فضاءات فكرية

الألفةُ الوهميةُ ومُغالطة السّلطة: مقاربةٌ في آلياتِ تحويل منصّات التّواصل إلى مرجعياتٍ موازية

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

إنه زمن التداخل والتفاعل الافتراضي، زمن تتداخل فيه الشهرة بالخبرة، وتتلاشى فيه الحدود بين التخصص والرأي العام، وهذا ما جعل تلك المنصات (منصات التواصل الاجتماعي بكافة أشكالها وتنوعاتها) ميداناً كبيراً وساحةً واسعةً مفتوحةً يتربع فيها النخب والمشاهير كمراجع معرفية، يصدقهم الملايين في قضايا الطب والاقتصاد والتربية وكأنهم خبراء معتمدون.. نتحدث هنا عن مشاهير الإعلام والفن والرياضة، وليس عن مشاهير العلم والطب والهندسة والرياضيات للأسف الشديد..!!. وهؤلاء الأفراد (المشاهير) يعتمدون على شعبيتهم وجاذبيتهم وعدد المتابعين لتقديم نصائح صحية أو تفسيرات علمية مبسطة، غالباً ما تكون دون أدلة موثوقة أو فهم عميق لما يقدمونه.. والنتيجة انتشار معلومات مضللة قد تؤخر علاجاً حقيقياً أو تشجع ممارسات ضارة..

وعندما نتعمق وندقق في هذه الظاهرة نلاحظ أنها لم تنطلق من عدم، ولم تأتِ من فراغ، بل هي حصيلة ونتيجة طبيعية لكثير من التحولات العميقة في بنية الثقافة والتفكير الاجتماعي، تغذيها خوارزميات تضخيم الصوت، وتسهيل الوصول وإعطاء الشكل الجذّاب، وحاجة نفسية بشرية طبيعية إلى إجابات مبسّطة ومغرية وسريعة في عالم معقّد، وخطأ منطقي يخلط بين النجاح في مجال والاقتدار في آخر. ومن هنا، نطرح سؤالاً جوهرياً: كيف نحمي وعي الجمهور من هيمنة لا تستند إلى علم، بل إلى شهرة واستقطاب ذاتي مبهر؟!..

في الواقع إن ظاهرة هيمنة المشاهير على الفضاءات العامة، وتصديق الناس لهم فيما يروجون من قصص ووصفات وأخبار وأحداث وروايات، هي ظاهرة معقدة تختزن تغيرات كبيرة في داخل بنى المعرفة والسلطة لمجتمعاتنا، في عصر الرقمنة والتدفق المعلوماتي.. ونظراً لخطورتها –في آثارها وتداعياتها- لا بد من تفكيكها وتحليل مضامينها.

نعيش نحن البشر اليوم في عصر التفكير الفردي وطغيان الذات على الموضوع، والتحول من سلطة المؤسسة (الرسمية أو الموازية لها) إلى سلطة الشخصنة (الذاتوية وهيمنة الفردانية)، حيث نلاحظ حدوث تراجع واضح لدور الهيئات والمرجعيات والمؤسسات التقليدية (سواء منها الدينية، الأكاديمية، السياسية، والإعلامية الرسمية) أمام بروز الفرد كمرجعية قائمة بذاته، يريد أن يكون هو لا غيره من دون معايير ولا ضوابط ولا محددات قانونية وقيم دينية ومرجعيات فكرية وفقهية.. هذه تنطبق للأسف على غالبية مجتمعاتنا، وشرائحنا الاجتماعية حتى تلك التي يزعم أفرادها أنهم منتمون وملتزمون دينياً أو سياسياً.. وعلى هذا الصعيد لم يعد الجمهور يثق في الخطابات المؤسسية الرسمية المجردة (حتى تلك الممثلة لمرجعيات دينية)، بل يثق ويتأثر فوراً في الشخص الواقف أمامه على شاشة هاتفه الخليوي، يرى وجهه ويسمع صوته يومياً بل ولحظياً، فينشأ بينهما حالة انسجام أو نوع من “الألفة الوهمية” التي تولد الثقة التي قد تتحول لاحقاً إلى تبعية وربما عبودية للذات القائلة والفكرة المُقَالة إذا جاز التعبير.

ويستمر الأمر في التحول إلى حالة الاستدلال بالشهرة لا بالخبرة، وهنا يقع خطأ منطقي وفكري كبير وهو ما يسمى بـــ”مغالطة السلطة”.. وهي تعني أن نجاحَ شخصٍ ما وبلوغه الشهرة (والتحول لظاهرة إعلامية كبيرة) في مجال ما كالتمثيل أو الرياضة مثلاً، يؤهله بالضرورة لكي يتحدثَ في مجالات أخرى (كالطب أو الاقتصاد أو التربية). لكن الأمر أعمق من ذلك؛ فالمتابع غالباً لا يفرق بين “شخص ناجح” و”شخص خبير”، لأنه يفتقد لأساسيات المحاكمة ومعايير الحُكم والمقايسة.

كما نلاحظ أن كثيراً من الناس يحتاجون للتبسيط والوصول إلى اليقين، والتوهم بالعيش في جنته سريعاً بلا أدنى تفكير ومحاكمة.. فالتفكير متعب ومكلف خاصة في زمن الوصول السريع لكل شيء.. ففي عالم معقد ومليء بالاحتمالات، يقدم المشاهير ما يعتقدون أنه إجابات قاطعة وحلول سريعة (وصفة سحرية، سبب وحيد للأزمات، توقّع حاسم). وهذا ما يلبي حاجة إنسانية للتقليل من القلق المعرفي وسد ثغرة البحث والتفكر المتعب.

وللأسف هناك آثار ونتائج سلبية وخطيرة لاستمرار هيمنة هذه الظاهرة، قد تتجاوز مجرد تقديم “معلومات مضللة وخاطئة” في مجال العلم التخصصي، أو تضليل الرأي العام بمعلومات كاذبة وتحليلات وهمية خنفشارية في السياسة وغيرها.. منها مثلاً:

1. تشويه الصورة العامة للعلم وتقزيم دوره: فعندما يكتب ممثلٌ أو رياضي مشهورٌ منشور ما حول قضية علمية، أو يقدم فيديو عن دواء السرطان، ويكون له متابعات أكثر من أبحاث معهد وطني للسرطان، فإن ذلك يُحدث أزمة ثقة في أصل المعرفة الموضوعية، ويحول الحقيقة إلى مسألة “تصويت جماهيري”، بدلاً من أن تكون هي بذاتها ميزان القياس والاعتبار العملي.

2. تسويق الأيديولوجيات والأجندات: فليست كل الترويجات بريئة. فبعض المشاهير يُستخدمون كأدوات ناعمة لتطبيع أفكار معينة (سياسياً أو اقتصادياً أو سلوكياً) عبر تقديمها في قالب “نصائح حياتية”، وتقف خلفهم شركات ومواقع لها أغراض الخبيثة والدنيئة للتأثير السلبي وخلف رأي عام مضاد وغيرها.

3. استباحة الخصوصية الجماعية: وهذا ما يحدث حين يقدم أحدهم مثلاً وصفة غذائية أو نفسية تناسب حالته وظروفه ووضعه هو، فيعمل على نشرها وتعميمها على الملايين من الناس من خلال حسابه الشخص، وكأنها حقيقة علمية راسخة لا يأتيها الباطل من خلفها ولا من أمامها.. وبهذا هو يتجاهل مبدأ التخصيص والاختلاف البيولوجي والثقافي بين الأفراد، كما يتغافل عن طبيعة الظروف والمؤثرات الذاتية والموضوعية.

وأما عن كيفية التعامل مع هذه الظاهرة كمجتمع وأفراد وهنا الإفادة كنتيجة؟

فيجب العمل على:

تعزيز “الثقافة النقدية” في التعليم منذ بداياته الأولى على مقاعد الدراسة.. وليس المقصود رفض كل ما يقوله المشاهير، بل تدريب الأفراد على سؤال: “ما مصدر هذه المعلومة؟” و”ما هي الأدلة؟” و”ما هي مصالح الطرف الآخر؟”. يعني جعل الناس ينفتحون على الشك وعدم اليقين والبحث والاستقصاء. أي تدريب عقولهم على التساؤل قبل التصديق: ما مصدر المعلومة؟ ما دليلها؟ ومن المستفيد منها؟ إنه غرس للشك البنّاء، لا الرفض المطلق، وتربية حقيقية على التواضع المعرفي.. ومن خلال هذه المهارة يمكن أن نحمي المجتمع من تضليل المشاهير، ونجعل الجمهور واعياً يميز بين الإقناع العاطفي والحقيقة الراسخة.

التمييز بين دورين: دور “المشهور” كقصة نجاح أو مصدر إلهام (وهو جائز ومفيد بل ومطلوب)، ودوره كمرجع معرفي (وهو الأمر الخطر جداً). حيث يمكن أن نستلهم من سيرتهم، لكن لا نستشهد بأقوالهم في أمور تخصصية ليست من شأنهم ولا علاقة لهم بها لا من قريب ولا من بعيد خاصة في مجال العلم والمعارف العلمية التخصصية.

مسؤولية منصات التواصل: يجب أن تفرض آليات أكثر صرامة لوضع علامات تحذيرية على المحتوى الصحي أو العلمي غير الموثوق، وأن ترتبط شهرة الحساب بدرجة من المسؤولية المجتمعية.

إحياء دور الوسيط الناقد: العودة إلى دور الصحفيين والباحثين والمراجعين كجسر بين المعلومة الخام والجمهور، بدلاً من الإلغاء الكامل لهذا الدور الذي كانت له تبعات سلبية كبيرة.

إننا نعتقد أن ظاهرة الحضور الواسع والكبير للمشاهير على منصات التواصل، لا تدل فقط على ما نعانيه من تجهيل على مستوى المجتمعات، أو غرور على مستوى المشاهير، بل هي نتاج طبيعي لعصر التفاهة الذي نعيش في خضمّه.. عصر اختلطت فيه المرجعيات، وتعددت الإجابات وتسارعت فيه الإيقاعات، وتزايدت مستويات اللا يقين الوجودي الذي ابتلع كل شيء حتى القيم الدينية التي هي بوصلة المسؤولية الأخلاقية العملية.

إذاً الحل والمعالجة لا تكمن في فرض سياسة المنع (منع الناس اللامعين والمشاهير من الكلام)، بل في تطوير قدرات الناس، وتمكين الجمهور من امتلاك أدوات التمييز والتفكير المنطقي الصحيح، وفي بناء بيئة رقمية تقنية تحفز على التساؤل وتعزز قيم النقد، بدلاً من الاستسلام للقيل والقال حتى لو جاء على ألسنة نخب الحضور الرقمي.. أي أن هناك مسؤولية فردية ملقاة على عاتق المتابع من خلال ضرورة التحقق قبل التبني أو المشاركة، واستشارة متخصصين مؤهلين في الأمور الصحية.. بما يعني أن المشكلة ليست فقط في أن المشاهير يتحدثون ويتقولون وينشرون، بل في أنّ الكثير من الناس تصدّقهم بسرعة، وفي أن المنصة تكافئهم على ذلك..!!.

نشير أخيراً إلى أن هذه الظاهرة المتفشية، ليس من السهولة أن تنتهي أو تختفي تماماً، والسبب هو أن الإنسان يميل بطبعه إلى البساطة وربما السذاجة، واستسهال وضع ثقته في الوجوه المعروفة الحاضرة والمألوفة على وسائل التواصل وفي مجالات الإعلام والميديا الفضائية.. لكن بالتعليم والتنظيم والمسؤولية المشتركة يمكن الحد من خطورتها والتقليل من أضرارها بشكل كبير. فالصحة والمعرفة العلمية ليست مجالاً للترفيه أو التسويق الشخصي، بل مسؤولية جماعية تتطلب وعياً مستمراً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *