أول الكلام

أنتَ الخارجُ من ألقِ النبوّاتِ إلى قلبِ السيّدِ الأبيض (قده)

بقلم غسان عبد الله

في الوقتِ رصيفٌ منطفئٌ،‏ ومقاعدُ لا تتذكّرها الأطيافُ…‏ فهل تحتاجُ لنبعٍ في هذي الساعاتِ ليرسمَ فيكَ الدَّفقَ،‏ وأنتَ سواكْ؟!‏ والمشهدُ مرتعشُ الأطرافِ.. فهل تحتاجُ صباحاً في هذا القفرِ المقروحِ…‏ لترسمَ في الأزهارِ إناءْ؟!‏ وأراكَ تعيدُ تفاصيلَ الخطواتِ بلا جدوى…‏ فوقَ المتناثرِ من لحمِ الطرقاتِ…‏ فيسقطُ في الأنحاءِ مساءْ‏..

– “مَنْ هذا العاشقُ..‏ يدخلُ في وجعِ الساعاتِ وحيداً”؟!…‏ تسألُ قنطرةٌ،‏ وتحومُ طيورٌ ترسمُ صيفاً..‏ ترسمُ جسراً فوقَ الروحِ،‏ ونهرَ ضياءْ‏.

– “مَنْ هذا الخارجُ في ألقِ النبواتِ.. يريدُ النهرَ…؟!‏ أما سقطتْ في الضفّةِ ذاكرةُ الإبحارِ؟”،‏ تسألُ صفصافةٌ..

وتسألُ صفصافةٌ أخرى:‏ “أتُراهُ العاشقُ، هذا الداخلُ سراً في حشرجاتِ الصمتِ؟”.. وأينَ يسافرُ هذا الصبرُ؟، وقد ضاقَ التجديفُ،‏ وغابَ رصيفُ العشقِ…‏ فما في القطرِ شتاءْ‏..

قالَ الترابُ..‏ (وكانت أشجارُ الزيتونِ تميلُ شمالاً،‏ والماءُ الغسقيَّ يريدُ ضفافاً يبْلُغُها،‏ وحماماتٍ تتوزَّعُهُ،‏ ومرافئَ ترسمُهُ غيماً،‏ ولهاثَ غناءْ‏..): 

– يا هذا الشاهقُ.. ‏كيفَ تبوحُ بسرِّ الريحِ إلى الأشجارِ؟.. أما حُمِّلْتَ غموضَ الماء،‏ وسرَّ الضوءِ..‏ فكيفَ تعيدُ الروحَ إلى الإنسانِ في البشريِّ،‏ وترجُمُ ذاكَ الغِلَّ،‏ وتلكَ النافذةَ الزرقاءْ؟!‏

يا هذا الشاهقُ.. كيف تركتَ شفاهكَ فوق النحلِ ترفُّ..؟!‏ وما في الصمتِ المالحِ غيرُ هشيمِ الفكرةِ..‏ غيرُ خواءِ الروحِ،‏ وتلك القنطرة السوداءْ‏، ها أنتَ بلا حقدٍ،‏ والخلقُ هناكَ،‏ وأنتَ على أفقِ الطرقاتِ تلوحُ،‏ ولا شيءَ يجيءُ سوى علقِ الأطيافِ،‏ ورفَّةِ حزنٍ في الأنحاءْ‏.. والقدحُ المكسورُ يغطّي نصفَ القامةِ،‏ والجدرانُ تميلُ،‏ وبعضُ الرأسِ يميلُ،‏ ولا يبقى في اللوحةِ غيرُ فراغٍ أجردٍ.. مشتعلِ الأرجاءْ‏.. والوقتُ هجيعٌ،‏ والغابةُ خارجةٌ من ذاكرةِ الأشجارِ…‏ فمنْ في الليل يموتُ سوى قمرِ العشاقِ.. إذا انطفأتْ أضواءُ السهرةِ،‏ واشتعلتْ فيكَ الأضواءْ‏.. ها أنتَ بلا شفةٍ،‏ وأمامكَ برٌّ مِنْ قلقِ الآتي،‏ ووراءكَ بحرٌ مختلفُ الشطآنِ،‏ وأنتَ تُريدُ الجمعَ فيغربُ سربٌ أدركهُ التيّارُ،‏ ويسقُطُ جمرٌ ذاتَ مساءْ‏.. ها أنتَ تريدُ الصبرَ، والصلاةَ، ودينَكَ الأبقى.. فترجعُ للشاطئِ موجتُكَ الأولى.. تتلمّسُ فيكَ الرملَ،‏ وأنتَ قصيُّ الحزنِ.. كثيرُ الدعاءْ.

لم يبقَ سواكَ على قيدِ الزفراتِ يئنُّ.. فأينَ الوردُ،‏ وأينَ الفوحُ،‏ ودفقُ الساعاتِ البيضاءْ؟!‏ وعلامَ تدورُ،‏ وقد رقصتْ أروقةُ المدنِ السمراءِ على إيقاعِ الخوفِ،‏ وغابتْ في العدمِ الأشياءْ‏.. والصمتُ سؤالٌ…‏ تنزفهُ الأقمارُ،‏ وتعصرهُ الأمداءْ‏.. هذا زمنُ القهرِ..‏ فكوّمْ نفسكَ في الصبرِ الجميلِ،‏ وغلّقْ كلّ جهاتِ الوقتِ عليكَ،‏ وباركْ هذا اللونَ الشاحبَ في أوجهنا،‏ وادخل دائرةَ الفقراءْ‏.

مَنْ غيرُكَ أطلقَ فينا قنوطَ الليلِ.. فصرنا الضراعةَ في طقسِ الدعواتْ؟!‏ وشفاهُنا أغرقها الموجُ المتعالي عند ضفافِ الحلمِ.. فتنامتْ داخلها الأصواتْ‏.. مَنْ غيرُكَ أسلمنا في هدأةِ حلمٍ يانعةٍ لِلُهاثِ دمائنا.. فارتفعتْ دوننا الصلواتْ؟!‏ مَنْ أدخَلَنا محرابَ التوبةِ..‏ حينَ بدأنا نلمُّ الريحَ مِنَ الأشجارِ،‏ ونطلقُ عصفورَ اللحظاتْ؟!.. أنتَ الخارجُ من ألقِ النبوّاتِ أدخلتنا محاريبَ الإباء لتأتينا بفيضٍ من سنا الانتصاراتْ. ‏

كدحٌ وكدحٌ،‏ والخطواتُ تهاجرُ في أفقِ الخطواتْ‏، ما كانَ لنا في البدءِ رحيقُ اللحظةِ.. حتّى ينكرنا الليلُ الشغفيُّ،‏ وتقتلنا الشبهاتْ‏..!! إن لنا في النهار سبحاً طويلاً.. وارتقاءً وصبواتْ.. لكن.. في عتمةِ التباعدِ كانتْ رحلتُنا،‏ والغلُّ مرتفعٌ،‏ والوقتُ مُواتٍ للسيرِ إلى أقصى الأهواءِ،‏ ورجمِ النافذةِ المُثلى،‏ وبلوغِ الذاتْ.. يا كلَّ المصلوبينَ على خشبِ الأحقادِ،‏ وكلّ السمَّارِ الغرقى..‏ مَنْ يأذنُ للأصدافِ بلثمِ البحرِ..‏ سوى الماءِ المحبوسِ هناكَ…‏ على الشطآنْ؟!‏ مَنْ يرسمُ في الآتي قوسَ الشجنِ الطالعِ في الإنسانْ؟!‏ أربعونَ شتاءً والصفصافُ يلوِّحُ،‏ ويطلعُ ليلٌ مِنْ هجرٍ،‏ ونهارٌ أجردُ…‏ مِنْ موتِ نهارْ‏.. وأربعونَ رحيلاً في فوضى الأنواءِ،‏ وقرصُ الشمسِ يدورُ هناكَ على طرفِ المنفى،‏ ويموتُ هزارْ.. ‏

والآن وقد نامَ الأنسُ في قفصِ الأشجان،‏ والعالمُ نامَ،‏ ونامَ يمامُ الفكرةِ في قفصِ التذكارْ‏.. أتوضّأُ مِنْ ماءِ رؤايَ،‏ وأنوي نافلةَ الأشجانْ‏.. قبلَ طلوعِ النهرِ مِنَ الإطراقِ،‏ وقبلَ بزوغِ الروحِ مِنَ النسيانْ‏.. أصلي لأجلِ انثيالِكَ ضوءاً على سراديب العتمةِ علّي أتنفسُ حلماً مِنْ حرِّ الزفراتِ،‏ وأرقبُ فيَّ البائدَ..‏ في هذي الساعاتِ من الفوضى،‏ وألملمُ فيَّ الإنسانْ.‏..

اللهمَ بحقِّ ما أطلقتهُ في فضاءِ الخلقِ من أنفاسٍ للكونْ… بحقِّ ألق النبوّات وأنوار الأئمة.. أطلِقْ أطيافَ ملائكةِ العرشِ يُنعشونَ قلب السيّدِ الأبيض.. ليولدَ فينا الإنسانْ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *