اليمن يدشن معركة كسر الحصار.. البحر الأحمر كورقة ضغط استراتيجية
بقلم نوال النونو
أعلنت القوات المسلحة اليمنية الاثنين الماضي حظر الملاحة البحرية على العدو الإسرائيلي في البحر الأحمر في وقت تتجه فيه اليمن نحو كسر الحصار المفروض عليه منذ أكثر من عشر سنوات باستخدام القوة العسكرية.
واعتبرت القوات المسلحة اليمنية أنَّ كلَّ تحركاتِ العدوِّ أصبحتْ هدفاً عسكرياً لقواتِنا المسلحةِ من لحظةِ إعلانِ هذا البيانِ، مؤكدة أنها ستواجهُ التصعيدَ بالتصعيدِ، وأنَّ عملياتِها العسكريةَ ستكونُ متصاعدةً بما يواكبُ الأحداثَ والمعركةَ والاشتراكَ مع محورِ الجهادِ والمقاومةِ.
وأشارت إلى نقطة غاية في الأهمية، عندما أكدت “أننا لن نقفَ مكتوفي الأيدي أمامَ الحصارِ الظالمِ على شعبِنا وشعوبِ محورِ الجهادِ والمقاومةِ في فلسطينَ وغزةَ وإيرانَ ولبنانَ والعراقِ، وإنَّ كلَّ محاولاتِ العدوِّ ستبوءُ بالفشلِ بإذنِ اللهِ، وإنَّ عملياتِنا مستمرةٌ طالما استمرَّ العدوانُ والحصارُ علينا وعلى محورِ الجهادِ والمقاومةِ”.
ويعد اشتراك اليمن في المواجهة إلى جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية غير مفاجئاً، فهو يعزز من “وحدة الساحات”، ويجسد حقيقة الموقف اليمني المناهض للهيمنة الأمريكية الصهيونية في المنطقة، لكن الجديد في البيان هو الإشارة إلى الحصار المفروض على اليمن، واللجوء إلى القوة العسكرية لكسر هذا الحصار، وهذا يحدث لأول مرة منذ أكثر من عشر سنوات، وهذا يعني أن دائرة النار لن تقتصر على العدو الإسرائيلي، وإنما ستشمل كل المشاركين في الحصار على اليمن، وفي المقدمة السعودية، ولو لم تتم الإشارة إلى ذلك علانية.
ما يؤكد ما نذهب إليه، هو تصريحات القائم بأعمال رئيس الوزراء في حكومة التغيير والبناء بصنعاء العلامة محمد مفتاح الذي أكد أن “كسر الحصار” سيكون عنوان المرحلة المقبلة، معتبراً أن الحصار لم يعد مجرد أداة ضغط سياسية أو اقتصادية، بقدر ما أصبح جزءاً من معركة مفتوحة فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها على اليمن والمنطقة.
ويفهم من التصريح أن اليمن يتجه لفرض معادلات ضغط على الأطراف المشاركة في الحصار على اليمن وعلى إيران والمحور، وهنا تبرز ورقة باب المندب والبحر الأحمر باعتبارها أهم أدوات القوة التي يمتلكها اليمن، لما تمثله من تأثير مباشر على حركة الملاحة والتجارة الدولية.
وتحاول صنعاء من خلال هذه الخطوة نقل الحصار من كونه عبئاً تتحمله وحدها إلى قضية ترتبط بمصالح إقليمية ودولية أوسع، بما يجعل استمرار الضغوط على اليمن أكثر كلفة على خصومه، ومن هنا تكتسب معركة “كسر الحصار” أهمية خاصة، باعتبارها عنواناً لمرحلة جديدة تسعى فيها اليمن إلى توظيف موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية لفرض معادلات مختلفة في الصراع الدائر بالمنطقة.
حصار مرهق لليمنيين
وعلى مدى أكثر من عشر سنوات عانى اليمنيون كثيراً من وطأة الحصار الذي فرضته قوات التحالف بقيادة السعودية على اليمن، فتم اغلاق المطارات وفي المقدمة مطار صنعاء الدولي، وأغلقت المنافذ البرية بين اليمن والسعودية، وتعرضت السفن المتجهة إلى اليمن للتفتيش والمضايقات، وكل هذا أدى إلى تدهور الاقتصاد اليمني، وخلق معاناة إنسانية بالغة الصعوبة لدى اليمنيين.
وتعاملت صنعاء مع الحصار المفروض عليها بوصفه أحد أبرز أدوات الحرب التي استهدفت إضعاف الدولة والمجتمع والاقتصاد اليمني، وخلال هذه الفترة تركزت الجهود على تعزيز عوامل الصمود الداخلي والحد من آثار الحصار، رغم ما خلّفه من تداعيات واسعة على مختلف القطاعات.
وتشير التصريحات الأخيرة للقيادة السياسية والعسكرية في صنعاء إلى توجه جديد يتجاوز مرحلة الصمود إلى العمل على كسر الحصار وفرض معادلات باستخدام القوة العسكرية، فقد أكد القائم بأعمال رئيس الوزراء محمد مفتاح أن “كسر الحصار” سيكون عنوان المرحلة المقبلة، فيما ربط بيان القوات المسلحة اليمنية بين العمليات العسكرية الأخيرة وبين مواجهة الحصار المفروض على اليمن وعلى قوى المقاومة في المنطقة.
ويعزز هذا التحول وجود قناعة متزايدة لدى صنعاء بأن استمرار الحصار لم يعد مجرد ملف اقتصادي أو إنساني، بقدر ما أصبح جزءاً من معركة أوسع تتداخل فيها الأبعاد السياسية والعسكرية والاستراتيجية، ومن هذا المنطلق، لم يعد التعامل مع الحصار يقتصر على التكيف مع آثاره، وإنما بات يتجه نحو استخدام أوراق القوة المتاحة لرفع كلفة استمراره على الأطراف المرتبطة به، حيث يأتي إعلان حظر الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر في إطار هذه المقاربة الجديدة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل ستقتصر صنعاء على ملاحة العدو الإسرائيلي أم ستنتقل إلى خطوات أوسع تشمل السعودية والإمارات باعتبارهما رأس الحربة في الحصار على اليمن؟
بناء على ما سبق، فإننا أمام مشهد جديد، وانتقال إلى مواجهة جديدة تنتصر ليمن ولشعبه المحاصر، وهذا يجعلنا أمام عدة احتمالات في رسم ملامح المرحلة المقبلة، فالاحتمال الأكبر هو أن تعمل القوات المسلحة بتوسيع دائرة النار لتشمل السعودية والإمارات حتى يتم تحقيق الهدف الأسمى في رفع الحصار، والذي سيكون من نتائجه عدم مع السعودية لإقلاع وهبوط الطائرات من مطار صنعاء الدولي، وعدم تفتيش السفن المتجهة إلى اليمن، وإزالة العوائق المتعلقة بالحوالات المالية إلى اليمن، والسماح لليمن بتصدير منتجاته وعوائده النفطية والغازية، وفي هذا الإطار نتوقع أن تستجيب السعودية لهذا الضغط مع المماطلة في التنفيذ، لكن إذا تم الضغط بقوة من قبل اليمن فستضطر المملكة للاستجابة.
أما الاحتمال الثاني، وهو متوقع بأن تعمل الولايات المتحدة على مواجهة الضغط اليمني، مع اجبار المملكة على الاستمرار في فرض الحصار على اليمن، وقد تنتقل إلى مرحلة أكبر بتشديد أكبر على الحصار اليمني، وقصف المنشآت الاقتصادية والحيوية، لا سيما إذا ما توسع المعركة والمواجهة بين أمريكا والجمهورية الإسلامية الإيرانية ولم يتم التوصل إلى اتفاق سلام.
تظل كل الاحتمالات واردة، لكن اليمن قد صبر كثيراً على الحصار المفروض عليه، وآثار الحصار عمق مأساة اليمنيين كثيراً، والالاف من المرضى اليمنيين ماتوا دون أن يتمكنوا من السفر إلى الخارج لتلقي العلاج، ومؤسسات الدولة باتت شبه مشلولة نتيجة عدم توفر السيولة، وقد أصبحت المعاناة الاقتصادية أحد أهم المرتكزات التي يعول عليها العدوان السعودي والأمريكي لإثارة السخط الشعبي على أنصار الله، ولذا فإن اللجوء إلى الخيار العسكري لكسر الحصار جاء بعد استنفاد كل الخيارات الأخرى، وصبر اليمنيين لم يعد يحتمل.
