الحرب على إيران: الفشل العسكري يقود إلى الهزيمة السياسية
بقلم ابتسام الشامي
بمعزل عما يمكن ان تحمله الساعات المقبلة من مفاجآت بعد اعلان الرئيس الأمريكي التوصل إلى إطار تفاوضي مع الجمهورية الإسلامية لإنهاء الحرب وإطلاق المفاوضات، فإن ما وصفه ترامب بالإنجاز الرائع لا يعدو أن يكون اعترافاً عملياً بفشل استراتيجية الضغط على طهران بعد فشل الحرب العسكرية بتحقيق أهدافها.
سوء التقدير
لم يكن الإعلان عن وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران في الثامن من نيسان الماضي نهاية للحرب العدوانية الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإنما محطة في سياق استكمالها بأدوات أخرى، بعدما فشل الخيار العسكري في تحقيق الأهداف المرجوة وفي مقدمها تغيير النظام. كان في تقدير ساكن البيت الأبيض وشريكه رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو أن إيران ستنهار على وقع الضربات المكثفة والمفاجئة واغتيال قيادتها، وأن ذلك سيفتح الباب واسعاً لتغيير كبير لن يكون محصوراً بإيران وإنما بالمنطقة برمتها التي كانت ستدخل حتماً عصر الهيمنة الاستعمارية الأمريكية مع ما يعنيه ذلك من إعادة رسم خرائط دولها السياسية منها والجغرافية. لكن الخطط العسكرية المصاغة بحبر الأماني والآمال المعلقة على إسقاط النظام الإيراني، سرعان ما بدأت بالتهاوي مع سرعة احتواء إيران مفاعيل الضربة الافتتاحية وتفعيل الخطط الموضوعة للرد على مصادر العدوان في كيان العدو، وكذلك في القواعد الأمريكية في الخليج، وعلى مدى أربعين يوماً من الحرب صمدت إيران عسكرياً ورفعت على المعتدين كلفة مغامرتهم العسكرية، قبل أن يعودوا بدافع من اليأس إلى طلب التفاوض مع القيادة الإيرانية الجديدة، التي وإن أبدت مرونة في التجاوب مع الطلب إلا أنها أبقت يدها على الزناد.
هكذا مر الشهران على اتفاق وقف إطلاق النار، صمت أصوات الصواريخ نسبياً لم يعنِ بأي حال من الأحوال نهاية الحرب التي كانت قاب قوسين أو أدنى من إعادة الانفجار في كل مرة اختارت فيها الولايات المتحدة الضغط على المفاوض الإيراني لتليين شروطه على طاولة المفاوضات في إسلام أباد. وفي آخر نسخة منها العدوان على عدد من الجزر الجنوبية الإيرانية فجر الأربعاء الماضي الذي استدعى رداً سريعاً وقاسياً من الحرس الثوري الإيراني، بعدما كان الأخير قد رد على استهداف العدو الإسرائيلي الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت باستهداف القواعد العسكرية في شمال فلسطين المحتلة.
تداعي الخطاب التصعيدي الأمريكي
وبين وضع طهران لبنة معادلة شمال فلسطين المحتلة مقابل الضاحية، وردعها الأمريكيين عن المزيد من المغامرات العدوانية في إيران، لوحظ تراجع الخطاب التصعيدي الأمريكي من التهديد بليلة سوداء ستهدم فيها الجسور وتفجر فيها محطات الطاقة الإيرانية، إلى إعلان دونالد ترامب عن التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب مع إيران، بتنسيق مع حلفائه في المنطقة بمن فيهم كيان العدو. ولئن فاجأ الإعلان تل ابيب ودفعها إلى التبرؤ العاجل منه ومحاولة التنصل من التزاماتها حياله، إلا أنه عكس ضيق الخيارات لدى جبهة العدوان بقيادة ترامب، ما اضطره إلى الموافقة على الشروط الإيرانية، علماً أن ما آلت إليه نتائج الحرب بشقيها العسكري والسياسي سيكون له تداعيات كبرى على صورة الولايات المتحدة على المستوى العالمي ومصالحها في المنطقة، لكونه نابعاً في الأساس من فشل أقوى قوة عسكرية على مستوى العالم بمؤازرة أقوى جيوش منطقة غرب آسيا، في حسم الحرب لمصلحتها، وهو ما يواصل الإعلام الغربي التأكيد عليه من باب توضيح أسباب قبول واشنطن شروط طهران للحل السياسي.
فشل الحرب يدفع ترامب إلى تقديم تنازلات
في تعبيرها عن المأزق الذي أوجد الرئيس الأمريكي إدارته وبلاده فيه، تقول صحيفة واشنطن بوست بأن ترامب يجد نفسه محاصراً بين خيارين أحلاهما مر. فمن جهة، لا يريد تقديم تنازلات مالية وسياسية كبيرة لإيران لأن ذلك سيعرضه لاتهامات بالتراجع عن مواقفه السابقة. ومن جهة أخرى، لا يرغب في توسيع الحرب عسكرياً أو إرسال قوات أمريكية إلى مواجهة مفتوحة في الشرق الأوسط. وبحسب كاتب المقال ماكس بوت، فإن الرئيس الأمريكي يحاول حالياً الحفاظ على الوضع القائم، معتمداً على الأمل في أن تؤدي الضغوط العسكرية والاقتصادية إلى دفع إيران نحو القبول بشروطه. غير أن بوت يرى أن هذا الرهان يفتقر إلى الواقعية، لأن طهران تنظر إلى الصراع باعتباره معركة وجودية تمس بقاء النظام، بينما يتعامل ترامب معه كعملية محدودة كان يتوقع أن تنتهي بسرعة. ويستعيد الكاتب دروساً من حروب سابقة خاضتها أمريكا في فيتنام والعراق وأفغانستان، معتبراً أن التفوق العسكري لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية. فامتلاك القوة النارية الهائلة لا يعني بالضرورة القدرة على فرض الإرادة على خصم مستعد لتحمل الخسائر والانتظار لفترات طويلة. كما ينتقد بوت ما يصفه بالمبالغة في أهداف الحرب الأمريكية. فترامب تحدث في مراحل سابقة عن “استسلام غير مشروط” لإيران، بينما اعتمد عملياً على الضربات الجوية فقط لتحقيق أهداف واسعة النطاق، من بينها تغيير سلوك النظام الإيراني وربما إضعافه بصورة جوهرية. ويرى الكاتب أن هذا التناقض جعل تحقيق الأهداف المعلنة أمراً شبه مستحيل.
ويضيف أن إيران تمكنت، من خلال إغلاق مضيق هرمز، من امتلاك ورقة ضغط مؤثرة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. إذ يحذر خبراء الطاقة من أن استمرار الأزمة قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، الأمر الذي سيزيد الضغوط على الإدارة الأمريكية.
ويخلص الكاتب إلى أن أفضل نتيجة يمكن أن يحققها ترامب حالياً قد لا تتجاوز العودة إلى ترتيبات شبيهة بالاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة أوباما قبل أكثر من عقد، مع قبول قيود على البرنامج النووي الإيراني مقابل حوافز اقتصادية. وباعتقاده فإن هذه النتيجة إن تحققت، ستعكس حجم الفجوة بين الأهداف الطموحة التي أعلنتها الإدارة الأمريكية في بداية الحرب والواقع الذي فرضته التطورات الميدانية والسياسية لاحقا.
محاسبة واشنطن ضرورة
بدوره، يرى المعلق السياسي في صحيفة نيويورك تايمز بيتر بينارت، أنه يجب محاسبة واشنطن على حروبها السيئة. ويضيف الأستاذ في جامعة سيتي بنيويورك، ومحرر مجلة “جويش كرانتس”، أن الرئيس الأمريكي يجري اختباراً عملياً لما سيحدث عندما يحصل الصقور في واشنطن على ما كانوا يحرّضون عليه لعقود: حرب شاملة مع إيران، حيث تشير نتائج الاختيار الأولية إلى أنها كارثية، فمن المتوقع أن تكلف هذه الحرب الولايات المتحدة أكثر من تريليون دولار، فضلاً عما أسفرت عنه من أضرار جسيمة لحقت بالقواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، وخفضت بشكل كبير مخزون الصواريخ الاعتراضية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة لردع الصين وغيرها من الخصوم المحتملين، وما عرّضت إليه عشرات الملايين من الناس حول العالم لخطر المجاعة الحادة، وكذلك تأثيرها في زيادة معدل التضخم في الولايات المتحدة. وعلى الجانب الإيراني أدت إلى إصابة عدد كبير من الإيرانيين، بمن فيهم أكثر من 100 طفل قتلوا عندما أصاب صاروخ توماهوك مدرسة ابتدائية في بلدة ميناب.
وبحسب بينارت فإن الحرب، وعلى الرغم من كل هذه الخسائر الاقتصادية والبشرية، لم تحقق إلا القليل. ففي الوقت الذي ظلت فيه مواقف وتصريحات ترامب متقلبة بشأن ما يريد أن يحققه منها، إلا أنه وخلال الأشهر الثلاثة الماضية ركز على ثلاثة أهداف رئيسية: القضاء على الصواريخ الباليستية الإيرانية، وإنهاء البرنامج النووي، ومساعدة الشعب الإيراني على إسقاط حكومته، لكن لم يحدث أي من ذلك. وبحسب الاستخبارات الأمريكية نفسها، لا تزال الجمهورية الإسلامية تحتفظ بنحو 70٪ من مخزونها الصاروخي الذي كان لديها قبل الحرب، فيما لم تقم الولايات المتحدة بقطع وصول إيران إلى اليورانيوم عالي التخصيب الذي يمكنها استخدامه لصنع قنبلة نووية. وفي الوقت نفسه، لم تؤد الحرب بحسب الكاتب الأمريكي إلى انهيار النظام في طهران، بل يمكن القول إن الحكومة الإيرانية أقوى مما كانت عليه عند بدء الحرب، بعد أن أثبتت قدرتها على شل الاقتصاد العالمي بتقييد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
خاتمة
تصل الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى خواتيمها بنتيجة فشل واضحة لجبهة العدوان لن تستطيع معها استعراضات ترامب وادّعاءاته في تغيير مفاعيلها أو في احتواء تداعياتها، لما يترتب عليها من تأثيرات في مكانة الولايات المتحدة الأمريكية ومصالحها في منطقة غرب آسيا.
