محادثات القاهرة: هل تفتح الباب لتسوية أم لجولة حرب جديدة؟
بقلم د. محمد الأيوبي
تبدو محادثات القاهرة الجارية حول مستقبل قطاع غزة وكأنها تقف عند نقطة تقاطع حاسمة بين مسارين متناقضين: مسار يسعى إلى تثبيت وقف إطلاق النار وفتح الباب أمام ترتيبات سياسية وأمنية جديدة تنهي واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ القضية الفلسطينية، ومسار آخر تدفع باتجاهه “إسرائيل” عبر التهديد المتواصل باستئناف العمليات العسكرية الواسعة تحت عنوان استكمال أهداف الحرب ونزع سلاح المقاومة.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه حركة حماس والفصائل الفلسطينية عن تحقيق تقدم ملموس في المداولات التي تجري بوساطة مصرية وقطرية وتركية، وعن التوصل إلى مقاربات وُصفت بأنها مقبولة بشأن عدد من الملفات العالقة، تتسرب من تل أبيب معطيات تشير إلى أن المؤسسة العسكرية “الإسرائيلية” تواصل إعداد خطط عملياتية واسعة للعودة إلى القتال في قطاع غزة. وهذا التناقض الظاهر بين منطق التفاوض ومنطق الحرب يعكس حجم التعقيدات التي تحيط بالمرحلة الراهنة، ويكشف أن المنطقة ما زالت بعيدة عن الوصول إلى تسوية مستقرة ونهائية.
السلاح… العقدة المركزية في المفاوضات
منذ الأيام الأولى لطرح المبادرات الدولية الخاصة بإنهاء الحرب في غزة، برز ملف سلاح المقاومة باعتباره القضية الأكثر حساسية وتعقيداً بين مختلف الملفات المطروحة. فالقضايا المتعلقة بإعادة الإعمار وإدارة القطاع وترتيبات المساعدات الإنسانية وإعادة تشغيل المؤسسات المدنية تبدو، رغم صعوبتها، قابلة للنقاش والتوافق حولها. أما قضية السلاح فتمس جوهر الصراع نفسه وتتعلق بمستقبل المقاومة الفلسطينية ودورها السياسي والعسكري.
المعلومات المتسربة من محادثات القاهرة تشير إلى أن الفصائل الفلسطينية أبدت مرونة تجاه العديد من المقترحات المتعلقة بإدارة المرحلة المقبلة، لكنها في الوقت نفسه تحاول إيجاد صيغة تحفظ معادلة القوة التي تشكلت خلال العقود الماضية. ومن هنا جاء الحديث عن حصر السلاح بيد هيئة فلسطينية متفق عليها، بدلاً من تسليمه لقوات دولية أو وضعه تحت وصاية خارجية مباشرة.
بالنسبة للفصائل الفلسطينية، لا يتعلق الأمر بمجرد أسلحة أو معدات عسكرية، بل بمفهوم الردع ذاته. فهذه الفصائل ترى أن أي حديث عن نزع السلاح قبل إنهاء الاحتلال وانسحاب القوات “الإسرائيلية” بشكل كامل يمثل محاولة لفرض استسلام سياسي تحت غطاء التسوية. ولذلك فإنها تنظر إلى هذا الملف باعتباره خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه بسهولة.
في المقابل، تعتبر “إسرائيل” أن الحرب لم تحقق أهدافها بالكامل طالما بقيت البنية العسكرية للمقاومة قائمة وقادرة على إعادة إنتاج نفسها. ولهذا تصر تل أبيب على جعل ملف السلاح المدخل الأساسي لأي ترتيبات مستقبلية، معتبرة أن أي اتفاق لا يتضمن معالجة جذرية لهذا الملف سيؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع في مرحلة لاحقة.
لماذا تلوّح “إسرائيل” بالحرب مجدداً؟
اللافت في التسريبات “الإسرائيلية” الأخيرة أنها لا تركز فقط على التهديد باستئناف العمليات العسكرية، بل تسعى أيضاً إلى تقديم مبررات مسبقة لهذه العودة المحتملة. فالمؤسسة الأمنية “الإسرائيلية” تتحدث عن إعادة بناء القدرات العسكرية للمقاومة، وعن ترميم شبكات الأنفاق واستعادة منظومات القيادة والسيطرة، وعن فشل المجتمع الدولي في إيجاد آلية فعالة لنزع سلاح حماس.
