إغلاق جزئي لمضيق هرمز.. طهران تمسك واشنطن من يد الاقتصاد التي تؤلمها
بقلم ابتسام الشامي
مع مرور أسبوعين على بداية العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يشتد ألم الأعداء من الرد الإيراني، والألم هنا لا يقتصر على الخسائر البشرية والأصول العسكرية فحسب وإنما الاقتصادية أيضاً، بفعل تأثير الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز، بما هو ورقة ضغط مؤثرة جداً في يد إيران لتأديب المعتدين.
هرمز ثقل استراتيجي
في أول بيان باسمه للشعب الإيراني لمناسبة انتخابه قائداً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، حرص الإمام السيد مجتبى الخامنئي على مواجهة الأعداء وتوعدهم بالثأر لدماء الشهداء مشيراً في هذا السياق إلى خيارات عدة من بينها تفعيل ورقة مضيق هرمز، مؤكداً “الاستمرار في استخدام ورقة إغلاقه” كجزء من الأثمان التي ستفرض على الأعداء. جاء ذلك في ما كان سعر برميل النفط يسجل المزيد من الارتفاع، بعدما قررت طهران أن المضيق الاستراتيجي لا يقل شأناً من حيث القوة والتأثير في عملية تدفيع العدو ثمن مغامراته العسكرية وتماديه في محاولات إسقاط النظام الإسلامي القائم.
القرار الذي شكل صدمة للأسواق المالية ورفع من منسوب المخاطر على الاقتصاد العالمي، يستمد تأثيره الكبير من كون المضيق الذي تشرف عليه الجمهورية الإسلامية الإيرانية يعتبر شرياناً حيوياً للتجارة العالمية وأحد أهم طرق عبور ناقلات النفط العملاقة من مواطن الإنتاج في الشرق إلى أسواق الاستهلاك في الصين والغرب. فالمضيق الذي يربط الخليج العربي بالمحيط الهندي عبر بحر العرب تمر عبره يومياً كميات ضخمة من النفط تُقدر بنحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي للنفط وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، هذا فضلاً عن مرور 20% من الغاز المسال المنقول من قطر. علماً أن القيمة السنوية للطاقة التي تعبر هذا الممر تقدر بأكثر من تريليون دولار، ما يعكس مكانته على المستوى العالمي كممرٍ رئيسي لصادرات النفط والغاز في طريقها إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.
تحذيرات من إغلاقه
أهمية مضيق هرمز بالنسبة لاستمرار تدفق النفط، وقف خلف تحذير أممي استباقي صدر قبل أيام من الحرب العدوانية الأمريكية الإسرائيلية الحالية. إذ حذر تقرير صادر عن الأمم المتحدة من أن “أي تعطل مستمر أو إغلاق للمضيق سيؤدي إلى التأثير في خدمات التغذية، وعمليات إعادة الشحن في الخليج العربي أو شمال المحيط الهندي، وربما يؤدي إلى إعادة توجيه عبر موانئ جنوب آسيا. وقد يؤدي هذا التحول بدوره إلى ازدحام وارتفاع في معدلات الشحن، خصوصاً على خطوط الخليج الداخلية وخطوط الشرق الأوسط – آسيا وجنوب آسيا” فضلاً عن أي تصعيد إضافي سيترك تداعيات واسعة النطاق تشمل شبكات النقل وتكاليفه.
ما حذرت منه الأمم المتحدة سرعان ما ظهرت نتائجه في الاقتصاد العالمي بعد أيام قليلة من قرار طهران إغلاقاً جزئياً للمضيق، وتحديداً امام السفن التي لا تمتثل للإجراءات المتخذة من قبل بحريتها العسكرية، وفي هذا الإطار كشفت مجلة “ذا إيكونوميست” عن التداعيات الكارثية لإغلاق مضيق هرمز على أسواق الطاقة العالمية، مع تراجع حركة الملاحة بشكل شبه كامل منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وذكرت المجلة البريطانية أن نحو 15 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات المكررة باتت محتجزة في الخليج، بعد أن كان المضيق يشهد عبور حوالي 14 مليون برميل يومياً من النفط الخام (14% من الإنتاج العالمي) و4 ملايين برميل من المشتقات النفطية.
تأتي هذه الأرقام لتكذب ادّعاءات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أيام أن عملية “الغضب الملحمي اكتملت بشكل جيد للغاية وأن القدرات العسكرية الإيرانية قضي عليها”، وفي تعبيرها عن المأزق الذي تواجهه الإدارة الأمريكية إزاء تطورات العدوان، تحذر المجلة من “أن إنهاء الحرب ليس بيد واشنطن وحدها، وأن أسواق النفط لا تزال تعيش حالة من التوتر الشديد”. وتوقعت أن يصل سعر خام برنت إلى 150 دولاراً للبرميل إذا استمرت الاضطرابات، خصوصاً مع توجه بعض الدول إلى الحمائية، حيث علقت الصين صادرات الديزل والبنزين، ما أدى إلى ارتفاع أسعارهما في سنغافورة.
بدوره حذر موقع “أكسيوس” الأمريكي من أنه “لا يمكن قطع رأس قيادة بلد يبلغ عدد سكانه 90 مليون نسمة، ويتمتع بقدرات عسكرية واستخباراتية موسعة، ويقع في قلب بعض سلاسل التوريد الأكثر أهمية اقتصاديا في العالم، من دون تكلفة باهظة”. ونقل الموقع عن باتريك دي هان، الخبير في أسعار الغاز، قوله إن هناك فرصة بنسبة 80% لأن يصل متوسط سعر الغاز الوطني إلى 4 دولارات للغالون في الشهر المقبل، في وقت ارتفع فيه احتمال حدوث ركود في الولايات المتحدة إلى 38% في التعاملات الليلية على منصة بوليماركت، من 24% في بداية الشهر.
الحلول العسكرية
وأمام مأزق تداعيات الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز، لم تجد إدارة ترامب حلاً سوى عسكرة المرور عبر المضيق من خلال مرافقة قطع بحرية عسكرية للسفن التي طالب ترامب أصحابها والدول المعنية بها امتلاك جرأة العبور. ووفقاً لصحيفة وول ستريت جورنال فإن القيادة المركزية طلبت مدمرات وسفناً حربية لمرافقة السفن التجارية بمضيق هرمز.
لكن التقرير يفيد نقلاً عن مصدرين أمريكيين أن عملية عبور الناقلات النفطية بمرافقة سفن حربية إضافية، لن تبدأ بها القوات الأمريكية قبل انخفاض مستوى التهديد من إيران. وهذا يعني عملياً أن القرار الأمريكي سيكون رهن الإرادة الإيرانية. مع الإشارة هنا إلى إعلان قائد القوة البحرية في الحرس الثوري الإيراني، علي رضا تنكسيري، بشكل حازم “أننا سنحافظ على استراتيجية إبقاء مضيق هرمز مغلقاً” تلبية لأوامر القائد الأعلى في إيران، السيد مجتبى خامنئي. وأكد تنكسيري أن قوات الحرس الثوري “ستوجه أشد الضربات للعدو”. أما الجيش الإيراني فقد أكد بدوره، أنه سيواصل القتال ضد المعتدين وسيبقى صامداً حتى آخر نفس. وقال الجيش، في بيانٍ، إنّ “الرسالة التوجيهية الأولى الصادرة عن القائد الأعلى للقوات المسلحة، والتي تشكل أمراً حاسماً في مواجهة أعداء الوطن والانتقام لدماء القائد والإمام الشهيد والشهداء الأبطال في الحرب الجارية، قد وصلت بوضوح وصوت عالٍ إلى مسامع الجميع”.
خاتمة
بعد أيام على بداية الحرب، تجد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها والاقتصاد العالمي في مأزق التعامل مع الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز، فلا هي قادرة على تحمل تبعات استمرار الإغلاق ولا على التقدم خطوة في كسر قرار طهران في مواصلة إغلاقه.
