اليمنيون يحيون يوم القدس العالمي.. جهوزية عالية في مواجهة الطغيان الأمريكي
بقلم نوال النونو
يحيي اليمنيون كل عام مناسبة يوم القدس العالمي باهتمام كبير وخروج شعبي واسع دون اكتراث للتحديات والمخاطر. وخرج اليمنيون الجمعة الماضية في مسيرات مليونية في ميدان السبعين بالعاصمة صنعاء، وفي بقية المحافظات، إحياءً لهذه المناسبة، في مشهد يعكس حضور القضية الفلسطينية في الوعي السياسي والشعبي اليمني، ويؤكد استمرار ارتباطها بالسياق الأوسع للصراع في المنطقة.
وردد المحتشدون الكثير من العبارات المنددة بالعدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وعلى لبنان، مؤكدين وقوفهم وتضامنهم الكبير مع البلدين تجاه الغطرسة والعلو الأمريكي والصهيوني في المنطقة، مطالبين القوات المسلحة اليمنية للانخراط مباشرة في مواجهة الأعداء إذا لزم الأمر وتوسعت دائرة النار في المنطقة.
وعشية إحياء المناسبة، ألقى السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي خطاباً تناول فيه دلالات يوم القدس العالمي في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة، مؤكداً أن ما يجري في المنطقة يمثل صراعاً يتجاوز الحدود الجغرافية للدول ليطال مجمل معادلات القوة في المنطقة، موضحاً أن اختيار الإمام الخميني “رضوان الله عليه” ليوم الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك لمناسبة يوم القدس العالمي اختيار موفق له دلالة مهم، وأن اختيار توقيت مناسبة يوم القدس جاء ليذكر الأمة بأن هذا الموقف موقف ديني في إطار الالتزامات الإيمانية والأخلاقية والجهادية، مؤكداً أن من المهم أن نعي جيدًا أن القضية الفلسطينية تعنينا جميعا كمسلمين بحكم انتمائنا للإسلام، لافتاً إلى أن على الأمة مسؤولية إيمانية دينية في دفع الظلم عن الشعب الفلسطيني الذي هو جزء منها.
وقال السيد الحوثي إن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران “يستهدف المنطقة بأكملها”، معتبراً أنه “حرب على الإسلام والمسلمين”، ومؤكداً أن اليمن يرى نفسه معنياً بالوقوف إلى جانب الجمهورية الإسلامية في إيران والشعب الإيراني، ومؤكداً جهوزية اليمن لمختلف التطورات التي قد تفرضها المرحلة.
وفي قراءته لطبيعة الصراع، اعتبر السيد الحوثي أن الهدف من هذا العدوان هو إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم المشروع الأمريكي الإسرائيلي، بما في ذلك إضعاف القوى التي تشكل عائقاً أمام هذا المشروع، ووفق هذا التصور، فإن استهداف إيران لا يقتصر على بعدها كدولة، بقدر ما يرتبط بدورها في موازين القوى الإقليمية.
وأشاد الحوثي بالرد الإيراني على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، معتبراً أن تماسك الجمهورية الإسلامية وثباتها يقدم نموذجاً لما ينبغي أن تكون عليه مواقف الدول في مواجهة الضغوط الخارجية، كما أشار إلى أن استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة يعكس تحولات في قواعد الاشتباك الإقليمي.
وانتقد السيد الحوثي ما وصفه بالمواقف السلبية لبعض الأنظمة في المنطقة، متهماً إياها بالسعي إلى حماية القواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها، أو محاولة تصوير الرد عليها باعتباره استهدافاً لتلك الدول وشعوبها، معتبراً أن ذلك يعكس مستوى من الانخراط غير المباشر في السياسات الأمريكية، محذراً من محاولات أمريكية وإسرائيلية لدفع بعض الأنظمة إلى الانخراط المباشر في المواجهة مع إيران، في سياق ما وصفه بمحاولة توسيع دائرة الصراع الإقليمي.
وفي حديثه عن جبهات الإسناد، أكد السيد عبد الملك الحوثي دعم اليمن لما يقوم به حزب الله في لبنان في مواجهة العدوان الإسرائيلي، كما أشاد بمواقف المقاومة العراقية، معتبراً أن وجود القوات الأمريكية في العراق لا يزال يمثل حالة “احتلال واستباحة للسيادة”.
فعالية مصاحبة لمناسبة يوم القدس العالمي
وبالتوازي مع فعاليات يوم القدس العالمي، احتضنت العاصمة صنعاء المؤتمر الدولي الرابع تحت عنوان “فلسطين قضية الأمة المركزية”، في محاولة لإضفاء بعد فكري وأكاديمي على النقاش المتصل بالقضية الفلسطينية وتداعيات الحرب في المنطقة.
وشهد المؤتمر مشاركة أكاديميين وباحثين وشخصيات سياسية وحقوقية من داخل اليمن وخارجه، حيث ناقش المشاركون خلال أربعة أيام 373 بحثاً وورقة عمل مقدمة من باحثين ينتمون إلى 91 جامعة ومؤسسة ومركزاً بحثياً من اليمن و13 دولة عربية ودولية.
وتناولت جلسات المؤتمر مجموعة واسعة من القضايا المرتبطة بالصراع في المنطقة، من بينها الأطماع التوسعية المرتبطة بمشروع “إسرائيل الكبرى”، واستراتيجيات التغيير الديموغرافي والجيو/سياسي في المنطقة، إلى جانب تحليل الأبعاد الاستراتيجية لمعركة “طوفان الأقصى” وتداعياتها على موازين القوى الإقليمية والدولية.
كما ناقش المؤتمر قضايا التطبيع والمقاطعة الاقتصادية، إضافة إلى الدور القانوني والإعلامي في ملاحقة قادة الاحتلال الإسرائيلي أمام المحاكم الدولية، في ظل الاتهامات الموجهة لإسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب في غزة.
ويرى القائمون على المؤتمر أن انعقاده بالتزامن مع يوم القدس العالمي يمنحه بعداً سياسياً يتجاوز الإطار الأكاديمي، حيث اعتبر القائم بأعمال رئيس الحكومة اليمنية، العلامة محمد مفتاح، أن المؤتمر يمثل محاولة لإعادة توجيه الاهتمام نحو القضية الفلسطينية بوصفها “جوهر الصراع في المنطقة”.
وبحسب منظمي المؤتمر، فقد استقبلت اللجنة العلمية 553 بحثاً وورقة عمل، جرى قبول 373 منها للنقاش، قدمها 355 باحثاً من اليمن وخارجه، في مشاركة أكاديمية هدفت – بحسب القائمين عليها – إلى قراءة التحولات التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع عملية “طوفان الأقصى”.
كما شهدت الجلسة الختامية كلمات لعدد من الناشطين والحقوقيين من بلدان مختلفة، عبر تقنية الاتصال المرئي، ركزت على أهمية توحيد الجهود الدولية لدعم القضية الفلسطينية، والعمل على تفعيل المسارات القانونية لملاحقة المسؤولين الصهاينة أمام المحاكم الدولية.
ودعت تلك الكلمات إلى استخدام مبدأ “الولاية القضائية العالمية” لمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم حرب، إضافة إلى تعزيز التعاون مع المنظمات الحقوقية الدولية لتوثيق الجرائم المرتكبة في غزة، وبناء أرشيف قانوني يعتمد على الأدلة الموثقة.
في السياق الأوسع، يعكس تزامن هذه الفعاليات مع يوم القدس العالمي للعام 1447هـ، ومع التصعيد العسكري في المنطقة، محاولة يمنية للجمع بين البعد الشعبي والسياسي والأكاديمي في مقاربة القضية الفلسطينية، بوصفها قضية مركزية في الخطاب السياسي اليمني، وفي معادلات الصراع الإقليمي.
ففي الوقت الذي يستمر فيه الانتهاكات الصهيونية على قطاع غزة، وتتسع تداعياتها الإقليمية، تبدو صنعاء حريصة على إبراز حضورها في معادلة الصراع، سواء عبر الخطاب السياسي أو الفعاليات الفكرية والأكاديمية، في إطار رؤية ترى أن مستقبل المنطقة يتشكل اليوم على وقع صراع مفتوح تتداخل فيه السياسة والجغرافيا والأيديولوجيا.
