مسار المقاومة في لبنان من 1982 حتى العام 2000
بقلم حسين عبد الله
بقدر ما كان احتلال العدو في العام 1982 لمناطق لبنانية واسعة وصولاً إلى العاصمة بيروت يمثل قوته العسكرية والسياسية الكبيرة بقدر ما كان ذلك بداية انهيار في مشروعه ضد لبنان كما قال يومذاك قس مسيحي كان في بيروت الغربية المحاصرة.
كما نقل عن الإمام آية الله الخميني (قده) عندما علم بخبر اجتياح لبنان عام 1982 وتشكيل مقاومة إسلامية قوله “الخير في ما وقع”. وتفسر مقولة الإمام الراحل العقائدية على أنها قراءة استراتيجية ترى في الأزمات والحروب والاجتياحات الكبرى نقاط تحول تفرز واقعاً جديداً. لاسيما وأن العدوان عام 1982، حول التحدي العسكري والوجودي إلى محفز لولادة مقاومة منظمة غيّرت لاحقاً معادلة الصراع.
ففي الرابع من حزيران من العام 1982 اجتاح العدو الإسرائيلي الأراضي اللبنانية بشكل واسع واحتل العاصمة اللبنانية بيروت وهي العاصمة العربية الثانية بعد القدس عاصمة فلسطين. كان احتلال بيروت فرصة لتوحيد إرادة اللبنانيين لتحرير بلادهم على الرغم من استمرار الحرب الأهلية. وبعد احتلال بيروت مباشرة صدر البيان الأول لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في 16 أيلول 1982 لتعلن تشكيلها من قوى وطنية إضافة لمتطوعين من جميع المناطق اللبنانية، ومن كل الانتماءات الاجتماعية وجميع الطوائف.
وكانت بيروت التي ظنها العدو قد استسلمت تقاتله في أكثر من شارع ومن منطقة ففي 24 أيلول 1982، تقدم مقاتل في ثياب مدنية، مربوع القامة بخطى ثابتة هو خالد علوان من الحزب القومي السوري من رصيف مقهى الـ “ويمبي” في الحمراء، حيث كان يجلس ضابط صهيوني وجنديان، وعند وصوله على بعد مترين منهم، سحب من تحت قميصه مسدساً رشاشاً وأفرغ طلقاته في أجساد عناصر الاحتلال. وقبل مضي 24 ساعة على هذه العملية، شهدت منطقة عائشة بكار عملية أخرى، مواطن يمطر سيارة جيب صهيونية كانت تمر في المحلة بوابل من سلاحه الرشاش، فيصيب سائقها وجندياً آخر بجروح خطرة.
في الليلة ذاتها شن هجوم “منظم” بالصواريخ على 3 مواقع للاحتلال وآلياته في بيروت الغربية، كان أبرزها إصابة مدرعة في منطقة الرملة البيضاء وجرح 3 جنود من طاقمها، وانفجار قذيفة صاروخية في منطقة القيادة الصهيونية قرب مبنى سينما “الكونكورد”.
وتوالت العمليات ضد الصهاينة في بيروت وعلى بوليفار كميل شمعون في الحدث ما أضطر العدو أن يعلن عبر مكبرات الصوت يا أهل بيروت لا تطلقوا النار نحن منسحبون فيما كانت سلطة أمين الجميل تنفذ اعتقالات في بيروت والضاحية الجنوبية.
على أثرها كتب مراسل “التايمز” روبرت فيسك الآتي “لعل الإسرائيليين غادروا القطاع الإسلامي من مدينة بيروت في الوقت المناسب، فمع حلول يوم السبت كانت بيروت الغربية تشتعل بالعمليات ضدهم، عملية كل خمس ساعات، وكان الجنود الصهاينة قد بدأوا يتورطون في حرب عصابات لا نهاية لها”.
والحدث على أهميته الكبيرة كان هناك في الجنوب ما يؤسس لمرحلة هامة واستراتيجية مع الاحتلال، فالعدو الذي نفذ عدوانه الواسع تحت اسم عملية “سلامة الجليل” وجد شباب يحولون شعارات عملياته إلى أوهام فقد حطم فاتح عهد الاستشهاديين أحمد قصير في 11/11 /1982 مداميك هذه السلامة بتدميره مقر الحاكم العسكري الصهيوني في مدينة صور اللبنانية. ومن يومها بدأت تتشكل نواة المقاومة الإسلامية كعنصر فاعل في مطاردة قوات الاحتلال الإسرائيلي.
وبدأت المقاومة تكبر وتكبر وقد أنس اللبنانيون في عملياتها الصدق والإصرار على طرد الاحتلال.
ولأن جبل عامل يمتلك مخزوناً تاريخياً من أعمال المقاومة تلاقى العاملان العسكري والشعبي فبينما العمليات العسكرية تلاحق العدو كانت المقاومة الشعبية وبالزيت المغلي والحجارة تفعل فعلها في قرى قضاء صور ولاسيما انتفاضة معركة وبدياس وقرى أخرى وانتفاضة النبطية الشهيرة حيث أعلن العدو سياسة القبضة الحديدية. وكتبت صحيفة بريطانية آنذاك: هناك مناطق في صور لا تقوى القوات الإسرائيلية الدخول إليها.
كما كانت المساجد والنوادي الحسينية هي القواعد الرئيسية للمقاومة، وكان العلماء المجاهدون هم أبرز رموز هذه المقاومة وشهدائها. كذلك كانت الروح الجهادية المستمدة من التراث الإسلامي والوطني هي ملهمة العديد من الابطال الذين نفذوا عمليات استشهادية كعصام عز الدين بطل عملية اقتحام الموقع الإسرائيلي في الاولي، ونزيه القبرصلي، وبلال فحص، وأحمد قصير، وسناء محيدلي وكامل وهبة ولولا الياس عبود ويسار مروة وغيرهم من الابطال. إن هذه الصلة الوثيقة بين الإسلامي والوطني، بين الروحي والقومي، قد كشفتها بأروع اشكالها المقاومة الباسلة لشعبنا في المناطق المحتلة..
هذه المقاومة اللبنانية العسكرية والشعبية بمسمياتها آنذاك الوطنية والإسلامية أسقطت اتفاق 17 أيار العام 1984 الذي كان قد وقّعه النظام اللبناني مع الكيان وكان اتفاق إذعان للعدو.
وهذه المقاومة التي أجبرت جيش العدو على الانسحاب من بيروت في العام 1983 دحرت القوات الصهيونية من الجبل والبقاع إلى الجنوب واضطر الجيش الصهيوني للاكتفاء بالبقاء في شريط ضيق من الأرض بحيث يؤمن لنفسه بعض الغطاء الناري المباشر من الكتلة الرئيسية للجيش الصهيوني وكان ذلك بدءاً من عام 1985.
وفي أثناء انسحابه كان العدو يعمل على تصفية قادة المقاومة واقتلاع القرى التي تمثل معاقل حصينة للعمل المقاوم، فقد كانت يرى أن “التصفية الجسدية لبعض الشخصيات هي الطريقة الفاعلة”، فاغتال شيخ الشهداء الشيخ راغب حرب وحاول اغتيال القيادي الوطني مصطفى معروف سعد في عملية تفجير في صيدا بعد عملية تفجير حسينية بلدة معركة ما أدى إلى استشهاد عدد من المواطنين بينهم الشهيد محمد سعد والشهيد خليل جرادي وهما من القادة الميدانيين للعمل المقاوم.
لكن دائماً المقاومة حاضرة ففي العاشر من شهر آذار، من العام 1985، وعلى بعد مائة متر من مستوطنة المطلّة، اقتحم أبو زينب الشهيد عامر كلاكش بسيارة بيك آب محمّلة بـ 900 كيلوغرام من المتفجرات قافلة عسكرية مؤلفة من سبع قطع اعترف الناطق العسكري للعدو بالعملية وزعم أنها أسفرت عن مقتل 12 جندياً وجرح 14 آخرين.
وفي أواسط الثمانينات وبداية التسعينيات من القرن الماضي فرض الخط البياني المتصاعد للعمليات العسكرية ضد جيش الاحتلال المقاومة الإسلامية كحركة مقاومة رئيسة على خطوط المواجهة. بعد تراجع بشكل كبير جداً المقاومة الوطنية اللبنانية نتيجة عوامل ذاتية وموضوعية متعددة عانت منها أحزابها.
وسجل الحدث الأبرز في أوائل التسعينيات اغتيال العدو الصهيوني سيد شهداء المقاومة الإسلامية السيد عباس الموسوي وزوجته وطفله حين كانوا عائدين من إحياء الذكرى السنوية لشيخ الشهداء راغب حرب.
ولكن كان الرد الأكبر على الاغتيال انتخاب سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله أميناً عاماً لحزب الله.
وبدأت المقاومة الإسلامية تفرض حضورها العسكري بشكل كبير. وكان الاختبار الأول لها في عدوان 1993 ولأن المقاومة الإسلامية كانت على شدة قوية وأوجعت الاحتلال أطلق العدو على عدوانه على لبنان في الخامس والعشرين من تموز عام 1993 عملية تصفية الحساب. وانتهى العدوان الذي استمر 7 أيام بتفاهم شفهي أقر فيه العدو بشرعية المقاومة في ضرب قواته في الشريط الحدودي المحتل.
وتصاعدت عمليات المقاومة بشكل ملحوظ سنة 1995، إذ إن الإحصاءات تظهر أن المقاومة الإسلامية، نفذت نحو 876 عملية، أي بزيادة نحو 363 عملية عن العام الذي سبق. كما سجل عام 1995 عودة حزب الله إلى أسلوب العمليات الاستشهادية، إذ نفذ أحد مقاوميه صلاح غندور عملية بالقرب من بنت جبيل، استهدفت دورية إسرائيلية.
وفي 20 آذار/مارس من العام 1996، دفعت العملية الاستشهادية التي نفذها المقاوم علي قشمر السباقَ بين التهديدات العسكرية والجهود الديبلوماسية إلى ذروته.
وفي الحادي عشر من أبريل نيسان العام 1996، شن جيش العدو عدواناً واسعاً على لبنان استمر 16 يوماً، أطلق عليه “عملية عناقيد الغضب” هدف من خلاله إلى ردع المقاومة بهدف توفير احتلال آمن لما كان يُسمى في حينه “الحزام الأمني”. وينتهي العدوان باتفاق رسمي “اتفاق نيسان” بتجنيب المدنيين وتبقى المقاومة ضد العسكريين الصهاينة وتقوم المقاومة بعمليات نوعية ضد الجيش الإسرائيلي وعملائه.
وجاء اتفاق نيسان إسرائيلياً استجابة للضغوط الداخلية التي لا ترى فائدة في البقاء في لبنان وتكبد خسائر حرب الاستنزاف التي نجحت “المقاومة الإسلامية” في فرضها على الجيش الإسرائيلي. وقد أسقطت استراتيجية المقاومة الإسلامية المضادة أهداف العدوان وفرضت معادلات ردع ووفرت مظلة حماية للعمق اللبناني، وفرضت هامش حرية للمقاومة. وبعيد ذلك الإجماع الإسرائيلي المؤيد للسيطرة العسكرية في لبنان الذي ساد في سنوات الثمانينات، أي في العقد الأول للاحتلال الإسرائيلي للبنان، تراجع في التسعينات، ووقع الانشقاق في الصف الداخلي في الكيان الصهيوني.
وانتشرت آراء داعية إلى الخروج من لبنان. وإحدى الحركات التي لعبت دوراً جماهيرياً وإعلامياً كبيراً في هذا السياق كانت “حركة الأمهات الأربع” (نسبة إلى أربع أمهات لجنود إسرائيليين دعين إلى الانسحاب حالاً من لبنان). فالضغط العسكري المتصاعد للمقاومة الإسلامية على جيش الاحتلال وعملائه نجح في مطلع حزيران من العام 1999 إلى بداية تفكك جيش العميل أنطوان لحد، وهروبه من مدينة جزين وقراها شرق صيدا في جنوبي لبنان. ووعد إيهود باراك زعيم حزب العمل أثناء دعايته الانتخابية لرئاسة الحكومة في العام 1999 إلى أنه سيسحب الجيش الإسرائيلي حالاً بعد فوزه بالانتخابات ويوفر قتلى وخسائر على المجتمع الإسرائيلي.
وقبل أشهر من 25 أيار 2000، عقد الكنيست الإسرائيلي جلسةً عامة، للتداول بقرار حكومة إيهود باراك الانسحاب من لبنان، برزت في المداولات مواقف، كان من أبرزها موقف موشيه راز عن حزب “ميرتس”، الذي قال: “من الجيد أن تقرر الحكومة إخراج الجيش الإسرائيلي من أتون النار في لبنان، فالواجب فقط الخروج بسرعة من دون إبطاء”.
يتبع: التحرير عام 2000
