فضاءات فكرية

إشكاليةُ الدّولة في الفكر السياسي العربي الدّولةُ بين الجَدارة والإقصاء: في معناها وتطبيقاتها العملية

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

وقد دفع هذا التوتر المزمن المستمر – على الرغم من الانفتاح على معنى الدولة في الفكر الحديث – إلى بقاء الدولة العربية مرتهنة في آلياتها العملية لتأثيرات الانتماءات التاريخية مع تلوينات من الإطارات السياسية الحديثة البعيدة عن عمق المعنى الحديث.. فبدا الفكرُ السياسي العربي وكأنه يحاولُ الجمعُ بين نقيضين.. والنتيجة هي هيمنة هذه الازدواجية واستمرار سطوتها، بما أثّر على إمكانية صياغة رؤية مستقلة خاصة بهذا الفكر السياسي الحديث واندراجه في التطبيق العملي بسلاسة دونما عقبات وعراقيل..

وبطبيعة الحال، لم يقتصر هذا الصراع على الجانب النظري وحده، بل انعكسَ في مواجهةِ مباشرة بين مشروعين متباينين: مشروع تراثي يستمد شرعيته من مفاهيم الخلافة والملك والغلبة، حيث تظل السلطة مرتبطة بالعصبية والولاءات الضيقة الفرعية المتمحورة حول الشخص، ومشروع حداثي ينطلق من قيم المواطنة والعقد الاجتماعي في أساس موضوعة الحقوق والواجبات الفردية والمجتمعية. غير أن المعركة لم تُحسم لصالح الرؤية الحداثية كما قلنا. بل ظل إرث السلطان والأمير حاضراً بقوة في وجدان كثير من المفكرين والمراجعين لهذا الكم الهائل من نصوص السياسة العربية، ليس فقط بسبب الحنين إلى الماضي، بل لأن المجال السياسي العربي المنغلق يجد في هذه التصورات ما يبرر هيمنته، ولأن النخب الحاكمة رأت فيها أدوات مريحة لتكريس سلطتها.

ومن هنا أصبحت فكرة الدولة في الخطاب السياسي العربي المعاصر تعيش حالة انفصام واضحة.. فهي من جهة واقع سياسي وقانوني قائم، ومن جهة أخرى فكرة فلسفية لم تنضج نظرياً بما يكفي. فالسلطة لم تُفهم يوماً كمؤسسة عامة تخضع للقيود القانونية والمساءلة الدورية والمراجعة المدنية، بل جرى التعامل معها كملكية خاصة أو غنيمة يتنافس عليها الأقوياء والمتغلِّبين. وأنتج هذا الفهم المغلوط أنظمةً تسلطية ديكتاتورية بعناوين فكرية يمينية ويسارية، تقوم على معنى معيار الولاء الشخصي بدل معايير الكفاءة والنزاهة والقانونية والعلمية، وتُقصي المواطنة لصالح المحسوبية والاستزلام، فأعادت إنتاج الاستبداد بصور متجددة.. وفي خضم هذه الإشكاليات، خرج مفكرون مثل عبد الله العروي بطرحٍ مختلف.. فكانوا يرون أن المخرج لا يكمن في الحلول الانفعالية أو الطروحات الثورية التي لا تفعل سوى إعادة تدوير الأزمة نفسها واستمرار الغلبة والمعاناة والخسائر المادية والمعنوية، بل يؤكدون ضرورة تبني مشروع عقلاني يبدأ ببناء مؤسسات قوية وفاعلة، مدنية الطابع والامتداد، بما يُمهِّد تدريجياً الطريقَ نحو تمثل فكرة الديمقراطية عبر نخب واعية ومستنيرة قادرة على قيادة هذا التحول بهدوء وروية.

إن الدولة ليست مكانة للتشريف والفخار والتمجيد، بل هي مؤسسات للخدمة والتأسيس للعيش السعيد.. هي ليست مجرد خطوط على خريطة، ولا جهازاً سياسياً يفرض سلطته من فوق. إنها كائن حي.. لها هوية تتشكّل من تفاعل معقّد بين مؤسساتها، وشعبها، وأرضها. وحتى اللغة تشهد بذلك؛ ففي لسان العرب، تعرف “الدَّوْلة” بأنها “العُقْبة في المال والحَرْب”، وتعني أيضاً “انقلاب الزمان”، وتداول الأمور بين الناس. والمعنى اللغوي نفسه يقول لنا إن الدولة حركة وتداول وتغيّر، لا جمود ولا سكون. هي مساحة مفتوحة لتداول المسؤوليات والفرص بين أبنائها، والتنافس في خدمتهم وتأمين راحتهم وسعادتهم.

أما في الاصطلاح الفكري – السياسي الحديث فتعرف الدولة من حيث أنها: “مجموعة من الأفراد يمارسون نشاطهم على إقليم جغرافي محدد ويخضعون لنظام سياسي معيّن متفق عليه فيما بينهم يتولى شؤون الدولة“. وشخصيتها القانونية تتحدد بخمس خصائص: ممارسة السيادة، والطابع العام للمؤسسات، والتعبير عن الشرعية، وامتلاك أداة الهيمنة (قوة الإرغام لضمان الالتزام بالقوانين)، والطابع الإقليمي. لكن السؤال الأعمق يبقى: كيف تتحقق هذه الخصائص عملياً؟ وبأي معايير تُدار الدولة فعلاً؟.

وقد طرح فلاسفة العقد الاجتماعي، مثل هوبز ولوك، فكرة الدولة كحل لحالة “الفطرة” أو “حرب الكل ضد الكل”. بلا دولة، يسود الاضطراب، فيتفق الناس على عقد اجتماعي يتنازلون بموجبه عن جزء من حريتهم مقابل الأمن والنظام. ووصف هوبز الدولة بأنها “التنين البحري” (Leviathan = ليفياثان)، تعبيراً عن قوتها المطلقة التي تضمن الاستقرار. لكن هذه الدولة لا تقوم على الكفاءة وحدها، بل على الشرعية التي تمنحها السيادة والقدرة على فرض النظام. وهنا يبرز سؤال مزعج: كيف تكون الدولة شرعية إذا كانت مؤسساتها لا تعكس كفاءة عناصرها، بل تخضع لمعايير الولاء والإقصاء؟!.

ابن خلدون يقدّم رؤية مختلفة وعميقة. فالدولة عنده هي “الامتداد الزماني والمكاني لحكم عصبية ما”. تنشأ من قوة “العصبية” التي توحّد جماعة تحت راية مشتركة، ديناً كانت أو ولاءً قبلياً. والأهم أنه يشبّه الدولة بالكائن الحي: نشوء، ازدهار، ثم اضمحلال.

– البداوة: العصبية قوية، والجند والمال أساس السلطة.

– الحضارة: الدولة تزدهر وتثري، ثم تغرق في الترف.

– الاضمحلال: العصبية تضعف، ويظهر جيل لا يملك سوى وراثة السلطة، فتنهار الدولة.

وهذا النموذج يحمل دلالة بالغة لنقاشنا.. حيث أن الدولة القائمة على عصبية ضيقة، قبلية كانت أو طائفية أو حزبية، ستصل حتماً إلى الهرم والسقوط. لأنها حين تهمّش الكفاءات وتقصي الأكفأ، تفقد قدرتها على التجدد.

ولا شك بأن نجاح الدولة لا يُقاس بقوة سلطتها فقط، بل بقدرتها على استقطاب الكفاءات وتوظيفها في خدمة المصلحة العامة. الدولة التي تقوم على الجدارة ترتقي بأدائها، لأنها تعتمد على الأقدر على الإنجاز والابتكار. ويصف خبراء الإدارة والحوكمة غيابَ الكفاءات في الإدارات العامة بأنه “خلل هيكلي ومشكلة مستقبلية خطيرة جداً”. والنتيجة هي انخفاض الإنتاجية، واللامبالاة، وهروب الكفاءات، وتدمير بيئة العمل، ثم تراجع الخدمات وانتشار الفساد. وهذا بالضبط ما ينتج عن “دولة التخاطف والتنابذ في فلسفة الإقصاء” التي تفرز “الأقدر على تمثيل التشظي والافتراق”.

إن الممارسة العملية تكشف صراعاً مستمراً بين معيارين: الكفاءة القائمة على الخبرة والجدارة، والولاء القائم على الانتماء السياسي أو الحزبي أو الطائفي.

وفي سياقات عربية عديدة، تخضع التعيينات والترقيات لاعتبارات الولاء أكثر من الكفاءة. وهنا يُطرح السؤال: “هل الولاء السياسي يجب أن يسبق الكفاءة في اختيار القيادات؟” ويلاحظ مراقبون أن جزءاً كبيراً من التعيينات يتجه نحو شخصيات مقربة، في حين يتراجع حضور الكفاءات الإدارية ذات الخبرة الطويلة.. حيث يتم تحويل المواقع والمناصب العامة إلى “مكافآت” تُمنح لن يوالي ويطيع ويسدد الفواتير.. فالولاء هو القاعدة للأسف.. بالتالي حين تُستخدم المناصب لشراء المواقف وتسديد الفواتير للبقاء، تفقد الدولة حيادها، وتتحول إلى مكمن ذهب، وطرف في الصراعات.. فالوزارة والسفارة والمحافظة والهيئة والمؤسسة العامة لا تعود ملكاً للمجتمع، بل تتحول إلى مزارع شخصية، وحصص تمنح لمن أثبت طاعته أو قدّم الخدمة السياسية المطلوبة.

ولعلّ أخطر ما في المسألة أن الإقصاء والتنابذ لا يتوقفان عند حدود سوء الإدارة وتآكل معنى وظيفة المؤسسات الرسمية في التدبير والإشراف والتأمين والحماية.. لأن المسار عندها سينتهي إلى هيمنة عقلية المعازل والميليشيات، وهذا ما يفرغ الدولة من معناها ووظيفتها، لتصبح بناءً آيلاً للسقوط.. هذا ليس وصفاً افتراضياً، بل تشخيص لمسار شهدته دول عدة في المنطقة العربية، وبعضها ما زال يشهد خذا الانحدار والتآكل.

وعندما تُقصى الكفاءات وتُهمّش الخبرات بل وتحارب في وعيها وقدراتها وإمكانياتها، وتصبح المؤسسات مجرد حصص وغنائم تُقتسم بين الحلفاء والمحاسيب والأزلام، تفقد الدولة قدرتها على أداء وظائفها الأساسية.. والتحليلات تشير إلى أن الخلل والسقوط يبدأ من نقطة الخلط بين مفهوم الدولة ومفهوم الحكومة، وأن مؤسسات أية دولة يجب أن تبقى مؤسسات مهنية مستقلة تستمر بغض النظر عن تغير الحكومات، بينما يؤدي ربطها بالسلطة السياسية إلى إعادة إنتاج نموذج يقوم على الولاء بدل الكفاءة.. فهذا الخلط هو الباب الذي يفتح على تحوّل الدولة إلى مسرح صراعات ونزاعات شحصية، ثم إلى كيانات (حزبية وميليشياوية) متصارعة تتنازع السلطة والنفوذ، والمواطن ضحية هذا التشرذم.

ومن الضروري هنا – من أجل فهم أصل فكرة بناء دولة فاعلة ومنتجة وحاضرة بقوة في عصرها – التمييز بين الدولة والحكومة.. وهو تمييز يغفله كثيرون. فالدولة “كيان شامل يتضمن جميع مؤسسات المجال العام وكل أعضاء المجتمع بوصفهم مواطنين”، أما الحكومة فـ”ليست إلا جزءاً من الدولة”، وهي “الوسيلة أو الآلية التي تؤدي من خلالها الدولة سلطتها”.

والفارق الجوهري أن الدولة أكثر ديمومة من الحكومة (المؤقتة بطبيعتها).. حيث أن الدول تبقى كمؤسسات وهياكل إدارية ومنظومة عمل دستورية، والحكومات تتغير باستمرار عبر الانتخابات.. أي تتعاقب الحكومات، وقد يتعرض نظام الحكم للتغيير أو التعديل، مع استمرار النظام الأوسع والأكثر استقراراً ودواماً الذي تمثله الدولة.. أي أن مؤسسات الدولة يجب أن تكون محايدة ومستقلة، قائمة على معايير الكفاءة والخبرة، لا رهينة لتقلبات السياسة وولاءات الحكومات المتعاقبة.

إن بناء دولة قوية يتطلب معايير واضحة لاختيار القيادات والكوادر:

– الشفافية في التعيينات: المناصب العامة تخضع للمنافسة المفتوحة، بمعايير موضوعية تقيس الخبرة والكفاءة.

– الاستقلالية المؤسسية: مؤسسات الدولة محايدة، لا تخضع للاعتبارات السياسية أو الحزبية.

– المساءلة وتقييم الأداء: المسؤولون يخضعون لتقييم دوري على أساس إنجازاتهم، لا ولائهم.

– الاستثمار في الكوادر الوطنية: تدريب وتأهيل وتطوير القدرات، بدل الاعتماد على الولاءات الضيقة.

وهذا ما يؤكده خبراء الإدارة عند حديثهم عن “بناء نظام وظيفي يقوم على الاستحقاق لا على الاعتبارات الأخرى”، لأن “غياب العدالة وتكافؤ الفرص يدفع أصحاب الكفاءات إلى فقدان الحافز للعمل في القطاع العام، والبحث عن فرص في القطاع الخاص أو خارج البلاد”.

إن الدولة مرآة تعكس قيم المجتمع وتوازناته. والدولة القائمة على الكفاءة والجدارة تعكس مجتمعاً يؤمن بالعدالة وتكافؤ الفرص، ويستثمر في طاقات أبنائه. أما الدولة القائمة على الإقصاء والتهميش والمحسوبية، فتعكس مجتمعاً يعاني التشرذم والانقسام، وهو ما يهدد بتفككه وانقراضه السياسي والعملي.

وقد سبق لابن خلدون أن حذّر من أن الدولة التي تهمّش الكفاءات وتقصي الخبرات، وتستبدل بها جيلاً لا يملك سوى وراثة السلطة، تسير بخطى ثابتة نحو الانهيار. فدولة التخاطف والتنابذ في فلسفة الإقصاء، هي التي تفرز الأقدر على تمثيل التشظي والافتراق في وصفة للتهالك المتواصل والمستمر..

ويبقى التحدي الحقيقي الذي تواجهه الدول العربية اليوم هو بناء إدارة عامة قائمة على الكفاءة والشفافية، والفصل بين مفهوم الدولة الدائم ومفهوم الحكومة المؤقت، وكسر دائرة المحسوبية والإقصاء التي تُضعف المؤسسات وتُهدد استقرار الدول. والدول التي تستثمر في كفاءاتها تستثمر في مستقبلها، والتي تُهمّش كفاءاتها تهدم أسس بقائها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *