إيران ترفع كلفة المواجهة.. الخسائر الأمريكية تتعاظم
بقلم ابتسام الشامي
في الجولة الثانية من الحرب العدوانية عليها، تنجح الجمهورية الاسلامية الإيرانية في رفع أثمان الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها بشرياً واقتصادياً، وفي ما تزداد التوقعات الغربية تشاؤماً بقدرة القوة العسكرية على تحقيق إنجاز ميداني يُخضع طهران، يرتفع منسوب القلق من تعمق مأزق واشنطن في غرب آسيا وما يترتب على ذلك من تداعيات على مكانتها وعلى الاقتصاد العالمي.
إرباك في إدارة الحرب
يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استراتيجيته في إدارة حربه العدوانية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مستخدماً المزيد من أدوات الضغط والتضليل، وفي ما يرفع سقف التهديد بتدمير البنى التحتية الإيرانية ومنشآت الطاقة في حال مواصلة إيران إغلاق مضيق هرمز، يواصل مزاعمه حول ضمان العبور الآمن للسفن، فضلاً عن ادعاءاته بنجاح العدوان في تقليص القدرات العسكرية الإيرانية سواء في الحفاظ على السيطرة الكاملة على المضيق أو التعامل مع العدوان بالردود العسكرية المتناسبة.
على أن العدوان العسكري ضد إيران الذي استأنفه الأمريكيون يتجاوز الفعل العسكري إلى البلطجة التي تجيدها واشنطن ويتقنها رئيسها الحالي. فوفقاً لآخر قراراته المعلنة بشأن وضعية مضيق هرمز الاستراتيجي، أعلن ترامب أن الأضرار التي لحقت بالسفن والبضائع نتيجة الهجمات المرتبطة بإيران و”أذرعها” ستُعوض من الأموال الإيرانية المجمدة والخاضعة لسيطرة الولايات المتحدة، في خطوة قال إنها تهدف إلى تحميل طهران مسؤولية الخسائر الناجمة عن استهداف حركة الملاحة. وفي منشور عبر منصة Truth Social، أوضح ساكن البيت الأبيض، أن أي أضرار تلحق بالسفن أو الشحنات أو ما يرتبط بها “من الآن فصاعداً وحتى إشعار آخر” سيجري تعويضها من الأموال الإيرانية التي تمتلكها الولايات المتحدة وتسيطر عليها، مشيراً إلى أن قيمة هذه الأضرار قد تكون “كبيرة للغاية”.
الخسائر الأمريكية تتصاعد
القرار الذي جاء بعد ساعات من إعلانه استهداف البنى التحتية الإيرانية ومنشآت الطاقة مقابل كل استهداف إيراني لسفينة تعبر المضيق، لا يفضح ادعاءات ترامب عن العبور الآمن للسفن فحسب، وإنما يعكس أيضاً حجم الإرباك الذي تعانيه إدارة الحرب، في ضوء مواصلة القوات العسكرية الإيرانية استهداف السفن المخالفة لترتيبات العبور التي فرضتها طهران، والرد السريع على الاعتداءات بضرب القواعد العسكرية الأمريكية في الأردن ودول الخليج. وهي ردود لاحظ المراقبون دقة إصابتها بما أدى إلى مقتل وإصابة عشرات الجنود والضباط الأمريكيين في تطور تقرأ فيه القيادة العسكرية الأمريكية تطوراً في القدرات الاستخبارية الإيرانية ينطوي على ارتفاع مستوى المخاطر المحدقة بحياة القوات المنتشرة في تلك القواعد العسكرية في إطار مشاركتها في الحرب على إيران.
هذا التطور العسكري المهم مضافاً إليه عدم بروز إشارات تراجع إيراني تدفع الباحثين الغربيين إلى المزيد من اليأس من إمكانية تغيير المعادلات الميدانية والتحذير بالتالي من توسع المأزق الأمريكي في غرب آسيا.
في هذا الإطار، خلص تقييم استخباراتي أمريكي جديد إلى أن الضربات العسكرية المتواصلة لن تؤثر بصورة كبيرة في القرار السياسي الإيراني بما يدفع طهران إلى تخفيف شروطها التفاوضية، على الرغم من توسع العمليات الأمريكية ضدها. وترى وكالات الاستخبارات الأمريكية في تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست أن واشنطن وطهران دخلتا حالة جمود مفتوحة بين السلم والحرب، تتخللها جولات تصعيد دامية وفترات هدوء مؤقتة. ووفقاً للتقييم ذاته، فإن هذا الجمود يضع الرئيس الأمريكي أمام معضلة، إذا لم تحقق الضربات المتصاعدة اختراقاً سياسياً، بينما قد ينطوي أي تصعيد إضافي، خصوصاً إرسال قوات برية، على مخاطر سياسية وعسكرية كبيرة، في ظل الرفض الشعبي للحرب وغياب ضمانات النجاح. وشدد التقييم الذي أعدته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بصورة أساسية على “قدرة النظام الإيراني على الصمود، على الرغم من خسارة قادة وعتاد عسكري”.
وليس بعيداً عن هذا التقييم، حذرت صحيفة “ذا هيل” من أربعة تحديات تواجه ترامب في حال العودة إلى الحرب الشاملة على إيران، وتتعلق المخاطر بمخزونات الذخائر والمخاوف من الركود العالمي والانتخابات النصفية الأمريكية واستعداء دول الخليج العربية. وأكدت الصحيفة الأمريكية أن شعبية ترامب تأثرت، ولا سيما فيما يتعلق بالاقتصاد، بشكل كبير بتحركاته في إيران، لافتة إلى أن ذلك أثار قلق الجمهوريين من أن يؤدي الصراع في “الشرق الأوسط” إلى عزوف الناخبين في تشرين الثاني المقبل.
إيران طورت قدراتها
القلق الغربي المتصاعد من تداعيات فشل الحرب العدوانية في تحقيق اهدافها اعاد إلى الواجهة السؤال عن أسباب الفشل، مع التأكيد أن الحديث يدور هنا عن أقوى جيوش العالم قدرة عسكرية وتكنولوجية واستخباراتية، بالتعاون والشراكة مع الجيش الإسرائيلي وما توفره دول المنطقة من دعم لوجستي واستخباراتي أيضاً.
في إجابتها عن هذا السؤال كشفت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية عن أن الولايات المتحدة تواجه ما سمتها قيوداً على توسيع غاراتها على إيران بسبب نقص الموارد. ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمريكي لم تسمه تأكيده “انخفاض مخزونات الولايات المتحدة من أنظمة الدفاع الجوي والذخائر بعيدة المدى”، وإشارته إلى “وجود قيود على قدرتها على إرسال مزيد من الجنود والطائرات إلى المنطقة بسبب الأضرار الحربية”. وقال المسؤول الأمريكي “لا نملك موارد كافية لمواصلة العمليات بشكل آمن، ولا أعتقد أن البيت الأبيض يدرك ذلك”.
وفي سياق متصل، تحدث للصحيفة ذاتها “براد بومان”، وهو محارب قديم في الجيش ومدير كبير في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، عن إن التصدي للصواريخ الإيرانية ألقى بضغوط شديدة على الجيش الأمريكي، وتحديداً وحدات الدفاع الجوي التابعة للجيش، للتكيف بسرعة. ولفت بومان إلى أن القوات المسؤولة عن تشغيل هذه الأنظمة أصبحت من الأكثر انتشاراً وتأدية للخدمة في الجيش بسبب الطبيعة المتغيرة للحرب. وأضاف قائلاً: “كان على هذه الوحدات أن تتحمل مسؤوليات جديدة”، مشيراً إلى انتشار الطائرات بدون طيار قصيرة المدى من جانب إيران والتحدي المتمثل في كشفها وإسقاطها. لافتاً إلى “إن الاستقلالية والذكاء الاصطناعي والإنتاج الضخم تجعل المهمة الصعبة بالأساس لأفراد الدفاع الجوي والصاروخي في الجيش الأمريكي أكثر صعوبة”.
إلى ذلك، “أظهرت الهجمات الإيرانية التي استهدفت تسعة مواقع أمريكية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط خلال الأسبوعين المنصرمين منذ انهيار وقف إطلاق النار، أن البلاد تحتفظ بقدرتها على إلحاق الضرر بأهداف دقيقة، على الرغم من مزاعم إدارة ترامب المتكررة بأن القدرات العسكرية الإيرانية قد تقلصت أو دُمرت”. وبحسب تحليل مرئي أجرته صحيفة نيويورك تايمز للقواعد العسكرية الأمريكية ومواقع أخرى فإن “الضربات ألحقت أضراراً بمساكن المعيشة ومناطق العمل، وملاجئ الطائرات بدون طيار، وأنظمة الرادار، وغيرها من المنشآت”. وقد أدى هجوم “استهدف قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن، إلى مقتل ثلاثة جنود أمريكيين وإصابة آخرين”. وأفاد مسؤول عسكري للصحيفة بأن “ما يقرب من اثني عشر جندياً أصيبوا أيضاً إصابات بليغة جراء الهجمات الصاروخية وبطائرات بدون طيار التي شنها الإيرانيون في الأردن ودول أخرى هذا الشهر، لدرجة استدعت نقلهم جواً إلى مستشفى عسكري أمريكي في ألمانيا لتلقي العلاج”.
خاتمة
بيّن الاسبوعان المنصرمان من الجولة الجديدة من الحرب على إيران، أنها لن تختلف عن سابقتها، وبفعل ما أظهرته طهران من ردود متصاعدة على العدوان، فإن تجدد الحرب ينطوي مخاطر إضافية من شأنها تعميق المأزق الأمريكي وارتفاع أكلاف الحرب بشرياً واقتصادياً.
