فضاءات فكرية

حولَ مرجعية التّنوع وضَرورته للنّهوض الحَضاري لا تقدّم مع غيابِ قيم التّعددية والاعتراف بالآخر

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

والسبب أن قيامة الدول ونهضة الحضارات بصورة حقيقية صحيحة، لا يُصنع ولا يتفجر بالواحدية والإقصاء وتهميش الآخر، ولا يُنسج على نول التفرّد والاحتكار، بل هو وليد تلك المساحة الفسيحة التي تتلاقى فيها الأفكار، وتتلاقى العقول ونتاجات المعارف، وتتصارع فيها الرؤى، ويتنفس فيها الاختلاف والتنوع، بما يثري ويغني.. فالتعددية ليستْ ترفاً فكرياً يمكن تأجيله إلى ما بعد تحقّق النهضة، ولا هي مجرد تزويق وتزيين ثانوي على واجهة المجتمع المثالي، بل هي قضية أساسية تدخل في عمق النهضة وجوهرها الذاتي، وهي الشرط الأنطولوجي ذاته الذي يجعل الحياة الإنسانية ممكنة وقابلة للتقدم والتسارع المثمر.. ولعل أول ما ينبغي إدراكه في هذا السياق هو أنّ التنوعَ لم يأتِ كنوعٍ من “السماح” الإلهي أو التنازل عن وحدة مثالية كانت ممكنة، بل هو سنة كونية وإرادة خلقية لا تتبدل، يكفر بها من يظن أن بوسعه سبك البشر في قالب واحد، أو صياغة الوجود على وتيرة واحدة.

إنّ العصبية والتقوقع الهوياتي، بكل تجلياته، هو النقيض المباشر للانفتاح والتنوع. وحين تتحول العصبية من شعور جماعي بالانتماء إلى أيديولوجيا تمحو الآخر، فإنها لا تمارس عنفاً على البشر فحسب، بل تمارس عنفاً على ذاتها وعلى قانون الوجود نفسه القائم على التنوع والتعددية.. كذلك الاحتكار، بكل أشكاله، هو نقيض التعدد؛ سواء كان احتكاراً للثروة أم احتكاراً للحقيقة أم احتكاراً للتأويل والنص.. وما الادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة، واحتكار المعنى (سواء معنى النص أو الدين أو الوطن)، إلا صورة أخرى من صور العنف الرمزي (المتحول سريعاً لعنف عضوي دموي) الذي يتجلى عملياً في تبرير الاستيلاء على ما ليس لأحد أن يستولي عليه، وغصبه بالقوة العارية.. ومن المفارقة أن المجتمعات التي تظن أنها تحمي وحدتها بالقمع والهيمنة والتجانس القسري، إنما تخزن تحت رمادها الساكن نيران براكين مستقبلية من الصراع والتحارب الدموي.

أما إذا تأمل الإنسانُ نفسه، بدءاً من بَصْمته التي لا تشبه بصْمة إنسان آخر، مروراً بصوته ونبرته ونمط تفكيره وآليات تمثله وعيه في الواقع، وانتهاءً برؤيته للوجود وميوله الجمالية، فإنه سيرى التنوع كبيراً وواسعاً ومنغرساً في صميم تكوينه الفردي قبل الاجتماعي. فإذا انتقل إلى محيطه البشري والمجتمعي، وجَد نفسه أمام لوحة لا متناهية من الاختلافات العقدية والفلسفية والسياسية والأسلوبية، ليس كخلل عرضي يمكن إصلاحه، بل كبنية جوهرية لو توقفت لاختل ميزان الحياة ذاته.. ولهذا فإنَّ الحديث عن “إدارة الاختلاف” لا ينبغي أن يُفهم وكأنه التعامل مع حالة طارئة يمكن ردّها إلى أصل متوهم من التوافق، بل إدارة الاختلاف هي في الحقيقة إدارة للحياة نفسها بكل ما فيها من ألوان وتنوعات وصور لا تنتهي، مادية ومعنوية.

وما يجعل من التنوع قضية أساسية، بل محورية وجوهرية في سياقنا العربي والإسلامي، هو أنها ليست دعوة مستوردة من خطابات ما بعد الحداثة الغربية، بل هي صدى لخطاب تأسيسي في قلب النص المقدس الذي يدعو لها بكل جذرية وتأصيل فكري وعملي.. ومن المفارقات العجيبة أن دين التوحيد الخالص، الذي يقوم على شهادة أن لا إله إلا الله، هو نفسه الدين الذي أقام الحجة على تعددية البشر وتنوعهم واختلافهم وتباينهم بما يستلزم التأسيس الفاعل لعيشهم المشترك انطلاقاً من الوحدة الإنسانية.. ولم يقل القرآن إن اختلاف الناس كان نتيجة خطأ أو انحراف عن الخطة الإلهية، بل صرّح أن هذا الاختلاف حقيقة وواقع حي ملموس بمشيئة الله تعالى، بل إن استمراره هو استمرار للحكمة الإلهية في الخلق والوجود والحياة.. وحين نقرأ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾]هود: 118[، لا نجد أنفسنا أمام ترخيص بالاختلاف فحسب، بل أمام إعلان عن إرادة إلهية لا تردّ في ضرورة استمرار هذا الاختلاف الطبيعي، وكأن التنوع البشري هو مرآة للتنوع الكوني الواسع، وكأنه جزء من جمالية الخلق التي لا تقوم إلا على التعدد ولألوان الكثيرة الجميلة..

وقد كانت كل محاولات المستشرقين وخصوم الإسلام في إلصاق تهمة الإقصاء ورفض الآخر وعدم الإيمان بالتنوع، فاشلة ومرفوضة، وقد ردّ عليهم القرآن الكريم بشكل مسبق حاسم، مؤكداً ليس فقط على الاعتراف بالآخر، بل بتفصيل أنواع التعددية التي أقرها نصياً.. فهناك التعددية العرقية والقومية والاتنية، التي لم تُذكر في القرآن كاستثناء أو كعارضٍ اجتماعي يمكن تجاوزه، بل كأساس وقاعدة عملية للتعارف التفاعلي المنفتح بين بني البشر كلهم، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾] سُورة الحجرات: 13[.. وهنا تكمن النقلة النوعية من خلال أن الاختلاف العرقي والقبلي ليس حالة منبوذة ولا شراً يجب إخفاؤه أو تذويبه في بوتقة الذوبان القومي وغيره، بل هو بنية إلهية وأمر إلهي، لا غاية له سوى التفاعل بلا ذوبان، وتأصيل الحوار بلا تهميش ولا إلغاء.. ومثل ذلك التعدد الثقافي واللغوي والإثني والعرقي عدّه القرآن من آيات الله، كما في قوله عزّ وجل: ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إنّ في ذلك لآيات للعالمين﴾] الروم: 22[. فاختلاف اللسان واللون لم يعد مجرد ظاهرة بيولوجية أو جغرافية، بل صار علامة على قدرة الخالق، وموضوع تأمل للعالمين.

وإذا دققنا أكثر في النص القرآني العظيم، سيكون أكثر ما يدهشنا فيه، إقراره بالتنوع واعترافه بالتعددية الدينية ليس كواقع مجتمعي فقط، بل كموضوع للحكم الإلهي العادل في يوم القيامة.. وهذا ما نقرأه في سورة الحج، حيث لا يكتفي القرآن بذكر المؤمنين، بل يذكر الذين “هادوا”، و”الصابئة”، و”النصارى”، و”المجوس”، و”الذين أشركوا”، ويؤكد أنَّ الله سيفصل بينهم جميعاً بعلمه وشهادته، وهذا هو قوله تعالى: ﴿إنّ الذينَ آمنوا والذينَ هَادوا والصّابئينَ والنّصارى والمَجوس والّذين أشركوا، إنّ الله يفصلُ بينهم يومَ القيامةِ، إنّ اللهَ على كلِّ شيءٍ شهيد﴾] الحج: 17[.

وهذا يعني حقيقةً أن التعددية الدينية ليست مرحلة مؤقتة ستنتهي بانتهاء الدعوة، بل هي إطار كوني مستمر، وسيرورة بشرية متواصلة في كل زمن وحركة بشرية، يحكمه في الدنيا التسامح والتعايش، ويحكمه في الآخرة عدل الله المطلق عز وجل.. وبطبيعة الحال، هذا الإقرار بالآخر الديني ليس منةً نمن بها على أتباع الديانات الأخرى، ولا هو تكتيك سياسي مرحلي أو آني مقيّد بظروف خاصة، بل هو قانون مجتمعي حاكم، وموقف مبدئي حاسم، لأنه يستمد قوته وقيمته ومعياره الذاتي من رؤية متعالية لا ترى في تنوع الأديان فوضى يجب ضبطها، بل تجسيداً لحكمة إلهية في تنوع المسالك إليه عز وجل.. ولكن المشكلة التي وقعت فيها الثقافة العربية الإسلامية، لا في نصوصها المؤسسة، بل في تراكماتها التاريخية، وتعقيداتها العملية، في أنها أنتجت خطاباً يقدس الوحدة أكثر من الحق، ويخاف من الاختلاف أكثر مما يخاف من الجمود والتكلس.. تحوّلُ التّنوعَ من آية إلهية إلى مصيبة أو كارثة اجتماعية، وصارت التعددية مرادفة للفتنة، والتجانس مرادفاً للقوة.. ونتيجة لهذا التحول المريض، استُبدل التعارف بالتصادم، واستُبدل الحوار بالوصاية والهيمنة، واستُبدل الاعتراف بالإنكار.. وما زلنا ندفع ثمن هذا التحول البطيء من سنة التنوع الكوني إلى عصبية الاحتكار الاجتماعي.

إن المجتمعات التي لا تؤسس حياتها السياسية والاقتصادية والثقافية على قاعدة صلبة من الاعتراف بالآخر والتعددية المؤسسية (القائمة على قيمة فكرة المواطنة الصالحية المتجسدة في دولة القانون والحقوق)، ستبقى تجتر فشلها وعقمها التاريخي، وتظل تراوح مكانها بين استبداد وقمع من جهة، وفوضى وانهيار من جهة أخرى.. فالتعددية ليست نزهة فكرية في حدائق الأفكار، بل هي هندسة اجتماعية معقدة تبدأ من الاعتراف بحق الاختلاف في الرأي، (سواء كان رأياً فكرياً أو سياسياً أو قناعة دينية وغيرها)، وتمتد إلى صياغة قوانين ودساتير تتسع للجميع (بصرف النظر عن انتماءاتهم وخلفياتهم وقناعاتهم وأديانهم وأيديلوجياتهم)، وإلى تصميم مناهج تعليمية لا تلقن الطفل أن من خالفه هو عدوه، وإلى فضاءات إعلامية لا تحتكر الحقيقة لفئة واحدة أو لحزب أو دين واحد. ومن هنا لا يمكن أن يكون المجتمع عادلاً وهو لا يعترف بمواطنته المتساوية لأبنائه جميعاً، ولا يمكن أن يكون منتجاً للحضارة وهو يحجر على عقول أبنائها.

والتنوع لا يعني الفوضى والعشوائية، كما أن الوحدة لا تعني التطابق والتماثل الكامل.. والفارق بين التعددية والانقسام هو وجود قواعد واضحة ومشتركة للتفاعل.. فالانقسام هو أن يختلفَ الناس دون قواعد أو أصول معيارية رصينة جامعة، أما التعددية فهي أنْ يختلفَ الناسُ وهم متفقون على كيفية إدارة هذا الاختلاف بشكل مسؤول وحكيم ومثمر ومنتج.. ولهذا السبب بالذات، لاحظنا كيف تعذر على مجتمعاتنا العربية والإسلامية أن تبني نهضتها العلمية والاقتصادية والسياسية على نحو أصيل ومكين، لأنها أرادت أن تبنيها بأيدٍ مغلولة وأفواهٍ مكممة وعقولٍ مسطحة.. وأي نهضة تُبنى بهذه الأدوات العقيمة؟! إنَّ التنوع لا يضعف الأمة، بل يزيدها ثراء وقدرة على التكيف، كما أن تنوع الأنواع الحية في النظام البيئي يزيده قوة واستقراراً ورسوخاً.. وهذا ما يجعلنا نقرر بأن المجتمعات الأحادية الفكر هي مجتمعات قاحلة هشة، سرعان ما تنكسر حين تواجه أي تحدٍ جديد أو أية مخاطر محدقة ولو كانت بسيطة، لأنها لا تملك من المرونة الفكرية والتنوع المعرفي والوعي المسؤول ما يمكنها من الاستجابة الفاعلة.

إن تجربة العقود الأخيرة في العالم العربي عموماً، كانت كفيلة بجعلك تعيد النظر في كل ما تعلمته عن الوحدة والتجانس.. فقد رأينا كيف تحولت كثير من المجتمعات العربية -التي كانت تبدو متجانسة أيديولوجياً- إلى ساحات حرب أهلية طائفية وإثنية وسياسية لم تبقِ ولم تذرْ ما يقولون.. حيث كان القمع المؤقت للتنوع يشبه وضع غطاء محكم على قدر يغلي ويفور، ثم لا يلبث أن ينفجر في النهاية ليحرق كل شيء في طريقه.. ولهذا، فإن بناء التعددية ليس رفاهية أو ترفاً سياسياً، بل هو شرط البقاء نفسه في زمن العولمة والتواصل الفائق والذكاء الاصطناعي.. إذ ليس بوسع أية أمة أن تعزل نفسها عن العالم، كما ليس بوسعها أن تعزل بعضها عن بعض، دون أن تدفع ثمن هذه العزلة من رصيدها الحضاري والمادي والمعنوي.

أما جسر العبور القائم على التنوع بوصفه مشكلة إلى التنوع بوصفه ثراءً، فهو الوعي والحوار والحكمة.. الوعي بأن الاختلاف ليس خطيئة، والحوار الذي لا يهدف إلى إقناع الطرف الآخر بخطئه بل إلى فهمه ووعيه كذات قائمة حرة وفاعلة، والحكمة في معرفة متى نقول كلمتنا ومتى نصمت لنسمع كلمة الآخر. وهذه الثالوث (الحوار المنفتح والوعي المسؤول والحكمة الغائية) هو ما يحوّل الفسيفساء البشرية من مادة خام متفرقة إلى لوحة فنية بديعة متناسقة، تتباين ألوانها وأشكالها، لكنها تشكل معاً صورة واحدة لا تكتمل إلا بكل أجزائها وأقسامها. ونحن في عالمنا العربي والإسلامي لسنا بحاجة إلى إلغاء تنوعنا وهو كبير وواسع جداً، بل إلى إعادة اكتشافه كقوة لا كضعف، وكغنى لا كعار، وكآية إلهية لا كنقمة بشرية.. وحينها فقط، سنكون قادرين على صناعة نهضة حقيقية تحمل بصماتنا جميعاً، لا بصمات فريق واحد على حساب الآخرين..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *