بين الضاحية وطهران.. الجهود لمنع التصعيد وفصل الساحات اختبار الساحة اللبنانية من وجهة نظر الولايات المتحدة، إيران، الدولة اللبنانية، حزب الله وإسرائيل
ترجمة وإعداد: حسن سليمان
الهجوم الإسرائيلي على الضاحية عقب إطلاق حزب الله النار نحو الشمال، وجولة الاشتباكات التي أعقبته بين إسرائيل وإيران، يبرزان تعقيد الجهد الأمريكي لكبح التصعيد والتحدي الإسرائيلي المتمثل في فصل الساحة اللبنانية عن إيران.
سعت إدارة ترامب إلى الدفع نحو تسوية متجددة بين إسرائيل ولبنان، وتعزيز الحكومة اللبنانية، وتقليص هامش حرية عمل حزب الله، والحفاظ على مساحة للمناورة تجاه طهران. إلا أنها لم تنجح في منع هجوم إسرائيلي على بيروت كان يهدف إلى تحميل حزب الله ثمناً، والذي أدى خلال ساعات إلى مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران. وقد أبرز هذا الوضع التحدي المركزي الذي تواجهه إسرائيل أمام واشنطن – إقناع الإدارة بالسماح لها بفرض إجراءات ردع وإنفاذ محددة في لبنان، بينما تواصل في الوقت نفسه ممارسة الضغوط على إيران لدفع اتفاق ومنع جولة إقليمية جديدة.
تسلسل الأحداث: من وقف إطلاق نار هش إلى جولة إقليمية
في أواخر مايو وبداية يونيو، ساهم عاملان رئيسيان في تصاعد هجمات حزب الله على شمال إسرائيل. الأول، تقييد النشاط العسكري الإسرائيلي من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خصوصاً فيما يتعلق بالهجمات على الضاحية في بيروت، بهدف ترسيخ وقف إطلاق النار وإتاحة المجال للتقدم في المفاوضات حول اتفاق مع إيران. الثاني، سلسلة النجاحات التكتيكية التي حققها حزب الله باستخدام طائرات FPV المسيّرة، والتي تسببت بإصابات قاتلة في صفوف جنود الجيش الإسرائيلي. وقد أصبح هذا الوضع غير محتمل بالنسبة لإسرائيل، ما دفعها في الأول من يونيو إلى التصريح بأنه إذا استمرت هجمات حزب الله، فإنها ستهاجم الضاحية. وسارع ترامب إلى التدخل لمنع ذلك، إثر تهديد إيراني بأن مثل هذا الهجوم سيؤدي إلى وقف المحادثات. وفي اليوم التالي، ترسخت عملياً المعادلة التالية: إسرائيل لن تهاجم الضاحية ما دام حزب الله لا يهاجم أهدافاً داخل إسرائيل.
بالتوازي، عملت الإدارة الأمريكية على دفع المحادثات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، وفي الثالث من يونيو انتهت الجولة الرابعة من المحادثات بإعلان مشترك عن اتفاق متجدد على وقف إطلاق نار مشروط. وكان هذا الجهد الدبلوماسي يهدف إلى خدمة هدف أمريكي مزدوج: وقف التدهور العسكري بين إسرائيل وحزب الله، ومحاولة تثبيت الاستقرار على الحدود الشمالية، بالتوازي مع تهيئة الظروف للتقدم في الجهد الأوسع الذي تبذله الإدارة تجاه إيران. لكن سرعان ما اتضح أن هذا الإطار هش ولا يتوافق مع الواقع على الأرض. فقد رفض الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، نتائج اللقاء، واستمر إطلاق النار من جانب حزب الله نحو الشمال. وأدى هذا الوضع إلى الهجوم الإسرائيلي المحدود على الضاحية في 7 يونيو، والذي أعقبه اندلاع جولة قصيرة من الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل (7–8 يونيو)، قبل أن تتوقف بفعل التدخل الأمريكي.
إن تسلسل هذه الأحداث يوضح أن الترتيبات في لبنان ليست مجرد اختبار لقدرة الردع والإنفاذ في مواجهة حزب الله، بل هي أيضاً اختبار لقدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على منع ربط الساحات المختلفة ببعضها، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة لإيران وحزب الله. فمن وجهة نظر إسرائيل، كان الهجوم على الضاحية يهدف إلى منع ترسيخ معادلة تقيّد حرية عملها وإلى توضيح أن انتهاكات حزب الله ستترتب عليها كلفة. أما من وجهة نظر إيران وحزب الله، فكان الهدف معاكساً تماماً – استخدام ترابط الساحات لمنع استمرار نشاط الجيش الإسرائيلي في لبنان وفرض معادلة تحدّ من حرية الحركة الإسرائيلية.
الزاوية الأمريكية: منع التصعيد قبل استنفاد القرار الحاسم
من وجهة نظر إدارة ترامب، تُعدّ لبنان هدفاً مهماً بحد ذاته: إذ تسعى واشنطن إلى تثبيت حدود الشمال، وتعزيز الحكومة اللبنانية، وتقليص هامش عمل حزب الله، ومنع الانزلاق إلى حرب إقليمية. إلا أن لبنان في المرحلة الحالية يخضع أيضاً لمحاولة ترامب الأوسع لإنهاء الحرب مع إيران، أو على الأقل إدارتها. وعلى خلفية الإحباط الأمريكي من حالة الجمود في المحادثات مع طهران، تسعى الإدارة إلى منع تحول الساحة اللبنانية إلى جبهة تُفشل المسار تجاه الجمهورية الإسلامية، وتزيد من حالة عدم اليقين الإقليمي، وتثقل كاهلها سياسياً واقتصادياً.
ولهذا السبب سارعت واشنطن إلى تأطير نتائج المحادثات باعتبارها اتفاقاً متجدداً على وقف إطلاق النار. وقبل ذلك، تدخل ترامب لمنع هجوم إسرائيلي واسع على بيروت، بل قدّم الأمر كإنجاز مباشر لتدخله مع إسرائيل وحزب الله. وادعى ترامب أنه تحدث مع حزب الله عبر “وسطاء رفيعي المستوى جداً”، وأن التنظيم وافق على وقف إطلاق النار. وفي الوقت نفسه، أشارت مصادر إسرائيلية إلى أن الهجوم على الضاحية الجنوبية قد أُجّل بطلب من الولايات المتحدة التي دفعت باتجاه وقف إطلاق النار.
وتعزز التطورات الأخيرة، من وجهة نظر الإدارة، المخاوف من أن الساحة اللبنانية قد تُعيق الجهد الأوسع تجاه إيران. لذلك يُتوقع أن تواصل واشنطن تفضيل كبح التصعيد على حساب استكمال الضغط العسكري على حزب الله. غير أن في ذلك أيضاً خطورة على السياسة الأمريكية: فإذا تحول منع التصعيد إلى مجرد كبح لإسرائيل دون فرض ضغط فعلي على حزب الله وإيران، فقد يؤدي ذلك إلى تشجيع المحور الإيراني على استخدام لبنان كأداة لفرض حق نقض (فيتو) على حرية العمل الإسرائيلية.
الزاوية اللبنانية: رغبة في تسوية دون قدرة على فرضها
اعتمد المخطط الأمريكي، كما انعكس في البيان المشترك الصادر في نهاية الجولة الرابعة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل، على منطق واضح: التزام متبادل بوقف إطلاق النار بين الحكومتين؛ مطالبة حزب الله بوقف هجماته وإبعاد عناصره عن جنوب لبنان؛ منح الجيش اللبناني مسؤوليات أمنية موسعة؛ واستمرار المفاوضات لبناء تسوية أوسع. وقد قدّمت الولايات المتحدة هذا التفاهم كخطوة من شأنها تعزيز سيادة لبنان ونقل المسؤولية الأمنية إلى الدولة اللبنانية.
لكن منذ البداية برز ضعف الفرضية الأمريكية: فالاتفاق تم بين إسرائيل والحكومة اللبنانية، وهي حكومة ترغب في التسوية لكنها عاجزة عن تنفيذها، بينما الطرف الذي يملك مفتاح وقف إطلاق النار – حزب الله – ليس طرفاً رسمياً في الاتفاق. عملياً، يُطلب من الحكومة اللبنانية تحقيق نتيجة لا تملك القدرة على فرضها: وقف نشاط حزب الله في الجنوب وإخضاع الساحة الأمنية لسلطة الدولة. لذلك، من منظور واشنطن، فإن دعم الحكومة اللبنانية هدف أساسي، لكن قدرة بيروت على فرض الاتفاق على حزب الله تبقى محدودة للغاية.
وهنا تكمن المعضلة الأمريكية: فلتعزيز الحكومة اللبنانية، يجب التعامل معها كعنوان سياسي مركزي للتسوية. لكن لتحقيق هدوء فعلي، لا بد من أخذ موقف حزب الله في الحسبان. هذا التناقض يشكل مصدر ضعف في المخطط. وقد أدت نتائج الجولة القصيرة الأخيرة بين إسرائيل وإيران إلى تعميق هذه المعضلة، في ظل تدخل إيران لدعم حزب الله ورغبتها في ترسيخ معادلة مفادها أن أي تحرك إسرائيلي في لبنان قد يقابله رد مباشر من طهران.
زاوية حزب الله: معارضة تسوية تقيده
إن إعلان ترامب بأن إدارته تحدثت مع حزب الله عبر وسطاء كان خطوة غير معتادة في سياسته. إنه يعكس براغماتية ترامبية واضحة: فإذا كان حزب الله هو الجهة القادرة على وقف إطلاق النار، فيجب التحدث معه، حتى ولو بشكل غير مباشر. إلا أن هذا النهج يكشف تناقضاً داخلياً: فواشنطن تسعى إلى تعزيز سيادة لبنان وإبعاد حزب الله عن جنوب البلاد، لكنها عند لحظة الأزمة تضطر للجوء إلى قوة غير دولاتية تقوّض تلك السيادة نفسها.
رفض حزب الله للمخطط يعقّد تنفيذ الاستراتيجية التي صاغها ترامب، إذ يطالب الحزب بوقف إطلاق نار شامل وتقييد حرية عمل الجيش الإسرائيلي، على غرار الوضع الذي سبق عملية “زئير الأسد”. كما يواصل حزب الله ربط وقف إطلاق النار في لبنان باتفاق أمريكي مع إيران، حتى لا يبقى وحده في مواجهة الضغط الإسرائيلي والأمريكي. إضافة إلى ذلك، لا يعترف الحزب بالمحادثات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، ويسعى لمنع تحولها إلى مسار يحدّ من نشاطه ويقود إلى نزع سلاحه ويقوّض مكانته المستقلة داخل لبنان. ويعارض الحزب أي تسوية سياسية، ويهدف إلى الحفاظ على دوره كجهة لا غنى عنها في أي ترتيب أمني.
الزاوية الإيرانية: حماية حزب الله واستخدامه في المفاوضات
من منظور التقدير الأمريكي، لا يمثل موقف حزب الله عائقاً تكتيكياً فحسب، بل يزعزع الفرضية الأساسية التي تقوم على فصل ثلاثة أطراف: الحكومة اللبنانية، حزب الله، وإيران. فواشنطن تسعى إلى إدارة التفاوض مع بيروت، وكبح حزب الله، والتقدم في الوقت نفسه مع طهران. لكن الواقع يُظهر صعوبة إدارة هذه الساحات بشكل منفصل، في ظل سعي إيران وحزب الله إلى ربطها بدلاً من فصلها.
العلاقة مع إيران هي جوهر المسألة. فقد كان حزب الله لسنوات أحد أهم أدوات الردع الإيرانية ضد إسرائيل. وحتى بعد تراجع بعض قدراته، ما زال يشكل عنصراً مركزياً في قدرة طهران على تعطيل التسويات، وممارسة ضغط غير مباشر، وردع إسرائيل والولايات المتحدة عن خطوات إضافية. ومن منظور إيران، فإن أي تسوية في لبنان تُبعد حزب الله عن الجنوب وتقلص حريته العملياتية تمثل خسارة استراتيجية في منظومة الوكلاء لديها. في المقابل، إذا أدت أي عملية إسرائيلية في لبنان إلى تهديد أو رد إيراني مباشر، فإن طهران تنجح في تحويل لبنان إلى ورقة “فيتو” على حرية العمل الإسرائيلية.
التحديات أمام إسرائيل: فرض إنفاذ في لبنان دون فتح جبهة إيرانية
من وجهة نظر إسرائيل، يجب أن يكون الهدف الأساسي في الحوار مع واشنطن هو ترسيخ فصل واضح بين الإنفاذ الإسرائيلي في لبنان وبين التصعيد مع إيران. على إسرائيل أن تؤكد أن أي عملية محدودة ضد هجمات حزب الله أو تهديداته لا ينبغي اعتبارها خرقاً للمسار الأمريكي مع إيران، بل شرطاً لاستمراره. فإذا تمكن حزب الله من مواصلة الهجمات مع العلم أن أي رد إسرائيلي سيواجه ضغطاً أمريكياً خوفاً من التصعيد مع إيران، فإن التسوية في لبنان ستنهار وسيحصل الحزب على حصانة عملية.
على إسرائيل أن تطلب من الإدارة الأمريكية بلورة “قواعد فصل الساحات”: فهم بأن الرد الإسرائيلي المحدود في لبنان على خروقات حزب الله لن يُعتبر مبرراً لرد إيراني؛ والتزام أمريكي بإيصال هذه الرسالة إلى طهران؛ وآلية تصعيد تدريجي تُحمَّل فيها مسؤولية منع الانزلاق أولاً لحزب الله وإيران وليس لإسرائيل فقط. وفي الوقت نفسه، يجب على إسرائيل الامتناع عن إطلاق تهديدات علنية تجاه بيروت أو إيران دون تنسيق مسبق مع واشنطن، لأن مثل هذه التصريحات قد تضعها أمام خيار صعب: تنفيذ تهديد يضر بالجهد الأمريكي وبعلاقاتها مع واشنطن، أو التراجع عنه ومنح حزب الله وإيران مكسباً معنوياً.
في النهاية، أظهرت الجولة الأخيرة أن لبنان ليس مجرد اختبار لوقف إطلاق النار، بل اختبار لقدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على منع إيران وحزب الله من ربط الساحات. فإدارة ترامب تسعى لمنع التصعيد والحفاظ على مسار تفاوضي مع طهران، بينما تسعى إسرائيل إلى الحفاظ على حرية عملها ومنع إعادة بناء قوة حزب الله. هذان الهدفان لا يتعارضان بالضرورة، لكنهما يتطلبان تفاهمات واضحة بين القدس وواشنطن: أي خرق من حزب الله يجب أن يقابَل بثمن، وأي محاولة إيرانية لاستخدام لبنان كأداة تعطيل يجب أن تواجه برسالة أمريكية حاسمة. وبدون ذلك، ستسعى إيران وحزب الله إلى تحويل الخوف الأمريكي من التصعيد الإقليمي إلى آلية لتقييد إسرائيل في لبنان.
معهد أبحاث الأمن القومي – إلداد شبيط (عقيد (احتياط) انضم إلى المعهد في بداية عام 2017 كباحثٍ كبير، بعد مسيرة مهنية طويلة في شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) وفي مكتب رئيس الوزراء في تل أبيب).. أورنا مزراحي (باحثة كبيرة في معهد دراسات الأمن القومي).
