إقليميات

خان يونس تفضحهم.. كمين القسام يسقط ميليشيا الظل ويُربك الاحتلال

بقلم د. محمد الايوبي

لقد جاء الكمين الذي نفذته كتائب القسام ليُسقط، دفعة واحدة، رواية كاملة حاولت “إسرائيل” بناءها حول “بدائل محلية” قادرة على ملء الفراغ الأمني في غزة، وليكشف في المقابل هشاشة هذا الرهان وحدوده.

منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن العملية لم تكن ارتجالية، بل جاءت نتيجة رصد دقيق ومتابعة حثيثة لتحركات مجموعة من العناصر المتعاونة مع الاحتلال، استخدمت عربات جيب إسرائيلية بلا لوحات تعريفية، في محاولة للتمويه والانخراط داخل النسيج المدني. هذا النمط من التسلل لا يعكس فقط أسلوباً عملياتياً، بل يكشف عن استراتيجية أوسع تقوم على توظيف “وكلاء محليين” لتمرير أهداف أمنية لا يمكن تحقيقها عبر التدخل المباشر دون كلفة عالية.

ولم تكن هذه الحادثة معزولة في سياقها الزمني، بل جاءت امتداداً لمحاولة سابقة خلال الشهر ذاته، حين تحركت مجموعات من داخل ما يُعرف بـ “الخط الأصفر” عبر شاحنات محمّلة بـ “غالونات” وقود ممزوجة بمواد متفجرة باتجاه سوق دير البلح، قبل أن ترصدها المقاومة وتدخل معها في اشتباك مباشر، انتهى بإفشال المهمة ومقتل عدد من عناصرها.

تفكك نموذج الوكلاء: حين يتحول الاختراق إلى كمين

غير أن ما لم تحسب له هذه المجموعات، ومن يقف خلفها، هو أن البيئة التي تتحرك فيها لم تعد رخوة كما تفترض، وأن بنية المقاومة في غزة، على الرغم من كل ما تعرضت له من استنزاف، ما زالت قادرة على التقاط الإشارات، وتحليل الأنماط، وتحديد اللحظة المناسبة للضرب. وهنا تحديداً تكمن أهمية الكمين: ليس فقط في نتائجه المباشرة، بل في دلالته على استمرارية الفعل الاستخباري المقاوم، وقدرته على تحويل “الاختراق” إلى فرصة عكسية.

لقد جرى استهداف المركبات الثلاث بشكل متزامن تقريباً، باستخدام مزيج من القذائف المضادة والأسلحة الخفيفة والمتوسطة، ما أدى إلى مقتل وإصابة عدد من العناصر، ودفع البقية إلى حالة من الارتباك والفرار. هذا المشهد، الذي وثّقته مقاطع مصورة وانتشر سريعاً على المنصات الرقمية، لم يكن مجرد توثيق لنجاح تكتيكي، بل كان أيضاً تفكيكاً بصرياً لرواية “القوة المنظمة” التي حاولت تلك المجموعات تقديمها.

“إسرائيل” تحرق أدواتها: من الدعم إلى التصفية

لكن اللحظة الأكثر دلالة لم تكن في الكمين نفسه، بل في ما تلاه. إذ تدخل الطيران “الإسرائيلي” ليس فقط لتأمين انسحاب من تبقى من العناصر، بل لقصف إحدى المركبات بمن فيها، بما تحمله من جرحى وأجهزة وأسلحة. هذا السلوك يطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة العلاقة بين هذه المجموعات والجهة التي تدعمها: هل نحن أمام “حلفاء” أم أمام أدوات قابلة للاستهلاك الفوري؟.

