المغامرة السعودية في اليمن.. عندما ترتد التداعيات على أصحابها
بقلم ابتسام الشامي
تعيد التطورات في اليمن رسم المشهد السياسي في منطقة مفتوحة على الانفجار مجدداً في ضوء التصعيد الأمريكي ضد إيران..
وإذ تتسارع الأحداث ميدانياً على جبهات القتال داخل اليمن، فإن استهداف القوات المسلحة اليمنية العمق السعودي رداً على العدوان، وما ينتج عنه من خسائر فادحة مادية وعلى مستوى السمعة، يطرح الكثير من علامات الاستفهام حول التداعيات الاستراتيجية للحدث اليمني على الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
سقوط الهدنة
منذ دخول الهدنة بين السعودية وحركة أنصار الله في اليمن في الثاني من نيسان 2022حيز التنفيذ مدة شهرين من الزمن، لم تنجح المفاوضات اللاحقة بين الجانبين سوى في تمديد الهدنة، أما بنود ما جرى الاتفاق عليه برعاية الأمم المتحدة فظل بعيداً عن الانتقال من الوعود إلى حيز التنفيذ، لاسيما ما يرتبط منها بدفع رواتب الموظفين العموميين من عائدات النفط والغاز، وبرفع القيود المفروضة على الموانئ والمطارات، ما أبقى الهدنة الممددة هشة قابلة للانهيار، وهو ما دنت لحظته مع استهداف السعودية في الثالث عشر من تموز الماضي مطار صنعاء الدولي في محاولة لمنع طائرة إيرانية كانت تقل وفداً من حركة انصار الله شارك في تشييع جنازة الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي(رض)، قبل أن تتطور الأحداث إلى تبادل الهجمات، واندلاع مواجهات برية واسعة على الساحل الغربي لليمن منذ مطلع أيلول الماضي، وصولاً إلى إعلان الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية عملية عسكرية واسعة النطاق، كان من أبرز اهدافها، وفق ما كشفته شعارات العملية، “استعادة” صنعاء بدعم سعودي مباشر تجلى في المساعدة الميدانية للمجموعات المسلحة، وشن الغارات على المحافظات المختلفة التي تسيطر عليها حركة أنصار الله، بهدف إضعاف الحركة وتمكين المجاميع المسلحة من تحقيق الأهداف الميدانية المرصودة للحملة.
وعلى عكس ما خططت له الرياض و”حلفاؤها” اليمنيون، سارت التطورات الميدانية لمصلحة “قوات صنعاء”، وخلال أسابيع قليلة من القتال تغيرت خارطة السيطرة الميدانية، وتمددت الحركة في مناطق الساحل الغربي ومضيق باب المندب ودقت أبواب مدينة تعز، قبل أن تتصاعد حدة الهجمات المتبادلة مع السعودية، وتنجح الحركة، في إطار معادلة مواجهة التصعيد بالتصعيد، بتعطيل عدد من المطارات السعودية واستهداف المنشآت النفطية، لتجد المملكة العربية السعودية نفسها في ورطة تستنزف طاقتها العسكرية والدفاعية والاقتصادية، وسط عزوف أمريكي عن الدخول المباشر في الحرب ضد صنعاء، ومخاوف من تعاظم الارتدادات السلبية للحرب على الاقتصاد العالمي، بفعل ما لحق بالعصب النفطي السعودي من أضرار بالغة.
التطورات الميدانية المتسارعة، دفعت بالحدث اليمني إلى تصدر المشهد الإقليمي بالنظر إلى ما ينطوي عليه من تحولات لن تقتصر تداعياتها على اليمن وحده وإنما على المنطقة برمتها. من هنا يمكن فهم حجم الاهتمام الإعلامي بالحدث وما يُتوقع أن ينتج عنه من تداعيات وتحولات في وموازين القوى الإقليمية.
السعودية تفشل في الدفاع عن أرضها
على أن الاهتمام الإعلامي بالحدث اليمني توزع بين قراءة المشهد الميداني وطرح علامات استفهام حول الأداء السعودي وقدرة الرياض على الصمود وحدها في ضوء الضربات اليمنية المركزة و “تمنّع” الحلفاء عن الانضمام إلى حربها.
في هذا الإطار، ذكرت صحيفة “التلغراف” البريطانية أن من أسمتهم “الحوثيين” “ضيّقوا الخناق على مدينة تعز، ثالث أكبر مدن اليمن وعاصمتها الثقافية، بعد أن سيطروا على آخر طريق رئيسي يربطها بالمناطق الحكومية في الرابع من تشرين الأول، وأغلقوا جميع المخارج المؤدية إلى المدينة، في محاولة للسيطرة على أكبر مكسب استراتيجي لهم منذ بدء الحرب”. ولفتت الصحيفة إلى سيطرة حركة أنصار الله على مناطق استراتيجية في ريف تعز خلال الأيام الماضية، بينها منطقة “الصافية” التي تضم الطريق الرئيسي الرابط بين تعز وعدن، ومنطقة “البركاني” التي تضم منزل رئيس البرلمان، ومناطق “النوازل” و”مفرق يفرس” في مديرية جبل حبشي، و”نجد قسيم” في مديرية المسراخ، مشيرة إلى أنهم يدفعون بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى جبل صبر، أحد أعلى المرتفعات المطلة على المدينة، في محاولة للوصول إلى حقول إمدادها بالمياه من جهة الشرق.
توسيع حركة أنصار الله سيطرتها الميدانية بشكل متسارع على مساحة الجغرافية اليمنية، واستهدافها العمق السعودي استوقف الخبراء والمتخصصين، من زاوية ما يشكله هذا التطور من تحدي لقدرة السعودية على الدفاع عن نفسها فضلاً عن مواقعها داخل اليمن عبر الفصائل المحسوبة عليها. في هذا السياق، ذكرت صحيفة “فايننشال تايمز” في تقرير عسكري أن السعودية، التي “تُعد من أكبر مشتريي الأسلحة في العالم، تواجه صعوبة متزايدة في مجاراة تكتيكات الحوثيين، بعد أن استهدفت هجماتهم مطارات وبنية تحتية حيوية في المملكة”، مؤكدة أن “الترسانة السعودية الضخمة لم تحقق الردع المطلوب”. وإذ أوضحت الصحيفة أن الرياض أنفقت مليارات الدولارات على أنظمة دفاع جوي متطورة وصواريخ اعتراضية وطائرات مقاتلة أمريكية، إلا أنها تجد نفسها عاجزة عن اعتراض كل صاروخ أو مسيّرة “حوثية”. وأوجدت الصحيفة أسباباً تخفيفية للفشل الدفاعي السعودي، برد السبب إلى “اتساع مساحة المملكة، إذ تنتشر الأهداف الحيوية على أراضٍ شاسعة، وتمتد حدودها مع اليمن أكثر من 1300 كيلومتر، بينما يتبنى الحوثيون حرباً غير متناظرة تستهدف إشباع الدفاعات وإرباكها”.
وعن تداعيات الفشل السعودي تلفت الصحيفة البريطانية إلى أن “مصداقية الردع السعودي باتت موضع تساؤل في ظل استمرار الهجمات الحوثية على الرياض ومطاراتها”، مشيرة أن “المملكة تبحث عن أنظمة دفاع جوي بديلة وتسعى إلى تعزيز تحالفاتها الدفاعية مع باكستان وتركيا، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار هذه الهجمات إلى تقويض ثقة المستثمرين وتأخير مشاريع التنويع الاقتصادي”. وخلصت الصحيفة إلى أن الحرب مع “الحوثيين” أظهرت أن التفوق في التسليح وحده لا يضمن الأمن، وأن الرياض تحتاج إلى استراتيجية متكاملة تجمع بين الدفاع الصاروخي وتعزيز التحالفات الإقليمية ومعالجة جذور النزاع اليمني.