هذه الرواية “الإسرائيلية” تخدم أكثر من هدف في الوقت نفسه. فمن جهة، توفر غطاءً سياسياً لأي عملية عسكرية مستقبلية، ومن جهة أخرى تمارس ضغطاً على الوسطاء والفصائل الفلسطينية خلال المفاوضات الجارية.
لكن القراءة الأعمق للمشهد تشير إلى أن الحسابات “الإسرائيلية” لا ترتبط فقط بالوضع داخل غزة. فالحكومة “الإسرائيلية” تواجه ضغوطاً داخلية كبيرة نتيجة نتائج الحرب الطويلة، كما تواجه أسئلة متزايدة حول قدرتها على تحقيق الأهداف التي أعلنتها منذ بداية المواجهة. وبالتالي فإن التلويح بخيار الحرب مجدداً قد يكون جزءاً من محاولة لاستعادة زمام المبادرة السياسية والعسكرية بعد مرحلة طويلة من الاستنزاف.
كما أن توقف المواجهات الواسعة على الجبهتين اللبنانية والإيرانية أعاد تركيز الاهتمام “الإسرائيلي” على قطاع غزة باعتباره الساحة الأكثر قابلية لإعادة التصعيد، خصوصاً في ظل الاعتقاد السائد داخل المؤسسة الأمنية بأن أي تأجيل للمواجهة يمنح المقاومة وقتاً إضافياً لإعادة ترتيب صفوفها.
استراتيجية الفوضى: وجه آخر للحرب
إلى جانب التهديدات العسكرية المباشرة، تبدو “إسرائيل” وكأنها تخوض نوعاً آخر من الصراع داخل القطاع، يقوم على استهداف البيئة الأمنية والاجتماعية التي تسمح للمجتمع الفلسطيني بالاستمرار والصمود.
فخلال الأشهر الماضية تركزت عمليات الاغتيال بصورة ملحوظة على القيادات الأمنية والشرطية، سواء تلك التابعة للمؤسسات الحكومية أو المرتبطة بأجهزة أمن المقاومة. ولم يكن هذا الاستهداف مجرد عمل تكتيكي مرتبط بجمع المعلومات أو تصفية شخصيات محددة، بل بدا جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى إضعاف منظومة الضبط الداخلي في القطاع.
وتدرك “إسرائيل” أن المجتمع الذي يعيش حرباً طويلة وحصاراً خانقاً وأوضاعاً إنسانية كارثية يصبح أكثر هشاشة أمام الفوضى والانقسامات الداخلية؛ لذلك فإن إضعاف المؤسسات الأمنية المحلية يمكن أن يؤدي إلى زيادة معدلات الجريمة وانتشار النزاعات العائلية وتفكك النسيج الاجتماعي، وهو ما يخلق بيئة أكثر ملاءمة لفرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة.
هذه المقاربة لا تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل تشمل أيضاً الحرب النفسية والإعلامية ونشر الشائعات وتغذية الانقسامات الاجتماعية، إضافة إلى توظيف مجموعات متعاونة مع الاحتلال للقيام بأدوار ميدانية مختلفة.
معركة الأمن الداخلي
أحد الجوانب الأقل ظهوراً في المشهد الغزّي يتمثل في الصراع الدائر حول الأمن الداخلي. فبعد التدمير الواسع الذي طال المؤسسات الشرطية والأمنية منذ بداية الحرب، واجه القطاع تحديات غير مسبوقة تتعلق بالحفاظ على النظام العام وحماية المجتمع من الانهيار.
وقد حاولت أجهزة الأمن الحكومية وأجهزة أمن المقاومة خلال الفترة الماضية إعادة تنظيم صفوفها وتطوير آليات عمل أكثر مرونة تسمح لها بالاستمرار رغم الاستهداف المستمر. وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن هذه الأجهزة نجحت بدرجات متفاوتة في احتواء الكثير من مظاهر الفوضى ومنع انهيار الوضع الأمني بشكل كامل.
لكن الاستهداف “الإسرائيلي” المتواصل لهذه الأجهزة يكشف أن تل أبيب تنظر إليها باعتبارها عقبة رئيسية أمام مشاريعها المستقبلية. فوجود أجهزة أمنية محلية فاعلة يعني وجود قدرة على مواجهة الجماعات المتعاونة مع الاحتلال، وعلى حماية الجبهة الداخلية من محاولات الاختراق، وعلى منع تشكل فراغ أمني يمكن استثماره سياسياً.
ومن هنا يمكن فهم أهمية العمليات الأمنية التي أعلنت عنها قوة “رادع” التابعة لأمن المقاومة، والتي تحدثت عن تفكيك شبكات مرتبطة بأجهزة الاحتلال كانت تعمل على إثارة الفوضى واستهداف عناصر الشرطة والأمن. فهذه العمليات تعكس حجم الصراع الخفي الذي يدور بعيداً عن الأضواء بين منظومات الأمن المحلية وأدوات الاختراق “الإسرائيلية”.
بين التسوية والوصاية الدولية
الجانب الآخر من النقاش يتعلق بطبيعة النظام الذي سيحكم غزة في مرحلة ما بعد الحرب. فالمقترحات الدولية المطروحة تتحدث عن هيئة فلسطينية مستقلة لإدارة القطاع، وعن قوة استقرار دولية، وعن ترتيبات أمنية جديدة بإشراف إقليمي ودولي.
نظرياً تبدو هذه الأفكار جزءاً من عملية انتقالية تهدف إلى إنهاء الحرب وإعادة بناء القطاع. لكن الفصائل الفلسطينية تخشى أن تتحول هذه الترتيبات إلى شكل جديد من أشكال الوصاية السياسية والأمنية، خصوصاً إذا ارتبطت بشروط تتعلق بنزع سلاح المقاومة أو تقييد دورها المستقبلي.
ولهذا السبب فإن النقاش لا يدور فقط حول شكل الإدارة المقبلة، بل حول طبيعة التوازنات التي ستنتجها هذه الإدارة. فهل ستكون جزءاً من مشروع وطني فلسطيني يحظى بتوافق داخلي، أم أنها ستتحول إلى أداة لتنفيذ متطلبات أمنية تفرضها إسرائيل والمجتمع الدولي؟
هذا السؤال يفسر جانباً كبيراً من الحذر الذي تبديه الفصائل خلال المفاوضات، كما يفسر تمسكها بربط أي ترتيبات جديدة بإنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات الإسرائيلية بشكل كامل.
إلى أين تتجه الأمور؟
يصعب الجزم بمآلات محادثات القاهرة في ظل التناقضات الكبيرة التي تحكم مواقف الأطراف المختلفة. فهناك تقدم واضح في بعض الملفات، وهناك رغبة إقليمية ودولية في تجنب العودة إلى الحرب، لكن في المقابل ما زالت القضايا الجوهرية معلقة وفي مقدمتها ملف السلاح والترتيبات الأمنية النهائية.
وتبدو “إسرائيل” حتى الآن غير مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية في هذا المجال، فيما ترفض الفصائل الفلسطينية القبول بصيغة ترى فيها تهديداً لمستقبل المقاومة ولدور الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
لذلك يمكن القول إن المفاوضات الحالية تقف على حافة خيارين متوازيين؛ الأول يقود إلى تسوية تدريجية تقوم على التفاهمات المرحلية والضمانات المتبادلة، والثاني يقود إلى انهيار المسار التفاوضي وعودة المواجهة العسكرية بصورة أوسع وأعنف.
في النهاية؛ لا تبدو محادثات القاهرة مجرد جولة تفاوضية هامشية، بل تشكل اختباراً حقيقياً لمستقبل قطاع غزة ولشكل النظام السياسي والأمني الذي سيتبلور بعد الحرب؛ فالمعركة لم تعد تدور فقط حول وقف إطلاق النار أو إعادة الإعمار، بل حول تعريف المرحلة المقبلة برمتها: هل ستكون مرحلة تسوية تفتح الباب أمام استقرار نسبي، أم أنها ستكون مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الحرب؟.
الإجابة عن هذا السؤال لا تزال معلقة بين غرف التفاوض في القاهرة وغرف العمليات في تل أبيب، وبين إرادة القوى الإقليمية والدولية من جهة، وإصرار الفلسطينيين على حماية ثوابتهم السياسية والأمنية من جهة أخرى. وحتى تتضح الصورة بشكل نهائي، سيبقى قطاع غزة يعيش فوق خط رفيع يفصل بين فرصة التسوية واحتمال الانفجار الكبير.
