الحَاجاتُ والحُقوق، وأصَلُ مَعْنى الوُجود الصّراعُ البَشريُّ والحَاجاتُ الإنسانيّةُ.. رِحلةٌ نَحو مَعنَى الإنْسَانيّة الحَقيقيّة
بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري
في كل حركة التاريخ، منذ أن خُلق الإنسان على هذه البسيطة، كانت مسألة تأمين حاجات الإنسان هي المحرك الأساسي والموضوع الأهم في حركة السعي البشري على مستوى الأفعال والحركات والعلاقات.. وفي سبيلها، ومن أجلها تصارعت جماعات وقبائل وشعوب، وتحاربت أمم وحضارات، وكانت مفردة التدافع والصراع العامل الأبرز الذي كان يطبع مسيرةَ تطور الحياة في كل امتداداتها..
وإلى يومنا هذا لم تختلف كثيراً مضامين الصراع في مواقع الحصول على الحاجات والمصالح، بل المختلف فقط هو أشكال الصراع وتمظهراته الفردية والجماعية، وطبيعة الشعارات التي باتت تطلق اليوم وتطرح على غير صعيد ومستوى.
لقد كانت قضية الحصول على الغذاء والمأوى والدفء حاجة حيوية وضرورة وجودية، لا مجرد رغبة سطحية عابرة.. بحيث أنها فرضت نفسها بقوة على وعي الإنسان البدائي وسلوكه وتوجهاته وعلاقاته.. وفي هذا السياق، نشأت أشكال التنافس والصراع التي طبعت مسيرة التطور البشري بطابعها الخاص.
ولا شك بأن التأمل في تاريخ البشرية الطويل، يكشف لنا عن حقيقة مثيرة وهي أن الصراع لم يكن أبداً غاية في ذاته، بل كان وسيلةً لتحقيقِ غايةٍ أسمى، وهي تأمينُ الاحتياجات الإنسانية. هذه الحقيقة ظلّتْ وتظلُّ ثابتةً ومستمرة الحضور، رغم تنوع أشكال الصراع، وتعدّد تمظهراته عبر العصور كما قلنا.
ويمكن القول هنا إن نظرية الحاجات الإنسانية هي التي شكلت الإطار الفكري الأهم لفهم دوافع الصراع البشري للأفراد والجماعات عبر التاريخ. فالإنسان – ككائن بيولوجي ونفسي واجتماعي – يمتلك سلسلة متدرجة من الحاجات المادية العضوية، وليس فقط المعنوية الروحية.. وهو يتحرك ويسعى لإشباعها. وتبدأ هذه الحاجات بالضروريات الفيزيولوجية كالطعام والشراب والمأوى، ثم تتدرج نحو حاجات الأمان والانتماء والتقدير، وصولاً إلى حاجات تحقيق الذات الفردية.
ففي المجتمعات البدائية، كان الصراع يدور حول مصادر الغذاء ومناطق توفر الصيد والمياه. وكانت القبائل تتصارع على أراضٍ أكثر خصوبة، أو أنهارٍ وسواقيَ أوفر ماءً، أو غاباتٍ تحتوي على فرائس وطرائد أكثر.. ولا يمكن أن نصف هذا الصراع البدائي بأنه شرير وقبيح بذاته أو بطبيعته، بل هو كان تعبيراً عن غريزة البقاء التي فطر الله عليها خلقه.
ومع تطور المجتمعات وتحوّلها إلى كيانات سياسية واقتصادية قائمة بذاتها، وذات تراكيب وتفاعلات معقدة، تحولت وتغيرت أشكال الصراع أيضاً.. بحيث أنه لم تعد المعارك تدور فقط حول الغذاء والماء، بل توسعت لتشمل الكثير من طرق التجارة، والموارد والثروات الطبيعية كالمعادن والنفط، والمواقع الاستراتيجية ذات الأهمية العسكرية أو الاقتصادية.. وهنا نشأ الاستعمار بغرض فرض الهيمنة والتحكم وتأمين الموارد وفتح الأسواق..
ولعل أبرز ما يميز مسيرة الصراع البشري في هذا المجال هو تطور وسائل هذا الصراع، وتنوع أدواته وآلياته العملية، بينما ظلت أساساته وجذوره ثابتة.. ففي العصور الحجرية، كان الصراع يتم ويجري عبر استخدام أدوات بدائية من الحجر والعظم، ثم تطور إلى التحكم بالمعادن كالبرونز والحديد واستعمالها في الحروب، ثم اخترع البشر البارود والمدافع، وفي عصرنا الحالي أصبحت أسلحة الدمار الشامل والصراعات الاقتصادية والرقمية هي أدوات الصراع الرئيسية.