وليس بعيداً عن هذا التقدير، ذكرت وكالة “أسوشييتد برس” أن السعودية، التي تملك واحدة من أغلى وأكثر الترسانات تطوراً في العالم من الطائرات الحربية الأمريكية وأنظمة الدفاع الصاروخي والتقنيات المتقدمة، بدت في الأيام الأخيرة عاجزة أمام وابل الصواريخ والمسيّرات التي أطلقها الحوثيون من اليمن، إذ استهدفت المطارات السعودية وقتلت 14 شخصاً على الأقل وأجبرت تلاميذ المدارس ورجال الأعمال على البقاء في منازلهم والعمل عن بُعد. وأوضحت الوكالة أن “الحوثيين” المدعومين من إيران والذين كانوا يُنظر إليهم ذات يوم كميليشيا غير نظامية، تحوّلوا إلى قوة قتالية هائلة ألحقت أضراراً بأكبر منتج للنفط في المنطقة، وهددت طرق الإمداد الحيوية في البحر الأحمر، وتخاطر الآن بإشعال حرب شاملة في شبه الجزيرة العربية شردت الملايين وقتلت عشرات الآلاف، وأنهم يهاجمون السعودية لأنها تدعم القوات الحكومية في اليمن التي يسعى الحوثيون للإطاحة بها. ولفتت الوكالة إلى أن السعودية هي أكبر مشترٍ للأسلحة الأمريكية في العالم، إذ تلقّت 12% من صادرات الأسلحة الأمريكية بين 2021 و2025، واشترت طائرات “إف-15” وأنظمة “باتريوت” ورادارات متقدمة وأنظمة صواريخ هجومية، وخصصت 83 مليار دولار للإنفاق العسكري في موازنة 2026، وأبرمت هذا العام صفقة بقيمة 9 مليارات دولار مع واشنطن لشراء 730 صاروخ “باتريوت”. لكنها تواجه مساحة شاسعة يتعين الدفاع عنها، تبلغ ثلاثة أضعاف مساحة تكساس، وحدوداً مع اليمن تمتد أكثر من 1300 كيلومتر عبر مناطق صحراوية وعرة، وقال المحلل السعودي علي الشهابي: “توقُّع أن تعترض دولة بحجم السعودية كل صاروخ هو ببساطة غير واقعي. لا يوجد دفاع يضمن حماية كاملة”.
وخلصت الوكالة إلى أن السعودية تعاني نقصاً في الصواريخ الاعتراضية وطلبت مساعدة الحلفاء، وأنها أبرمت مؤخراً ميثاق دفاع مشترك مع باكستان وتركيا اللتين تبدوان حتى الآن على الهامش، وأن الرئيس دونالد ترامب قال هذا الأسبوع إنه يقيّم ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة الانضمام إلى الضربات السعودية على الحوثيين لكنه لم يعلن قراراً، وأن الحوثيين راكموا خبرة في مواجهة الدفاعات الجوية الإسرائيلية المتطورة منحتهم ثقة ومعرفة في استهداف السعودية.
وربطاً بالقدرات العسكرية السعودية، ذكَرت شبكة مونتي كارلو الدولية، بالبيانات الصادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، والتي تكشف أن الإنفاق العسكري السعودي بلغ 83 مليار دولار العام الماضي، ما يضع المملكة بين أكبر عشر دول إنفاقاً عسكرياً في العالم. مشيرة إلى استثمار الرياض مبالغ ضخمة في شراء مقاتلات أمريكية ومنظومات دفاع جوي متطورة أبرزها “باتريوت” و”ثاد”، إلى جانب أسلحة من بريطانيا وفرنسا. غير أن هذه الترسانة تواجه برأي الشبكة، تحدياً يتمثل في حماية مساحة تقارب 2.2 مليون كيلو متر مربع، تضم مطارات ومنشآت نفطية وقواعد عسكرية وبنية تحتية حيوية، وسط هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة من اتجاهات متعددة.
صنعاء تضيق الخيارات أمام الرياض
ويطرح الفشل السعودي في التصدي للصواريخ اليمنية تساؤلات حول تداعيات هذا الفشل مضافاً إليه قدرة الرياض على الخروج من هذا المأزق. وهو ما حذّرت منه صحيفة نيويورك تايمز، التي اعتبرت أن السعودية تواجه خيارات محدودة في المواجهة الحالية مع أنصار الله في اليمن. وأشارت الصحيفة إلى أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يواجه، بعد الهجوم الأكثر دموية في السعودية منذ أكثر من عقد، ضغوطاً متزايدة لإيجاد حل لوقف “الحوثيين” ومنعهم من إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على بلاده. إلا أن المحللين بحسب الصحيفة، يرون أن أمام بن سلمان خيارات محدودة في مواجهة صراع غير متكافئ. وأنه “لا يوجد هناك مسار سهل أمام السعودية، فقد بات التوصل إلى حل سياسي مع الحوثيين أكثر صعوبة مع تزايد مطالبهم، ومن غير المرجح أن تنجح محاولة هزيمتهم عسكرياً.. وليس هناك ما يمكن أن يخسره المسلحون، وبخاصة بعدما اكتسبوا خبرة قتالية متزايدة بعد مواجهات متكررة”.
ونقلت الصحيفة الأمريكية عن “إف. غريغوري غوس”، المتخصص في الشؤون السعودية بمعهد الشرق الأوسط، في واشنطن قوله إن “الحل الواقعي الوحيد للسعوديين هو إنهاء الحرب الإيرانية الأمريكية، حيث تدفع الولايات المتحدة الإيرانيين إلى تعهد الحوثيين بإنهاء أعمال العداء كجزء من الاتفاق الشامل”. وأضاف: “لسوء حظ السعوديين، ليس من الواضح مدى استجابة الرئيس ترامب لمطالبهم في هذا الشأن”.
واشنطن تنأى بنفسها
بدورها رجّحت صحيفة التلغراف أن يتجنب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رداً عسكرياً واسعاً ضد الحوثيين، في ظل انشغاله بالانتخابات النصفية الأمريكية المرتقبة في تشرين الثاني. وبينما شددت الصحيفة البريطانية على أن حماية الملاحة في البحر الأحمر وضمان استقرار إمدادات الطاقة لم يعودا مسألتين إقليميتين فحسب، بل باتتا مرتبطتين مباشرة بالأمن الاقتصادي والاستراتيجي لأوروبا. كشفت صحيفة “واشنطن بوست” من جهتها عن خلافات داخل البنتاغون سبقت الحملة العسكرية الأمريكية ضد “الحوثيين” في اليمن عام 2025، معتبرة أن تلك الخلافات عكست مبكراً تحديات تواجهها الولايات المتحدة اليوم في حربها مع إيران، أبرزها غموض الأهداف العسكرية، والاستنزاف السريع لبعض الذخائر الدقيقة، والرهان على القوة الجوية لإحداث تغيير مستدام في سلوك الخصم. وأوضحت الصحيفة، أن هذه الخلافات تعود إلى مطلع عام 2025، حين كان كبار المسؤولين الأمريكيين يناقشون خيارات الرد على هجمات الحوثيين في البحر الأحمر.
وبحسب الصحيفة، “دفع قائد القيادة المركزية الأمريكية آنذاك، الجنرال مايكل ‘إريك’ كوريلا، باتجاه تحرك عسكري سريع ضد الحوثيين، مع بحث خيارات أوسع تجاه إيران، بينما دعا رئيس هيئة الأركان المشتركة حينها، الجنرال تشارلز براون، إلى إجراء تقييمات إضافية بشأن ما يمكن أن تحققه الضربات قبل عرض الخيارات على الرئيس دونالد ترامب”.
ووفق مصادر تحدثت إليها الصحيفة وشاركت في تلك النقاشات، رد كوريلا على براون بعبارة حادة مفادها: “جنرال، لقد انتهى زمن التقييمات”، فيما انحاز وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي كان حديث العهد بالمنصب، إلى موقف كوريلا. وفي الاجتماعات ذاتها، أثار مسؤولون ومستشارون في البنتاغون، بينهم دان كالدويل وأليكس فيليز – غرين، مخاوف بشأن قدرة مخزونات الذخائر الأمريكية على تحمل حملة عسكرية طويلة في اليمن. وتقول الصحيفة إن هذا القلق اكتسب أهمية أكبر لاحقاً مع الحرب ضد إيران، في ظل الاستهلاك الكبير لصواريخ كروز وذخائر الاعتراض الجوي.
خاتمة
لا يبدو مصير الحملة العسكرية السعودية على اليمن مختلفاً من حيث النتائج عن مصير الحرب العدوانية الأمريكية ضد إيران، الفشل يلازم الحربين ويدخل أصحاب المغامرات العسكرية في مأزق الخروج منها بماء الوجه أو بعضٍ منه.
