوى محطة لم تكن تكفي حتى لالتقاط الأنفاس. والأهم في مسيرة المقاومة، أنها لم تكن وليدة فئة دون غيرها، أو تنظيم بحد ذاته، أو تحالف دون أخر، بل كانت ثمرة الحالة الشعبية والوطنية العامة التي حاولت غالبية الحركات والتنظيمات الوطنية والاسلامية التعبير عنها ومواكبتها. فأحس اللبنانيون بواجبهم الوطني تجاهها فانتفضوا في ثورة 1958 ضد حكم كميل شمعون المرتبط بالغرب والاحلاف والمشاريع والمتحالف مع أعداء عبد الناصر والجمهورية العربية المتحدة…
وحين انطلق العمل الفدائي الفلسطيني في مطلع عام 1965، كانت الحركة الشعبية في لبنان هي الحاضنة الأولى له، فبلاغاته الأولى صدت ونشرت، وتم توزيعها في بيروت، ومظاهرات الاستنكار الأولى للاعتداء على الفدائيين الفلسطينيين جرت في شوارع بيروت. وبهذا المعنى فالمقاومة في لبنان، تعود جذورها في الحقيقة الى ذلك الترابط العضوي، الجغرافي والتاريخي، السياسي والاقتصادي، الفكري والنضالي، بين لبنان وفلسطين، بين الرفض التاريخي للاغتصاب الصهيوني ولمطامعه التوسعية وبين إرادة المقاومة المستمرة في هذه الأمة. وبمقدار ما كانت الحركة الشعبية في لبنان جزءاً من المقاومة الشعبية العربية والعارمة للوجود الصهيوني منذ بدايته، فانها بعد نكسة 1967 بدأت تتخذ منحى أكثر خصوصية، ومساراً أكثر تحديداً..
ففي حرب حزيران 1967، هب المئات من شباب لبنان في العاصمة وسائر المناطق للتطوع من اجل التوجه الى الجبهة، وقد ذهب بالفعل عدد كبير منهم الى دمشق وعمان، لكن تلك “الحرب الخاطفة” والهزيمة القاسية التي رافقتها منعتا هؤلاء الشباب من المشاركة بالقتال، فاكتفي آنذاك بالتظاهرات التي أحرقت السفارتين الأمريكية والبريطانية في بيروت، وكانت تلك التظاهرات إيذاناً بولادة حالة جديدة في لبنان، هي حالة المقاومة الأصيلة للعدوان ونتائجه، وللاحتلال وآثاره.. لا سيما وأن موشي ديان وزير حرب العدو قد استخف بلبنان واللبنانيين حين قال ساخراً: أما احتلال لبنان فبالنسبة إلينا ليس أكثر من نزهة تقوم بها كتيبة من المجندات.
فبدأت اللجان الشعبية لمكافحة البضائع الأمريكية بالعمل، وأخذت لجان مساندة العمل الفدائي وكان الشهيد العربي الأول لبناني من بيروت الشهيد خليل عز الدين الجمل، والذي تحول تشييعه في نيسان 1968 إلى تظاهرة وطنية ضخمة شارك فيها اللبنانيون من مختلف المناطق والطوائف والفئات. ومع أواخر الستينات عبرت المقاومة الشعبية اللبنانية للوجود الصهيوني عن نفسها من خلال احتضان العمل الفدائي الفلسطيني وحمايته والدفاع عنه بوجه محاولات السلطة لضربه آنذاك، فكانت تظاهرة 23 نيسان 1969 في بيروت التي سقط فيها عدد من الشهداء، واستقالت على أثرها الحكومة، بداية لسلسلة من التفاعلات لم تنته إلا بإقرار اتفاق القاهرة في تشرين الثاني من العام نفسه برعاية الرئيس عبد الناصر، وهو الاتفاق الذي أقر بحرية العمل الفدائي وبحرية الفلسطينيين في رعاية شؤون مخيماتهم..
إلا أن النقطة الحاسمة في تاريخ المقاومة في لبنان تبقى في 28 كانون الأول 1968، حيث قام العدو الصهيوني بعملية إنزال في مطار بيروت دمر خلالها بعض الطائرات المدنية اللبنانية، وخرجت قواته من المطار دون أن تُطلَق عليها طلقة واحدة.. وكانت حجته في عمليته تلك هي أن مطار بيروت يستخدم من قبل الفدائيين الفلسطينيين للانطلاق في عملياتهم الخارجية ضد طائراته ومؤسساته في الخارج.
أحدثت تلك العملية هزة ضخمة في الوجدان الوطني اللبناني، الذي أحس أنه بات يواجه التحدي الصهيوني وجهاً لوجه، كما انكشف بوضوح دور النظام والسلطة العاجزين أو المتواطئين بنظر الكثيرين.. وللمرة الأولى في تاريخ لبنان يحصل إضراب طلابي يستمر عدة أسابيع، ويشارك فيه الطلبة اللبنانيون في كل الجامعات اللبنانية بما فيها جامعة القديس يوسف في بيروت الشرقية.. كما اخذت حمّى الاقبال اللبناني على التدريب والتسليح تتخذ طابعاً واسعاً.. لاسيما في الجنوب.
فلقد بدأت الاعتداءات الإسرائيلية على المناطق الحدودية، لا سيما العرقوب تزداد عنفاً واتساعاً يوماً بعد يوم بحجة وجود قواعد فدائية في تلك المناطق.. ومع تزايد هذه الاعتداءات بدأ العديد من الجنوبيين واللبنانيين يتنادون لحمل السلاح دفاعاً عن قراهم وبيوتهم وأرضهم.
في أواخر آب 1969 سقط أول شهيد لبناني يدافع عن منزله في مزرعة حلتا – كفرشوبا في العرقوب هو الشهيد حسين علي قاسم صالح الذي رأى دورية إسرائيلية تتوغل في أرضه، فأخذ يطلق عليها النار من بندقيته من سطح منزله ويرمي القنابل الموجودة بحوزته، واستشهد وهو يقاتل.. وفي آب 1969، خاض المقاتلون اللبنانيون والفلسطينيون معركة الدفاع عن بلدة شبعا بقيادة المناضل الشهيد امين سعد (الأخضر العربي) الذي استشهد في المعركة..
وفي العام 1970 استشهد ابن بلدة الماري الحدودية طربيه العنز برصاص العدو، وفي 22 أيار 1970 قام الجيش الإسرائيلي بأول عملية عسكرية كبيرة له في منطقة العرقوب، فتصدى له المقاومون من لبنانيين وفلسطينيين وعرب، وسقط ثلاثة شهداء لبنانيين من طرابلس وشهيد عراقي.
وتوالت الاعتداءات، وتصاعدت المقاومة بوجه المطامع الصهيونية العدوانية، وبدأ “الخط الجنوبي” يحفر لنفسه مجرى عميقاً في الحياة الوطنية اللبنانية حيث اخذت قوى سياسية متزايدة تلتزم خط الدفاع من الجنوب، وتصفه بحوار لاستراتيجيتها، وتصيغ البرامج المتكاملة لدعم صموده وتحصين قراه..
كتجربة شعبية، اجتماعية، تحسينية، تجربة تشكيل قوى مسلحة من أبناء القرى الحدودية أطلق على بعضها (فرق الدفاع الذاتي) و (الحرس الشعبي) وغيرها.. وقال حينذاك الإمام موسى الصدر: “إذا احتلت “إسرائيل” جنوبي سأخلع ردائي وأُصبح أول فدائي”. لكن في المقابل كان اليمين اللبناني المرتبط بشكل أو بآخر بالعدو الإسرائيلي وأمريكا يطرح معادلة بيار الجميل الشهيرة: قوة لبنان في ضعفه وتعني ما فسرها وزير الخارجية اللبنانية يوسف رجي في العام 2026: نذهب إلى واشنطن ونبكي على أعتاب الأمريكيين لعلهم يشفقون علينا.
وأخذ خيار المقاومة يكبر في القرى والبلدات الحدودية حيث خاض أهالي بعض القرى الحدودية ملاحم رائعة بوجه الغزوات الإسرائيلية المتعاقبة فكانت ملحمة كفرشوبا في أواخر 1971، والطيبة في 1/1/1975 حيث استشهد أب وولداه هم علي وفلاح وعبد الله شرف الدين في مواجهة بطولية، وموقعه كفركلا التي سقط فيها عبد الأمير حلاوي في 26 تشرين الثاني 1975.. كما سقط الشهيد علي أيوب في عيناتا.
والاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب منذ عام 1968 كانت الذريعة الرئيسية التي استخدمها فريق لبناني معروف بدوره الأساسي في تفجير الحرب الأهلية لكي يطالب يضرب المقاومة الفلسطينية وحلفائها الوطنيين ولكي يقيم معسكرات التدريب وينشئ الميليشيات المسلحة.
وبعد معركة زحلة في نيسان 1980، والمبادرات العربية التي رافقها تجديد مسيرة الوفاق الوطني داخل لبنان، رمت حكومة (الليكود) بكل ثقلها لتشجيع فريق الميليشيات المتعاونة معها على رفض الحل العربي والوفاق الوطني، واعدة إياهم بدعم استثنائي يصل الى حد حسم الأمور لمصلحتهم على المستوى اللبناني العام..
وعلى الرغم من أن العدوان الصهيوني الواسع في حزيران 1982 كان له مجموعة من الأهداف الاستراتيجية المتصلة بالخطة الإسرائيلية – الأمريكية في لبنان والمنطقة، إلا أنه من الثابت أن التوغل الإسرائيلي باتجاه العاصمة، وموقع الرئاسة في بعبدا، وبعض المناطق الشرقية كان يطمح إلى تحقيق انقلاب كاسح في موازين القوى الداخلية لمصلحة الفريق المتعامل مع العدو وهو الأمر الذي عبّر عن نفسه بانتخابات رئاسة الجمهورية في آب 1982 وانتخاب بشير جميل رئيساً للجمهورية على ظهر دبابة إسرائيلية.
يتبع
في الحلقة المقبلة المقاومة بعد العام 1982
