نشاطات

الاعتداء الصهيوني على قاطفي الزيتون في الجنوب

إنّ ما يشهده جنوب لبنان من اعتداءات إسرائيلية متواصلة، تتجسّد في إحراق المنازل وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي واستهداف مقوّمات الحياة، يؤكّد أنّ العدو الصهيوني لا يقيم وزناً للمفاوضات التي تجريها السلطة اللبنانية، ولا يتعامل مع المساعي الدبلوماسية باعتبارها مدخلاً لوقف العدوان، بل يواصل فرض الوقائع على الأرض بالقوة، في محاولة لإبقاء القرى الجنوبية تحت وطأة الخوف والدمار، ومنع أهلها من العودة إلى ديارهم واستئناف حياتهم الطبيعية.

إنّ على السلطة اللبنانية أن تدرك جيداً أنّ استمرار الاعتداءات الصهيونية، في ظلّ المسار التفاوضي القائم، يفرض عليها إعادة تقييم هذا المسار ومدى قدرته على تحقيق المصالح الوطنية، وفي مقدّمها وقف العدوان، وانسحاب قوات الاحتلال من الأراضي اللبنانية، وصون السيادة الوطنية. كما أنّ عليها أن تصغي إلى نداءات أبناء الجنوب الذين لم يتخلّوا عن أرضهم، والذين يطالبون بحقّهم الطبيعي والمشروع في العودة إلى قراهم وإعادة إعمار منازلهم واستعادة مصادر رزقهم، بعيداً عن الوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ. وفي هذا السياق، نؤكّد أنّ مسؤولية الدولة لا تقتصر على المواقف السياسية والتصريحات الرسمية، بل تتطلّب وضع خطّة وطنية عاجلة وشاملة لإغاثة النازحين، وتأمين احتياجاتهم الأساسية، وتوفير مقوّمات العيش الكريم لهم، والشروع في إعادة الإعمار وتأهيل البنى التحتية والمرافق العامة. فما يُقدَّم اليوم من مساعدات لا يرقى إلى حجم المأساة التي يعيشها أبناء المناطق المتضرّرة، ولا يتناسب مع التضحيات التي قدّموها، وإنّ ترك هؤلاء المواطنين يواجهون مصيرهم بإمكاناتهم المحدودة يشكّل تقصيراً في واجب الدولة تجاه مواطنيها، ويستوجب الانتقال الفوري من الوعود إلى خطط عملية واضحة ومموّلة، ذات مهل زمنية محدّدة وآليات تنفيذ ومتابعة جدّية.

إنّنا في تجمع العلماء المسلمين في لبنان وبعد اجتماع الهيئة الإدارية نعلن ما يلي:

أولاً: ندين بأشدّ العبارات الاعتداءات الصهيونية المتواصلة على أبناء الجنوب اللبناني، والتي لم تقتصر على القصف والتفجير وإحراق المنازل، بل امتدّت إلى استهداف المواطنين خلال عملهم في أراضيهم الزراعية وقطاف الزيتون، في اعتداء صارخ على حقّ الإنسان في الحياة والعمل والعيش الآمن على أرضه. وإنّ استشهاد المواطنين جرّاء انفجار مخلفات العدوان الصهيوني، واستهداف المزارعين الذين يحاولون الحفاظ على أرزاقهم، يكشفان حجم المأساة التي يعيشها أهل الجنوب حتى في تفاصيل حياتهم اليومية. ونطالب الدولة اللبنانية بتحمّل مسؤولياتها في حماية المواطنين، والإسراع في إزالة مخلفات الحرب، وتأمين الظروف التي تتيح للمزارعين العودة إلى حقولهم، وملاحقة هذه الاعتداءات أمام المحافل الدولية المختصة.

ثانياً: نستنكر بشدّة ما يواصل العدو الصهيوني ارتكابه من اعتداءات في الضفة الغربية المحتلة، سواء من خلال قوات الاحتلال أو اعتداءات المستوطنين على المواطنين الفلسطينيين ومزارع الزيتون ومنازل الأهالي وممتلكاتهم. ونعتبر أنّ استهداف الأرض والإنسان ومصادر الرزق يأتي في سياق سياسة تهدف إلى التضييق على الشعب الفلسطيني ودفعه إلى مغادرة أرضه. كما ندين استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة وما تسفر عنه من سقوط ضحايا مدنيين وتدمير للبنية التحتية، ونؤكّد ضرورة وقف الاعتداءات، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وصون حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.

ثالثاً: نؤكّد تضامننا مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحقّها المشروع في الدفاع عن نفسها وصون سيادتها وحماية مصالحها الوطنية، وفق أحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وفي هذا الإطار، نتابع بقلق ما أُعلن عن تعرّض ناقلة نفط إيرانية لحادث في عرض البحر أدّى إلى انفجار واندلاع حريق على متنها، ونطالب بكشف الملابسات الحقيقية لهذا الحادث وعدم استباق نتائج التحقيق، ونرفض أيّ اعتداء على الملاحة البحرية أو محاولة لفرض الأمر الواقع بالقوة، كما نؤكّد حقّ إيران وسائر الدول في حماية سفنها ومصالحها المشروعة، بعيداً عن سياسات التهديد والابتزاز والعقوبات الأحادية.

رابعاً: ندين قرار الولايات المتحدة الأميركية فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية باعتبارها مؤسسة قضائية مستقلة، ونعتبر أنّ استهداف المؤسسات القضائية الدولية بسبب ممارستها لاختصاصاتها يشكّل سابقة خطيرة تمسّ استقلال القضاء الدولي وتضعف الثقة بمنظومة العدالة والمساءلة. كما نثمّن المواقف الدولية الرافضة لهذه العقوبات، ونؤكّد أنّ العدالة لا يجوز أن تخضع لموازين القوى أو الحسابات السياسية، وأنّ حماية استقلال المؤسسات القضائية الدولية ضرورة لضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم الخطيرة من المساءلة، أيّاً تكن هوياتهم أو الجهات التي تقف خلفهم.

وفي الختام، يؤكّد تجمع العلماء المسلمين أنّ حماية لبنان وسيادته ووحدة أراضيه، وصون كرامة مواطنيه، وإعادة النازحين إلى قراهم، ليست ملفات قابلة للتأجيل أو المساومة، بل مسؤوليات وطنية تستدعي موقفاً موحّداً وإجراءات جدّية. كما يؤكّد أنّ معيار نجاح أيّ مسار سياسي أو تفاوضي يجب أن يكون ما يحقّقه من وقف فعلي للاعتداءات، وإنهاء للاحتلال، واستعادة للأمن والاستقرار، لا ما يصدر عنه من وعود وتصريحات لا تنعكس على حياة المواطنين وأمنهم ومستقبلهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *