أول الكلام

مولى الروحِ.. تعصف بالروحِ نسيماً.. وتسكنُ النبضَ حميماً

بقلم غسان عبد الله

وإنْ أخرجوا منكَ سوسنةً سكنتكَ‏.. استعِدْ عطرها‏.. فالأريجُ يؤدّي إليكَ.. وهذا الطّريق الأحاديُّ غيرَّكْ.. لا تبتئسْ‏.. فالأنينُ شجنْ.‏ وهذي النّهاية لا بدّ منها لصنع البدايةِ‏.. لا بدّ للحرف‏ من لحظةٍ من زمنْ.‏

هنا…‏ أعبُرُ الحزنَ وحدي‏ وأرسمُ من حبرِ صبري عليّْ.‏. فأحيا،‏ إذاً أبدأُ المفرداتِ.. وأكتبُ أشجاني في مآقي الكتابْ ولكنّني لست أبكي‏ فقلبي لديّْ.‏. وكلّ القصائدِ زاولَها قلمي‏.. فاكتشفتُ بأني بُنَيّْ.‏. وأنّي غريبٌ عن السّربِ‏ والدُ نفسي‏ ولا أشبِهُ البحرَ‏.. لا ولا أنا توأمُ روحْ.. لا أبتغي الشهرةَ..‏ إنما أشتهي صفةً جمَّعَتْها القصائدُ..‏ ولا أبدأ النارَ من جذوةٍ.‏. والبكاءَ من دمعةٍ لأنوحْ.. قلمي شامخٌ وحروفي تنامُ على غيمةٍ في سطوري‏ وقبلي قناديلُ كشفي‏ وبعديَ طوفانُ نوحْ.‏

سألتكَ عن ألقِ الشّعرِ‏.. قلتَ: كلانا يعمّرُ بركانَه‏.. فغمرتُ شموسكَ ضمنَ سحابِ القصيدةِ‏ في سفح روحي‏ ومِلْتُ أقبّلُ منعطفَ البحرِ‏ عند حضوركَ.. هذا أنا عندما يشعرُ البحرُ قربيَ‏.. بأنَّ عصافيرَهُ تشتهي زورقي‏ ولأنّكَ تنساني أكثرَ ليلكَ في أوّلِ الحبِّ في آخر القلبِ..‏ في لحظات الحضورِ..‏ أخاتلُ من سبقوا مركبي‏ لاكتشاف كواكبِ روحِكَ.. أحفُرُ اسميَ على راحتَيكَ‏ وأعلن أنّيَ هِمْتُ كما هامَ قلبي‏ كما دخلَ العاشقونَ إلى صُوَرِي.‏

أتَذْكُرُ الّذي نَقَلَ الحبَّ‏ بينَ نوافذِ المساءِ وفواصلِ العمرِ؟‏ هذا أنا.. أبداً‏.. والبداية بعض العتابِ‏ فحين ينامُ الملاكُ في أضلعي‏ ممسكاً خفْقَهُ عن منامي‏ يطيرُ إلى لهفتي‏ بلبلٌ خارجٌ من صلاتِكَ‏ يُخرجُ ناياتِه كي أفيقَ‏ وأعْرِفَ أنّ المآذنَ استمالتْ دعاءَ الصبحِ على شفاهكَ..‏ كي لا أراكَ،‏ وكي لا يصافِحَني صوتُ الدعاءِ‏

ما الّذي أرتجيهِ؟‏ وأنتَ القصائدُ العصيةُ تغني الضراعةَ مفردةً‏ كي تجمِّعَها نزهةً في يديَّ‏ وأنتَ الأنا‏ والثّريّا‏ وكوخُ البنفسج.. آوي إلى نبعةٍ قربه‏ فأرى الشّمسَ ترشُحُ من سقْفِهِ‏ وأرى الكروان يعيدُ روائعَهُ.. إذا رآني أدثّر أحلامنا.‏ فسامحني‏ بأن يتجاوزَ عشقُكَ ديوانَ شعري‏ وظلَّ كعادةِ ثغركَ‏ حين يصعِّدُ لحنَ دعاءٍ حميمْ:‏ “إلهي.. لإن أدخلْتني النار.. لأخبِرنَّ أهل النارِ بأني أحبك..” وسامحني إن قلتُ للعصافير على ذرى البلادِ.. أنكَ تعصف بالروحِ نسيماً.. وتسكنُ النبضَ حميماً.. قصري حروفُ قصائدكَ.. ووجيبُ فؤادي فرادتكَ..‏ فطوّقْ غرقي‏ إن سقطتُ شغوفاً بما لذَّ منكَ.. وما طاب منّا‏ وأقولُ: أولَ كلاميَ هذا.. أقولُ.. ما قد لا يُقالُ: سأحتاج ظلّكَ إنْ سافرَ الجسمُ عن مركبي‏ كي يظلَّ بريقُكَ مشتعلاً في مراياي.‏

يا قصّةً عبرتْ كالقطارِ‏ بساتين من غادروني‏ ويا مستقيمَينِ ينحدرانِ أماماً‏ وراءَ القطارِ أقولُ:‏ فخذني‏ لأنشقَّ عنكَ إلى نحلتينِ.. تبنيانِ صرحَ مباهجنا‏ ودعني أحرّرُ من سجنِ طهرِكَ‏ كلَّ ارتعاشٍ يؤدّي لنيسانَ..‏ منكَ ابتدأتُ‏ ومن وجنة أكّدتها شفاهي.‏

سمعتُ دعاءَ الصّباح.. يردِّدُ.. ‏ “واجعل صباحيَ هذا نازلاً عليَّ بضياء الهدى.. ومسائي جُنَّةً من كيد العدا..” قلتُ.. سأعبرُ الصباحَ إلى الصباحْ.. إلى مهابطِ الهدى.. وأمشي إلى جزرٍ‏ عانَقَتْها المياهُ‏ الهارجةُ من الصمِّ الصياخيدِ عذبةً وأُجاجا.. وأغرزُ في كلِّ واحدةٍ قمراً‏ ليكونَ لكَ علماً‏ يرفعونَ ضرورتَهُ في المساء‏ وحين الصّباح ينكَّسُ مثل لهاثي..

أبعْدَ الذي قلتُ‏.. مولى الروحِ.. أخشى البدايةَ.. والزَّمَنَ الكهلَ؟‏ ليس افتراضاً خروجيَ عن السّربِ‏ لكنّما البدءُ صعبٌ‏ كحالِ النهايةِ‏..  أولُ الكلامِ كآخرهِ.. والسّهلُ ما بَين… بينْ.‏ ودوماً أسائلُ ذاكرةَ البحرِ فيكَ وفيَّ.. زمني‏.. كيفَ… أينْ؟.‏ لتبقى الأغاني معلّقة‏ والمدى واحداً‏ والقصائدُ عينْ.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *