لماذا تفجرت الأزمة بين الجزائر والإمارات؟
بقلم توفيق المديني
تشهد العلاقات بين الجزائر والإمارات المتحدة توتراً شديداً على خلفية الإجراءات التي اتخذها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يوم السبت 7مارس/آذار 2026 بإلغاء الاتفاقية المتعلقة بالخدمات الجوية بين الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية ودولة الإمارات العربية المتحدة، الموقعة في أبو ظبي بتاريخ 13 مايو/أيار 2013، والمصادق عليها بموجب المرسوم الرئاسي الصادر في 30 ديسمبر/كانون الأول 2014.
وتنص الاتفاقية الموقعة بين البلدين على حق سلطات الطيران لدى البلدين في تعيين شركة أو أكثر من شركات النقل الجوي لتشغيل الخطوط المتفق عليها بين الجانبين، مع إمكانية سحب أو تغيير هذا التعيين أو استبدال تلك الشركات، وفقا لما تراه كل سلطة مختصة. كما تنص الاتفاقية على حق سلطات الطيران لدى كل طرف متعاقد في إلغاء أو تعليق أو تقييد تراخيص تشغيل شركات النقل الجوي المعينة، في حال إخلالها بالقوانين واللوائح المعمول بها، أو عدم التزامها بشروط الاتفاقية. وتتيح الاتفاقية تعيين عدد غير محدد من الناقلات الوطنية من كلا البلدين لتشغيل رحلات جوية منتظمة دون قيود، وبأي سعات باستخدام مختلف أنواع الطائرات، سواء كانت مملوكة أو مؤجرة، وبعدد غير محدد من الرحلات.
وقالت الهيئة العامة للطيران المدني إنَّ هذا الإجراء يأتي ضمن الآليات المنصوص عليها في أطر الاتفاقيات الدولية، ولا يترتب عليه أي تأثير فوري على حركة الرحلات الجوية، حيث تظل الاتفاقية سارية خلال المهلة القانونية المحددة، وتستمر العمليات الجوية بين البلدين بشكل طبيعي. وأكدت الهيئة أن التنسيق متواصل مع كافة الجهات المعنية عبر القنوات الرسمية، وتتعامل مع هذه المستجدات بمسؤولية ومهنية، ووفق الأطر القانونية والدبلوماسية المعتمدة. ويقول خبراء إنه من الناحية العملية، سيكون تأثير القرار محدوداً ويطاول أساساً أفراد الجالية الجزائرية المقيمة في دولة الإمارات والذين يسافرون إلى بلدهم. كما سيؤثر على المسافرين الجزائريين الذين يستخدمون مطارات الإمارات كنقطة عبور إلى آسيا. ويشار إلى أنَّ القرار لا يؤثر على استخدام شركات الطيران الإماراتية للأجواء الجزائرية، إذ تنظمه اتفاقية مختلفة.
في أسباب الخلافات بين الجزائر والإمارات
حسب رأي الخبراء المتابعين للأحداث الجارية في منطقة المغرب العربي، تعود جذور الأزمة بين الجزائر والإمارات، إلى عدة ملفات إقليمية.
أولاً: تزايد النفوذ الصهيوني في المغرب والصحراء الغربية
من أكثر الأسباب التي خلقت توتراً في العلاقات بين الجزائر والإمارات، التقارب المتنامي بين الإمارات والمغرب، خصوصاً في ما يتعلق بالدعم الإماراتي لمقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب لحل نزاع الصحراء في الوقت الذي تقف الجزائر في الطرف النقيض في هذه القضية.
وتواجه الإمارات والكيان الصهيوني اتهامات من قبل الجزائر بتقديم دعمٍ عسكريٍ للمغرب، إلى جانب تعزيز التعاون الاقتصادي عبر استثمارات ضخمة في إقليم الصحراء. كما تُتهم أبو ظبي بتزويد المغرب بأنظمة مراقبة وتجسس إسرائيلية حديثة يُقال إنَّها تستهدف الجزائر. وخلال السنوات الأخيرة، شهد التعاون العسكري بين أبو ظبي والرباط توسعاً ملحوظاً، ما زاد من مخاوف الجزائر. وترفض الجزائر علاقات التطبيع بين المغرب والكيان الصهيوني، إذ تعتر توسع الوجود الصهيوني في منطقة المغرب العربي والساحل يشكل تهديداً مباشراً لأمنها. وقطعت الجزائر علاقتها مع الرباط منذ 2021م عقب تصريحات أدلى بها وزير الخارجية الصهيوني آنذاك من الرباط أبدى خلالها قلقه بشأن تحالف الجزائر مع إيران، وترفض الجزائر انضمام الكيان الصهيوني إلى الاتحاد الإفريقي بصفة مراقب.
ثانياً: تنامي الدور الإقليمي للإمارات في دول الساحل
برزت خلافات أخرى مرتبطة بالتحركات الاقتصادية في إفريقيا، من بينها دعم أبو ظبي لمشروع أنبوب الغاز المغربي – النيجيري، الذي يُنظر إليه في الجزائر كمشروع منافس لمشروع أنبوب الغاز الجزائري – النيجيريين بالإضافة إلى غضب الجزائر من نزول الإمارات بكل ثقلها الاقتصادي للاستثمار في الصحراء المغربية.
وفضلاً عن ذلك، تلعب دولة الإمارات دوراً متزايد الأهمية في منطقة الساحل، خصوصاً في مالي، عبر استثمارات اقتصادية، ومساعدات إنسانية وشراكات عسكرية وأمنية. وتمول الإمارات، قوات دول الساحل لمحاربة الجماعات الجهادية والمعارضة، التي تُتهم الجزائر بدعم بعضها. وتتهم الجزائر الإمارات العربية المتحدة بتمويل أو تزويد المجلس العسكري الحاكم في مالي، الذي توترت علاقاته مع الجزائر منذ بداية 2025، بالمعدات العسكرية: الأسلحة المركبات المدرعة والطائرات بدون طيار.. وفي السودان تدعم الإمارات قوات الدعم السريع، فيما تدعم الجزائر الجيش السوداني.
ثالثاً: العمل على تقسيم الجزائر من خلال تقديم الدعم للبربر
تتهم الجزائر دولة الإمارات بالتدخل في شؤون الجزائر الداخلية، وفق ماذكرته صحيفة “الخبر”، المعروفة بقربها من السلطات الجزائرية، والتي قالت إن الإمارات العربية المتحدة مشتبه بها في دعم حركة تقرير مصير القبائل (ماك)، وهي حركة انفصالية مصنفة كمنظمة إرهابية في الجزائر.
ففي أيار/مايو 2025، شهدت العلاقات بين أبو ظبي والجزائر توتراً كبيراً، حيث اندلعت بعد استضافة قناة فضائية إماراتية “سكاي نيوز عربية” للمؤرخ المثير للجدل محمد الأمين بلغيث، الذي نفى وجود هوية “أمازيغية” للجزائر، وقال: إنَّ “الهوية الأمازيغية هي مشروع صهيوني فرنسي”. واعتبرت السلطات الجزائرية هذا الأمر اعتداء على وحدتها الوطنية والاجتماعية والثقافية. ويُشار إلى أنه جرى الاعتراف بالأمازيغية لغة رسمية في الجزائر عام 2016، وفي عام 2017 تمت إضافة “يناير”، رأس السنة الأمازيغية، إلى قائمة الأعياد الوطنية.
وحمل تلفزيون الدولة الرسمي آنذاك على الإمارات بأنها “تتحول إلى مصانع للفتنة وبث السموم الإيديولوجية” بين العرب والأمازيغ. وبحسب القناة الجزائرية، فإنَّ ما وصفته بـ “تصعيد إعلامي خطير” من دولة الإمارات حيث مقر “سكاي نيوز عربية”، “يتجاوز كل الخطوط الحمراء”.
وتشتبه السلطات الجزائرية بمحاولة إماراتية (إلى جانب المغرب والكيان الصهيوني) لزعزعة استقرار البلاد، ووضعها في حالة عدم استقرار دائم وحرب استنزاف كامنة مكلفة للغاية بالنسبة لاقتصادها، ولتحقيق هذا الهدف، يشتبه في أن الإماراتيين يمارسون لعبة مشبوهة في البلدان المجاورة، وخاصة في تونس وليبيا.
رابعاً: دعم اللواء المتقاعد حفتر في ليبيا
تُعَدُّ الحالة الليبية مثالاً واضحاً في هذا الصدد؛ ففي حين تدعم الجزائر رسميا حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة المدعومة من قطر وتركيا ودول أخرى والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة والدول الغربية في طرابلس، تدعم أبو ظبي، إلى جانب دول أخرى، الرجل القوي في شرق ليبيا، المشير خليفة حفتر الذي هدَّد الجزائر في عدَّة مناسبات.
وترى الجزائر في حفتر وعلاقاته بأبوظبي وفاغنر الروسية تهديداً لاستقرار ليبيا ولمصالح الجزائر، وتعتقد أنَّ أبو ظبي ضغطت بقوة على الولايات المتحدة لإجبار مجلس الأمن الدولي على رفض ترشيح الدبلوماسيين الجزائريين رمطان لعمامرة (أبريل 2020) وصبري بو قادوم (يونيو 2022) لمنصب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا.
خامساً: التطبيع مع الكيان الصهيوني ومحاربة المقاومة
وتشكل العلاقات الإبراهيمية بين الإمارات والكيان الصهيوني التي بدأت منذ عام 2020، واصطفاف الإمارات إلى جانب العدو الصهيوني في محاربة حركة المقاومة الفلسطينية في غزَّة، نقطة خلاف رئيسية بين الجزائر وأبو ظبي.
تتهم الجزائر الإمارات إلى جانب المغرب، بالضغط داخل جامعة الدول العربية وفي بعض الدول الأفريقية لتعميم تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، وهو أمر ترفضه الجزائر وتعتبره نفوذاً صهيونياً في أفريقيا.
كما أنَّ الإمارات هي من دفعت الرباط إلى اتفاقية “تطبيع العار” المسماة “اتفاقية أبرهام” عام 2020 مقابل الاعتراف الأمريكي بتبعية الصحراء الغربية للمغرب، مما يضر بالموقف الجزائري الداعم لجبهة البوليساريو التي تخوض صراعاً مع المغرب بهدف استقلال الصحراء الغربية.
سادساً: استثناء تبون الإمارات في اتصالاته مع البلدان الخليجية
في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إنَّ علاقات بلاده مع جميع دول الخليج ودية، باستثناء دولة واحدة، في إشارة على ما يبدو إلى الإمارات. ووصف تبون العلاقات مع السعودية والكويت وسلطنة عمان وقطر بأنها علاقات “أشقاء”. واتهم الدولة التي لم يسمها بالتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر والسعي إلى زعزعة استقرارها، قائلاً إن “المشاكل تبدأ عندما يأتي من يحاول تخريب بيتي ولأسباب مشبوهة، ويتدخل في أمور داخلية”.
وفي منتصف عام 2023 جرى إقالة وزير الاتصال الجزائري محمد بوسليماني، إثر نشر قناة “النهار” المحلية حينها خبراً عن “طرد” سفير الإمارات، وهو ما نفته الخارجية الجزائرية لاحقاً.
وفي ظل العدوان الأمريكي – الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، أجرى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون سلسلة اتصالات هاتفية مع عدد من قادة دول الخليج العربي عقب الضربات الإيرانية التي استهدفت عدداً من القواعد الأمريكية المتمركزة في دول المنطقة، وشملت الاتصالات كلا من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وسلطان سلطنة عمان هيثم بن طارق، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إضافة إلى أمير دولة الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح. في المقابل، لم تُعلن الرئاسة الجزائرية أو وزارة الخارجية عن أي اتصال هاتفي بين تبون ونظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وهو ما اعتبره كثيرون انعكاس لاستمرار التوتر في العلاقات الثنائية، ويؤكد أن الخلاف بين البلدين لم يعد ظرفياً بل أصبح جزءاً من سياق سياسي أوسع.
وتأتي هذه التطورات في سياق أزمة سياسية مستمرة بين الجزائر والإمارات العربية المتحدة، ظهرت تجلياتها مؤخرا بعد اندلاع العدوان الأمريكي – الصهيوني على إيران، إذ لم تعرب الجزائر أي تضامن صريح وواضح مع الإمارات العربية المتحدة التي تُعتبر من أكثر البلدان العربية تعرضا للضربات من إيران، باعتبارها تستضيف على أراضيها قاعدة عسكرية أمريكية، ومستوطنين صهاينة، إضافة إلى أنها واجهة استثمارية للعولمة المالية الأمريكية المتوحشة.
سابعاً: مطالبة الجزائر باسترداد الأموال المنهوبة في عهد بوتفليقة
تطالب الجزائر دولة الإمارات باسترداد الأموال المنهوبة في عهد نظام عبد العزيز بوتفليقة، إذ تشتبه في إخفاء نحو 300 مليون دولار أمريكي داخل بنوك ومؤسسات مالية إماراتية من قبل أفراد من عائلة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، إلى جانب وزراء وشخصيات مقربة من النظام السابق، حيث يُعد استرداد هذه الأموال من أولويات الرئيس عبد المجيد تبون. وتؤكد الجزائر امتلاكها أدلة تثبت أن هذا المبلغ كان في الواقع رشاوي دفعها مستثمرون إماراتيون على مدار 15 عاماً مقابل امتيازات اقتصادية وسياسية من نظام بوتفليقة. وقد تقدمت الجزائر بطلبات متكررة للحصول على مساعدة من السلطات الإماراتية لتحديد أماكن إيداع هذه الأموال، لكن يُقال إن أبو ظبي لم تستجب لهذه الطلبات.
الرد الإماراتي على الاتهامات الجزائرية
وفي الثالث من شباط/فبراير ردَّ المستشار الرئاسي الإماراتي أنور قرقاش على الاتهامات الموجهة لدور بلاده الإقليمي. وشدَّد على ضرورة “الفصل بين الضجيج والواقع”، معتبراً أن “السردية ضد الإمارات مزيج من أعذار مختلفة”. وتبادلت الجزائر والإمارات افتتاح السفارات في منتصف سبعينات القرن العشرين وتوطدت علاقاتهما في فترة رئاسة عبد العزيز بوتفليقة (1999-2019) الذي أقام لفترة طويلة في الإمارات بعد استبعاده من السلطة عقب وفاة الرئيس الأسبق هواري بومدين نهاية 1978.
ولا تميل الإمارات إلى الردِّ المباشر أو الانجرار إلى حرب تصريحات، وتفضل الاحتفاظ بمواقفها ضمن أطر دبلوماسية واقتصادية. وفي تعليقها على إعلان الجزائر إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية نقلت وكالة أنباء الإمارات (وام) عن الهيئة العامة للطيران المدني قولها إنَّ الإخطار الوارد من الجزائر بشأن إيقاف اتفاقية خدمات النقل الجوي بين البلدين لن يكون له أي “تأثير فوري على حركة الرحلات الجوية”. وقالت الهيئة العامة للطيران المدني في الإمارات إن اتفاقية خدمات النقل الجوي تظل سارية “خلال المهلة القانونية المحددة”، دون تقديم مزيد من التفاصيل.
بدوره علق نائب رئيس شرطة دبي ضاحي خلفان في تغريدة على تويتر بالقول إن القرار لا يؤثر في الإمارات “لا أخلاقيا ولا اقتصاديا”، بيد أنَّ الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله، المقرب من دوائر صنع القرار في أبوظبي، علق على القرار الجزائري بالقول: “من لا يردنا، لا نريده”.
خاتمة
يعتقد الخبراء والمحللون أنَّ التوتر في العلاقات الجزائرية – الإماراتية يأتي في سياق جيو/سياسي أوسع، وضمن إطار التنافس الإقليمي المتصاعد بين الإمارات والسعودية. وقد يكون الخلاف الجزائري – الإماراتي جزءاً من حراك أوسع تقوده الرياض لتحجيم النفوذ الإماراتي في مناطق استراتيجية مثل البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مما يجعل القرار الجزائري حلقة في سلسلة من التحولات الدبلوماسية التي تشهدها المنطقة.
لدى الجزائر عدة مظالم تجاه الإمارات، والعديد منها ينبع من الدعم المتصور للجماعات الانفصالية عبر أفريقيا في بلدان تشمل ليبيا والسودان وحتى أقرب إلى الداخل في الجزائر. وترى الدولة الجزائرية في تدخل الإمارات في السياسة الخارجية، خاصة في ليبيا، تهديداً لأمنها الخاص، وهذه واحدة من مظالمها الرئيسية.
هناك أيضاً اعتقادٌ بأنَّ هذه الخطوة لإلغاء الاتفاقية الجوية موجهة أيضاً نحو منافس الجزائر وجارها المغرب بسبب دعمه للكيان الصهيوني والتقارب مع الإمارات، وكذلك دعم حركة (MAK). لذا هناك بعض المظالم لدى الجزائر، ويمكن ربطها أيضاً ببعض الاتفاقيات التي أبرمها المغرب في السنوات القليلة الماضية. على سبيل المثال، أغلقت الجزائر مجالها الجوي مع المغرب وقطعت العلاقات الدبلوماسية في عام 2021 بعد قرار المغرب الانضمام لاتفاقيات التطبيع مع الكيان الصهيوني. هذه أيضاً ردود فعل لما يراه تبون من أنَّ الإمارات لديها علاقات قوية بالمغرب، وفي نفس الوقت علاقات قوية بجماعات مزعزعة للاستقرار في المغرب العربي.