وبطبيعة الحال، لم يؤدِ هذا التطور في أشكال الصراع، إلى حدوث تغيير بنيوي في أصل حقيقته الجوهرية، ففي النهاية يبقى الصراع تعبيراً عن التنافس على الموارد المحدودة في عالم تتسع فيه حاجات الإنسان، بينما تظل قدرات الأرض محدودة أو غير مكتشفة كلها، أو أن الطمع البشري (والرغبة في مزيد من الهيمنة والاستحواذ) هو ما جعلها ويجعلها محدودة من خلال منعها عن كثير من الشعوب.
ومع ذلك، فإنَّ تطور أشكال الصراع يعكسُ أيضاً تطوراً في طبيعة الحاجات الإنسانية نفسها، إذ أصبحَ الإنسانُ اليوم يسعى ليس فقط للبقاء، بل للسيطرة والتأثير والتفوق.. ويمكننا تتبع حركة هذا التطور عبر محطات تاريخية رئيسية عديدة، منذ عصور ما قبل التاريخ، إلى عصرنا الرقمي (عصر الذكاء الاصطناعي الحالي)، مروراً بالعصور الزراعية والصناعية.. حيث أنه رغم هذا التطور، بقيت القواسم المشتركة بين جميع هذه الصراعات هي السعي لتأمين حاجات الإنسان والجماعة.
ولكن الملاحظ أن وجوه الصراع تعددت في عالمنا المعاصر، واتخذت أنماطاً وأشكالاً أكثر تعقيداً وتشابكاً.. فإلى جانب الصراعات العسكرية التقليدية، ظهرت صراعات اقتصادية تتمثل في الحروب التجارية والاحتكارات والنزاعات على براءات الاختراع والهيمنة على الأسواق العالمية والمنافذ البحرية ومواقع الثروات الباطنية.. كما ظهرت صراعات سياسية وإيديولوجية، وصراعات ثقافية وهوية، وصراعات بيئية حول الموارد الطبيعية المتناقصة.
ولعل من أبرز ملامح الصراع المعاصر هو تحوله إلى صراع (وسباق) معرفي وتكنولوجي معلوماتي.. فالدول التي تمتلك المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة تستطيع فرض هيمنتها على الدول الأقل تقدماً، ليسَ بالضرورة عبر القوة العسكرية، بل عبر السيطرة على المعلومات والبيانات والتقنيات الحيوية وغيرها من أدوات القوة الراهنة. وهذا التحول يعكس بدوره تحولاً في طبيعة الحاجات الإنسانية. فالإنسان المعاصر لم يعد يكتفي بالحاجات الأساسية فقط، بل أصبح يسعى لحاجات أكثر تعقيداً كالحاجة إلى المعرفة، والحاجة إلى الاعتراف بوجوده وحضوره، والحاجة إلى المشاركة في صنع القرار، والحاجة إلى العيش في بيئة مستقرة، نظيفة ومستدامة.
ومع دخولنا القرن الحادي والعشرين، بدأنا نشهد تحولاً نوعياً في فهمنا للحاجات الإنسانية وعلاقتها بالصراع. فلم تعد الحاجات تقتصر على الجانب المادي فقط، بل أصبحت تشمل أبعاداً نفسية واجتماعية ومعنوية لا تقل أهمية عن الحاجات المادية.. وهذا الفهم الجديد يضعنا أمام تساؤلات وهواجس جوهرية من قبيل: هل يمكن للصراع أن يكون أداة لتحقيق الحاجات الإنسانية دون أن يتحول إلى وسيلة لتدميرها؟ وهل يمكن للبشر أن يتجاوزوا منطق الصراع إلى منطق التعاون والتضامن في تأمين حاجات الجميع؟!..
الإجابة على هذه التساؤلات تقودنا ربما إلى مفهوم جديد للصراع، وهو الصراع الإيجابي أو البناء، الذي لا يهدف إلى تدمير الآخر، بل إلى التنافس الشريف في سبيل تحقيق الأهداف الإنسانية النبيلة النافعة لكل البشرية.. هذا المفهوم يفرض علينا إعادة النظر في طبيعة الصراع وأدواته وغاياته.
وفي سياق الحديث عن الحاجات الإنسانية، يبرز أمامنا أيضاً مفهوم حقوق الإنسان كإطار أخلاقي وقانوني يهدف إلى ضمان تأمين هذه الحاجات للجميع دون تمييز. والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية التي تلته، وأقرتها الأمم المتحدة، تشكل محاولة جادة لوضع حدود للصراع وتوجيهه نحو مسارات أكثر إنسانية.
ومن المهم هنا التأكيد على أن حقوق الإنسان لا علاقة لها فقط بقضايا قانونية فقط، بل هي تعبير عن حاجات إنسانية جوهرية لا يمكن للإنسان أن يعيش حياة كريمة دونها، ومن ثم يأتي القانون ليثبتها ويرسخها ويضمن فاعلية تحققها واستمراريتها.. فالحق في الحياة، والحق في الحرية، والحق في العمل، والحق في التعليم، والحق في المشاركة السياسية، كلها حقوق تعكس حاجات إنسانية عميقة.
والمشكلة أن هذه الحقوق، رغم تجسيدها في مواثيق دولية، تظل بعيدة عن التحقق على أرض الواقع في كثير من مناطق العالم. وهذا الفجوة بين الإعلان النظري لحقوق الإنسان والواقع العملي تشكل أحد أهم مصادر الصراع في عالمنا المعاصر. وإذا كان الصراع سمة أساسية في مسيرة التطور البشري، فإن المسؤولية الجماعية تمثل الأفق الجديد الذي يمكن للبشرية أن تتجه إليه. ففي عالم أصبحت فيه التحديات مشتركة وعابرة للحدود، أصبح من الضروري تجاوز منطق الصراع الضيق إلى منطق التضامن الواسع. فالتحديات البيئية كالتغير المناخي والتلوث، والأزمات الصحية كالجوائح، والأزمات الاقتصادية كالفقر والجوع، كلها قضايا حيوية لا يمكن لأية دولة أو مجتمع مواجهتها دون تنسيق مع دول ومجتمعات أخرى.. وهذا الواقع الجديد يفرض على البشرية إعادة النظر في علاقاتها وفي مفهوم الصراع ذاته.
لقد أصبحنا اليوم في حاجة إلى نموذج جديد للعلاقات الإنسانية، يقوم على التعاون لا الصراع، وعلى التضامن لا التنافس، وعلى التكامل لا التصارع. هذا النموذج لا يعني نفي الصراع تماماً، بل توجيهه نحو أهداف نبيلة كالتنافس في الإبداع والابتكار والتقدم العلمي.
والآن نصل إلى النقطة الجوهرية في هذا الطرح، وهي أن الإنسان لا يصبح إنساناً حقيقياً إلا بعد تأمين حاجاته ومنحه حقوقه. هذه العبارة تحمل في طياتها رؤية عميقة للإنسانية وللمعنى الحقيقي للوجود البشري.
فما هو المقصود بالإنسان الحقيقي هنا؟!..
إنه الإنسان القادر على تجاوز غرائزه البيولوجية إلى آفاق أخلاقية وروحية أسمى.. إنه الإنسان الذي لا تسيطر عليه الحاجة الملحة للبقاء، بل يمكنه التفكير في الآخرين والاهتمام بمصيرهم. إنه الإنسان الذي يمتلك الوعي الكافي والمسؤولية الكبيرة ليشارك في بناء مجتمع عادل وآمن للجميع.
إن تأمين الحاجات الأساسية ومنح الحقوق للإنسان، يحرره من عبودية الحاجة الماسة، ويمنحه الفرصة لإظهار أسمى ما فيه من قدرات وإمكانيات. بل ويدفعه لكل مواقع الإنتاج والإبداع، لأنه يشعر بأن حقوقه مصانة.. ولكن حين يكون الإنسان جائعاً أو مهدداً أو مقهوراً، فإن اهتمامه ينصب ويتركّز فقط على البقاء، ولا يتبقى له مجال للتفكير في قضايا أكبر أو أسمى.. أما حين يتم تأمين حاجاته، فإنه ينفتح على آفاق جديدة من الوعي والإبداع والتضامن.. ويصبح قادراً على الإحساس بمعاناة الآخرين، وعلى المشاركة في قضايا المجتمع، وعلى الإسهام في تقدم البشرية. هذا هو الإنسان الحقيقي: الإنسان الحر الواعي المسؤول.
إننا نعتقد أنّ مسيرة البشرية هي مسيرة صراع (وتنافس) دائم من أجل تأمين الحاجات وتحقيق الكرامة الإنسانية. هذا الصراع، رغم قسوته أحياناً، كان ولا يزال محركاً أساسياً للتطور والتقدم.. لكن المستقبل يفرض علينا تحدياً جديداً، هوإعادة توجيه هذا الصراع من التنافس المدمر إلى التضامن البناء المثمر.. ففي عالم تتشابك مصائره وتتداخل مصالحه، لم يعد الصراع التقليدي خياراً حكيماً، بل أصبحت الحاجة إلى التعاون والتكامل أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
إنَّ تحقُّقَ إنسانية الإنسان، على مستوى تفعيل وجوده الحي الفاعل، المنتج والمبدع، له طريق واحد، وممر إجباري، هو: تأمين حاجاته الأساسية، واحترام حقوقه، وإتاحة الفرصة له للمشاركة الكاملة الحقيقية في تقرير مصيره، وبناء مستقبل مشترك أكثر إنسانية وعدالة. هذا هو الأفق الذي ينبغي أن تتحرد نحوه وتتجه إليه البشرية، وهذا هو التحدي الأكبر الذي يواجهها.
إن تأمين الحقوق أهم من فرض الأخلاق والقيم.. ودائماً كنا وسنبقى نقول: “أعطوا الناس حقوقها ثم سائلوها”..!!.