في الحسابات العسكرية البحتة، يمكن تفسير هذا القصف بمحاولة منع وقوع معدات حساسة في يد المقاومة. لكن في القراءة السياسية الأعمق، يبدو المشهد أكثر قسوة: تصفية للأثر، وإغلاق لملف فشل، ولو على حساب من جرى الدفع بهم إلى الميدان. هنا، لا تعود المسألة مجرد إجراء تكتيكي، بل تتحول إلى مؤشر على طبيعة العلاقة القائمة على الاستخدام والاستغناء، حيث يُختزل “الوكيل” إلى وظيفة مؤقتة تنتهي بانتهاء الحاجة إليه.

في هذا السياق، تكتسب المقارنة مع تجارب سابقة في جنوب لبنان، حيث جرى بناء تشكيلات محلية مرتبطة بالاحتلال، دلالة خاصة. ما عُرف بـ جيش لبنان الجنوبي، بقيادة كل من سعد حداد ولاحقاً أنطوان لحد. هذا الكيان لم يكن مجرد تشكيل عسكري محلي، بل كان أداة وظيفية صُممت لتأدية أدوار لا يرغب الاحتلال في دفع كلفتها المباشرة، سواء على مستوى الخسائر البشرية أو الاحتكاك اليومي مع البيئة الحاضنة للمقاومة.

على مدى ما يقارب عقدين، من اجتياح 1982 حتى الانسحاب في عام 2000، حاولت “إسرائيل” ترسيخ هذا النموذج بوصفه “حلاً أمنياً مستداماً”، يقوم على تجنيد أبناء المنطقة، وإعادة تشكيل وعيهم الأمني والسياسي بما يخدم بقاء الاحتلال دون حضوره المباشر. غير أن هذه التجربة، على الرغم مما أُحيطت به من دعم عسكري واستخباري ولوجستي، بقيت تعاني من أزمة بنيوية عميقة: انعدام الشرعية الاجتماعية. فهذه المجموعات، مهما بلغ تسليحها، لم تستطع أن تتحول إلى قوة مقبولة داخل بيئتها، بل ظلت تُنظر إليها كجسم غريب، مرتبط عضوياً بمصالح الاحتلال.

وعندما جاءت لحظة الحسم في عام 2000، لم ينهَر هذا التشكيل تحت ضغط عسكري كاسح بقدر ما تفكك من الداخل، في مشهد يعكس هشاشة البنية التي قام عليها. كثير من عناصره فرّوا مع “الجيش الإسرائيلي”، وبعضهم تُرك لمصيره، في صورة تكاد تكون مطابقة لما نشهده اليوم: أدوات تُستخدم حتى آخر لحظة، ثم يُتخلى عنها عندما تصبح عبئاً. فالتاريخ يعيد نفسه، ليس من باب التكرار الحرفي، بل من خلال استنساخ الأنماط: الاعتماد على قوى محلية لتقليل الاحتكاك المباشر، محاولة خلق بنية أمنية بديلة، ثم انهيار هذه البنية عند أول اختبار جدي. ما جرى في خان يونس يوحي بأن هذا النموذج، على الرغم من اختلاف السياقات، ما زال يحمل في داخله بذور فشله.

في المقابل، حاولت الأطراف المستهدفة إعادة صياغة الحدث عبر خطاب إعلامي مضاد، تحدث عن توزيع مساعدات إنسانية، وعن تعرض لإطلاق نار من داخل تجمعات مدنية. غير أن التوثيقات الميدانية، التي أظهرت بوضوح أن الاشتباك وقع بعد مغادرة المركبات لمناطق النازحين، ساهمت في تقويض هذه الرواية. وهنا يظهر بُعد آخر من أبعاد المعركة: معركة السرد، حيث لم يعد كافياً تحقيق إنجاز ميداني، بل بات من الضروري أيضاً تثبيته في الوعي العام عبر أدلة بصرية وزمنية.

إن انهيار الرواية البديلة في هذا الحدث لا يقل أهمية عن انهيار المجموعة ميدانياً. فإسرائيل، التي تسعى منذ فترة إلى تقديم نموذج “الإدارة غير المباشرة” في غزة، تحتاج إلى غطاء محلي يمنح هذا النموذج قدراً من الشرعية أو على الأقل القابلية. وعندما يتم كشف هذه الأدوات بهذه الصورة الفجّة، فإن المشروع برمّته يدخل في دائرة الشك، ليس فقط لدى الجمهور الفلسطيني، بل أيضاً لدى الأطراف الدولية التي تراقب وتقيّم.

الميدان يسبق السياسة: ارتباك الرهان “الإسرائيلي” في لحظة التفاوض

من زاوية أخرى، لا يمكن فصل ما جرى في خان يونس عن التوقيت السياسي الأوسع، خصوصاً في ظل الحديث عن مفاوضات جارية ومحاولات لإعادة ترتيب المشهد في غزة. فإرسال مجموعات مسلحة إلى عدة مناطق في وقت متزامن، تحت غطاء مدني، يوحي بمحاولة اختبار القدرة على فرض حضور أمني بديل، أو على الأقل إرسال رسالة إلى الوسطاء بأن هناك “خياراً آخر” يمكن الاعتماد عليه.

لكن فشل هذه المحاولة، بهذه السرعة وبهذا الوضوح، يعيد خلط الأوراق. إذ لم يقتصر الأمر على سقوط عناصر ميدانياً، بل امتد ليطال الفكرة التي يمثلونها. وبدل أن تتحول هذه المجموعات إلى ورقة قوة في التفاوض، وجدت نفسها عبئاً إضافياً، يثير تساؤلات حول جدوى الاستثمار فيها، وحول قدرتها الفعلية على الصمود في بيئة معادية.

في المقابل، يبرز أداء المقاومة في هذا الحدث بوصفه عنصراً حاسماً في إعادة تثبيت معادلة الردع، ليس بالمعنى التقليدي القائم على تبادل الضربات، بل بمعناه الأعمق المرتبط بالقدرة على منع الخصم من بناء بدائل فعّالة. فحين تفشل محاولات الاختراق غير المباشر، ويُكشَف الوكلاء ويُستهدفون، فإن ذلك يحدّ من هامش المناورة لدى الاحتلال، ويدفعه إما إلى التصعيد المباشر بكلفة أعلى، أو إلى إعادة التفكير في أدواته.

ولا يقتصر تأثير هذا الحدث على الداخل الغزي، بل يمتد إلى محيطه الإقليمي. فالرسالة التي خرجت من خان يونس لا تتعلق فقط بإفشال عملية محددة، بل تحمل تحذيراً أوسع من ظاهرة “الاختراق الناعم” عبر أفراد يتحدثون اللغة نفسها، ويتحركون داخل المجتمع نفسه، لكنهم يعملون وفق أجندات خارجية. هذه الرسالة، في سياق إقليمي مضطرب، تكتسب أهمية خاصة، لأنها تلامس واحدة من أكثر نقاط الضعف حساسية في المجتمعات التي تعيش تحت ضغط أمني وسياسي مستمر.

في النهاية؛ يمكن القول إن كمين خان يونس لم يكن فقط نجاح عسكري محدود، بل لحظة مفصلية أعادت تسليط الضوء على طبيعة الصراع في غزة، وعلى حدود الاستراتيجيات التي يعتمدها الاحتلال. لقد سقطت “ميليشيا الظل” في اختبار الميدان، وسقطت معها رواية القدرة على خلق بديل محلي قادر على فرض نفسه.

أما الأهم، فهو أن هذا الحدث أعاد التأكيد على أن المعركة في غزة لا تُحسم فقط بتفوق ناري أو تقني، بل بقدرة كل طرف على فهم البيئة التي يعمل فيها، وعلى قراءة توازناتها الدقيقة. وفي هذا الميدان تحديداً، يبدو أن المقاومة ما زالت تمتلك عنصر المبادرة، أو على الأقل القدرة على إرباك خصمها، وإفشال رهاناته، مهما تعددت أدواته وتنوعت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *