وهم الانقسام العرقي: لماذا أخطأت واشنطن في قراءة إيران؟
بقلم الدكتور محمد الايوبي
تتسارع الأحداث في الإقليم بوتيرة تجعل من الصعب رسم صورة نهائية لمسار الحرب الدائرة ضد إيران، غير أن المؤشرات الأولية التي كشفتها الأسابيع الأولى من المواجهة توحي بأن الحرب التي أرادتها واشنطن وتل أبيب ضربة حاسمة وسريعة قد بدأت تنزلق تدريجياً نحو نمط مختلف تماماً: حرب استنزاف مفتوحة على احتمالات إقليمية ودولية واسعة.
لكن ما تكشفه هذه الحرب لا يقتصر على التوازنات العسكرية فحسب، بل يمتد إلى كشف خلل أعمق في فهم بنية الدولة والمجتمع في إيران، وهو خلل رافق كثيراً من التقديرات الغربية منذ عقود.
فمنذ اللحظة الأولى لانطلاق الضربات الأمريكية و”الإسرائيلية”، ظهرت في التحليلات الغربية فرضية شبه ثابتة مفادها أن الضغط العسكري الكثيف سيؤدي في النهاية إلى تفجير التناقضات الداخلية داخل إيران، ولا سيما التناقضات العرقية. وقد بُنيت هذه الفرضية على تصور قديم يرى أن إيران دولة متعددة القوميات يمكن أن تتصدع بسهولة إذا ما تعرضت لصدمة عسكرية كبيرة. غير أن مجريات المرحلة الأولى من الحرب كشفت أن هذا الرهان لم يكن دقيقاً، بل ربما كان قائماً على قراءة تبسيطية لطبيعة المجتمع الإيراني وبنية الدولة فيه.
في الواقع، لم يكن الرهان الأمريكي – “الإسرائيلي” عسكرياً فقط، بل كان سياسياً واجتماعياً أيضاً. فقد افترضت دوائر القرار في واشنطن وتل أبيب أن الضربات المكثفة ستؤدي إلى خلق حالة من الفوضى الداخلية، سواء عبر تحفيز الشارع الإيراني على التمرد أو عبر تفعيل خطوط الصدع العرقية، خصوصاً في المناطق الحدودية. لكن ما حدث حتى الآن يشير إلى نتيجة معاكسة نسبياً، إذ أدى الضغط الخارجي إلى تعزيز شعور أوسع بالتماسك الوطني داخل قطاعات مختلفة من المجتمع الإيراني، بما في ذلك مناطق كانت تُصوَّر في كثير من التحليلات الغربية على أنها مرشحة للاضطراب والانفصال.
استراتيجية الصدمة وحدودها في الحالة الإيرانية
تقوم الاستراتيجية الأمريكية في كثير من الحروب الحديثة على مبدأ “الصدمة والترويع”، أي توجيه ضربات مكثفة وسريعة لإحداث انهيار نفسي وسياسي لدى الخصم، بما يؤدي إلى تفكك منظومة القيادة أو انهيار الجبهة الداخلية. وقد جرى تطبيق هذا النموذج بوضوح في الحرب على العراق عام 2003، كما استُخدم بأشكال مختلفة في حروب أخرى.
غير أن تطبيق هذا النموذج على إيران يواجه تحديات مختلفة تماماً. فالدولة الإيرانية ليست مجرد نظام سياسي يمكن إسقاطه عبر الضغط العسكري، بل هي بنية سياسية واجتماعية أكثر تعقيداً، تشكلت عبر تاريخ طويل من الصراعات والتحولات. كما أن التجربة التاريخية لإيران في مواجهة الضغوط الخارجية، ولا سيما خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، أسهمت في تشكيل ثقافة سياسية تقوم على فكرة الصمود في مواجهة التهديدات الخارجية.
ومن هنا، فإن الافتراض القائل بأن الضربات العسكرية المكثفة ستؤدي تلقائياً إلى انهيار الجبهة الداخلية الإيرانية يتجاهل هذه الخلفية التاريخية. بل إن التجربة التاريخية تشير في كثير من الأحيان إلى نتيجة معاكسة: فالمجتمعات التي تتعرض لضغط خارجي مباشر تميل غالباً إلى تعزيز تماسكها الداخلي بدلاً من التفكك.
اختبار الرهان على الانقسام العرقي
أحد أبرز جوانب هذه القراءة الخاطئة يتعلق بالتركيز على البعد العرقي في التركيبة الاجتماعية الإيرانية. فإيران، مثل كثير من الدول الكبيرة، ليست دولة قومية متجانسة، بل تضم مجموعة واسعة من المكونات العرقية، من بينها الآذريون والأكراد والعرب والبلوش والتركمان. وقد دفع هذا التنوع بعض المحللين إلى افتراض أن هذه المكونات يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط داخلية إذا ما تعرضت الدولة الإيرانية لصدمة عسكرية قوية.
وقد انعكس هذا التصور في نمط الضربات العسكرية خلال المرحلة الأولى من الحرب. فقد ركزت نسبة ملحوظة من الضربات الأمريكية و”الإسرائيلية” على مناطق غرب إيران، ولا سيما المحافظات ذات الغالبية الكردية. ويبدو أن هذا التوجه كان يهدف، في جزء منه، إلى اختبار قابلية تلك المناطق للتحول إلى نقطة ضغط داخلية عبر تفعيل خطوط الصدع العرقية.
لكن التطورات على الأرض أظهرت أن هذه الفرضية لم تتحقق حتى الآن. فبدلاً من تفجر اضطرابات واسعة في تلك المناطق، بدا أن الضغط الخارجي عزز شعوراً أوسع بالتماسك الوطني. وهذا لا يعني غياب التوترات المحلية، لكنها لم تتحول إلى تمرد واسع كما كان يتوقع بعض المخططين.
التنوع القومي في إيران: بنية اندماج لا تفكك
لفهم هذه النتيجة، لا بد من النظر إلى طبيعة العلاقة بين التنوع العرقي وبنية الدولة في إيران. فالتنوع القومي في البلاد لا يتخذ بالضرورة الشكل الذي يفترضه كثير من المحللين الخارجيين. فالمكونات العرقية المختلفة ليست معزولة عن الدولة أو مهمشة بالكامل، بل إن كثيراً منها يشغل مواقع مهمة في المؤسسات السياسية والعسكرية.
فالآذريون، على سبيل المثال، يشكلون إحدى أكبر المجموعات العرقية في إيران، وقد لعبوا دوراً مهماً في الحياة السياسية والعسكرية للبلاد عبر عقود طويلة. كما أن مناطق أخرى، مثل المناطق الكردية، على الرغم من فترات التوتر، بقيت مرتبطة اقتصادياً واجتماعياً ببنية الدولة الإيرانية الأوسع.
هذا التداخل بين الهوية العرقية والانتماء الوطني يجعل من الصعب تحويل الاختلافات القومية إلى مشروع انفصالي واسع. فالهويات في إيران ليست منفصلة بشكل حاد، بل تتداخل مع شبكة معقدة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
التنظيمات المسلحة وحدود تأثيرها
لا يعني ذلك أن التنظيمات المسلحة غير موجودة. فبعض الجماعات الكردية المعارضة تنشط بالفعل في مناطق الحدود بين إيران والعراق، وبعضها يحتفظ بمعسكرات في إقليم كردستان العراق. وقد أشارت تقارير إلى أن هذه الجماعات أبدت استعدادها للتحرك إذا ما توسع النزاع.
غير أن وجود تنظيمات مسلحة لا يعني بالضرورة وجود قاعدة اجتماعية واسعة تدعم مشروعها السياسي. فالمجتمع الكردي الإيراني نفسه متنوع سياسياً واجتماعياً، ويضم تيارات متعددة، من القوميين إلى الإصلاحيين إلى الحركات الدينية واليسارية، إضافة إلى قطاعات واسعة تفضّل المطالبة بالإصلاح داخل الدولة بدلاً من الانخراط في مشاريع انفصالية مسلحة. ولهذا، فإن الخلط بين وجود تنظيمات مسلحة وبين القدرة على إطلاق تمرد واسع يمثل أحد الأخطاء التحليلية المتكررة في قراءة الوضع الإيراني.
الحرب وإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع
إلى جانب العوامل البنيوية، لعبت الحرب نفسها دوراً في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع داخل إيران. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الضغوط العسكرية الخارجية تميل غالباً إلى إعادة ترتيب الأولويات الداخلية داخل المجتمعات. فحتى المواطنين الذين ينتقدون حكوماتهم قد يميزون بين الخلافات السياسية الداخلية وبين التهديد الخارجي.
وقد تعزز هذا الشعور في إيران بفعل بعض الحوادث التي تركت أثراً عاطفياً قوياً داخل المجتمع، مثل سقوط ضحايا مدنيين نتيجة الضربات العسكرية. فحين تتحول الحرب في الوعي الشعبي من صراع مع حكومة إلى صراع مع المجتمع نفسه، فإن رد الفعل الطبيعي غالباً ما يكون تعزيز التضامن الوطني.
كما أن الذاكرة التاريخية للحرب العراقية الإيرانية لا تزال حاضرة بقوة في الثقافة السياسية الإيرانية. فقد خاضت البلاد خلال ثمانينيات القرن الماضي حرباً طويلة ومكلفة استمرت ثماني سنوات، وأسهمت تلك التجربة في تشكيل سردية وطنية تقوم على فكرة الصمود في مواجهة العدوان الخارجي.
مؤشرات التحول نحو حرب استنزاف
في الوقت نفسه، بدأت تظهر مؤشرات أخرى على أن الحرب قد تتحول إلى معادلة استنزاف طويلة. فإيران تمتلك قدرة واضحة على امتصاص الضربات، وفي المقابل الاستمرار في الرد عبر استهداف قواعد أمريكية أو العمق “الإسرائيلي”. وهذه المعادلة تمثل تحدياً حقيقياً لواشنطن وتل أبيب، لأن نقطة الضعف الرئيسية في الاستراتيجية “الإسرائيلية” تكمن في حساسية الجبهة الداخلية تجاه الضربات الصاروخية والخسائر الاقتصادية.
وفي هذا السياق، بدأت الخطابات الرسمية الإيرانية تعكس قناعة متزايدة بأن مسار الحرب لم يعد خاضعاً بالكامل للحسابات الأمريكية و”الإسرائيلية”. فقد أعلنت القيادة العسكرية الإيرانية أن الولايات المتحدة و”إسرائيل” لم تعودا تتحكمان بمسار المواجهة، في إشارة إلى أن قدرة إيران على الرد وإدارة التصعيد بدأت تفرض معادلة مختلفة عن تلك التي خُطط لها في بداية الحرب.
كما أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن التفاوض مع الولايات المتحدة لم يعد مطروحاً على جدول الأعمال في هذه المرحلة، وهو موقف يعكس تحوّل المواجهة من محاولة لفرض شروط سياسية سريعة إلى صراع مفتوح تحكمه موازين القوة على الأرض أكثر مما تحكمه المسارات الدبلوماسية التقليدية.
الضغوط على الجبهة الداخلية “الإسرائيلية”
من جهة أخرى، قد يؤدي استمرار الحرب لفترة طويلة إلى ضغوط متزايدة على المجتمع “الإسرائيلي” نفسه، الذي لا يزال يعاني أصلاً من تداعيات الحرب في غزة وما رافقها من أزمات سياسية واقتصادية. ومع مرور الوقت، قد تتحول حالة التعبئة الأولية في الداخل “الإسرائيلي” إلى حالة من التململ أو الغضب، خصوصاً إذا بدأ يتشكل انطباع بأن الحرب لا تحقق أهدافها المعلنة.
كما أن الخسائر البشرية في صفوف القوات الأمريكية قد تلعب دوراً مهماً في تحديد سقف استمرار الحرب. فالتجربة التاريخية تشير إلى أن الرأي العام الأمريكي يصبح أكثر حساسية تجاه الحروب الخارجية عندما تبدأ الخسائر البشرية بالارتفاع، وهو ما قد يخلق ضغوطاً سياسية على الإدارة الأمريكية للبحث عن مخرج من الصراع.
وفي مؤشر على الكلفة المرتفعة للحرب، كشفت تقارير إعلامية أن الجيش الأمريكي أنفق مليارات الدولارات على الذخائر خلال الأيام الأولى فقط من المواجهة، وهو رقم يعكس حجم الكثافة النارية المستخدمة، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على الكلفة الباهظة للحرب إذا ما تحولت إلى مواجهة طويلة الأمد.
حدود الرهان على التفكيك الداخلي
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن أحد أهم رهانات الاستراتيجية الأمريكية – “الإسرائيلية” لم يتحقق حتى الآن، وهو الرهان على تفكيك الدولة الإيرانية من الداخل عبر تفعيل الانقسامات العرقية أو الاجتماعية. بل إن التطورات الأولية للحرب تشير إلى نتيجة مختلفة نسبياً، حيث أدى الضغط الخارجي إلى تعزيز الشعور بوجود إطار وطني مشترك داخل المجتمع الإيراني.
في النهاية، تكشف الحرب الحالية عن درس استراتيجي مهم يتعلق بحدود القوة العسكرية في تحقيق الأهداف السياسية. فالحروب لا تُحسم فقط بميزان القوة العسكرية، بل تتأثر أيضاً ببنية المجتمعات التي تخوضها وبالطريقة التي يتفاعل بها السكان مع الضغوط الخارجية.
وفي الحالة الإيرانية، يبدو أن أحد أكبر الأخطاء في القراءة الغربية كان الاعتقاد بأن التنوع العرقي في البلاد يمثل نقطة ضعف يمكن استغلالها بسهولة. لكن ما أظهرته المرحلة الأولى من الحرب هو أن هذا التنوع لا يتحول تلقائياً إلى انقسام سياسي، بل يمكن أن يصبح في ظروف معينة جزءاً من إطار وطني أوسع.
ولهذا، فإن وهم الانقسام العرقي قد يكون أحد أبرز الأخطاء التي وقعت فيها الاستراتيجية الأمريكية في قراءة إيران. ومع استمرار الحرب، قد يتضح أكثر أن الرهانات التي بُنيت على هذا التصور لم تكن واقعية بالقدر الذي افترضه صناع القرار في واشنطن.
