مباحثات ثنائية برعاية أممية.. ماذا وراء التقارب السعودي مع أنصار الله؟
بقلم نوال النونو
حركت السعودية قبل أيام المياه الراكدة وبدأت بخطوات للتقارب مع حركة “أنصار الله” وذلك بعقد مباحثات عسكرية وأخرى سياسية برعاية من المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ.
واختتم المبعوث الأممي إلى اليمن الأربعاء الماضي زيارةً للعاصمة العمانية مسقط، عقد خلالها لقاءات مع مسؤولين عُمانيين رفيعي المستوى، ولقاء مع رئيس الوفد الوطني المتحدث باسم أنصار الله محمد عبد السلام. وأكد المكتب أن المبعوث الأممي ناقش في اللقاءات سبل الدفع قدماً بعملية السلام باليمن في ظل المتغيرات الإقليمية، مشيداً بالدور المحوري الذي تضطلع به سلطنة عُمان في دعم الحوار.
وجاء هذا اللقاء بعد يوم واحد من مباحثات ثنائية عقدت برعاية المبعوث الأممي في العاصمة الأردنية عمان وجمعت وفداً عسكرياً سعودياً مع وفد عسكري من أنصار الله، دون حضور ممثلين عن حكومة المرتزقة الموالية للسعودية، مما أثار الكثير من التساؤلات حول دوافع هذا اللقاء وتوقيته والأهداف التي تسعى السعودية من أجلها.
وعبرت الحكومة المناهضة لأنصار الله ومقرها الرياض والمدعومة من السعودية عن غضبها من هذا الاجتماع، مؤكدة في تصريح على لسان وزير الإعلام التابع لها معمر الإرياني أن المبعوث الأممي قد خرج عن قرارات الأمم المتحدة ولم يلتزم بمرجعيتها. كما شن ناشطون موالون للمرتزقة هجوماً على الرياض لعقد هذه اللقاءات بعيداً عنهم، معتبرين أن ذلك خطأ كبير وتقدير غير محسوب، لكن اللافت أن صنعاء لم تتعاطَ باهتمام مع هذه المباحثات، وفضلت وسائل الإعلام الرسمية تجاهل ذلك، مع أنه حدث هام ويستحق المتابعة.
مماطلات سعودية متكررة
ودخلت السعودية مع أنصار الله وحكومة صنعاء في هدنة عام 2022 برعاية الأمم المتحدة، وجرى خلالها التزام التحالف بقيادة السعودية بوقف الغارات الجوية على اليمن، مقابل وقف القوات المسلحة اليمنية للصواريخ والطائرات المسيرة على السعودية والإمارات.
وفي تلك الفترة تم التوافق على حل الكثير من القضايا منها التزام المملكة بدفع تعويضات لليمنيين، ودفع الرواتب، والإفراج عن الأسرى، وفتح الطرقات، ورفع الحصار عن اليمن، غير أن هذه الجوانب الإنسانية ظلت حبيسة المماطلة والتلكؤ السعودي ولم يتم الالتزام بها، وقد زادت هذه العراقيل مع دخول أنصار الله في إسناد فلسطين في معركة “طوفان الأقصى” وذلك بضغط أمريكي.
ومن أبرز الشواهد على المماطلة السعودية عدم الالتزام بتنفيذ اتفاق سابق قبل شهر رمضان، والذي قضى بالإفراج عن أكثر من ألفي أسير من الطرفين، وكان يفترض أن يتم التنفيذ مع بداية الشهر الكريم، غير أن ذلك لم يحدث حتى الآن.
لكن المتغير الآن هو عودة السعودية إلى نهج التقارب مع أنصار الله في ذروة العدوان والحصار الأمريكي على إيران، ما يقودنا إلى تساؤلات معينة عن مغزى هذا التقارب وهل هناك جدية سعودية لإنهاء عدوانها وحصارها على اليمن الذي بدأ في 26 مارس 2015م أم أنها مناورة وألاعيب سعودية من جديد؟. وتأتي هذه الخطوة السعودية في وقت حساس تمر به المنطقة، وهو أشبه بإشارة مرور في مفترق طرق إقليمي معقد.
أولاً: توقيت الرياض ليس صدفة، فعندما تختار السعودية الجلوس مع خصمها اللدود في قمة العدوان الأمريكي على إيران، فإن ذلك يعني أن الرياض تقرأ الخريطة الإقليمية بطريقة مختلفة، وهي تريد أن تخرج من معادلة الصراع اليمني قبل أن تحسمها طهران في صفقة كبرى مع واشنطن، وهذا إذا افترضنا نجاح المفاوضات الأمريكية الإيرانية وإعادة ترتيب المشهد الإقليمي.
ثانياً: في حالة استمرار الحرب، فإن الرياض تتخوف من الانخراط اليمني فيها، وعودة القصف إلى عمق الرياض، باعتبار أن الثأر اليمني لا يبرد، وأن الشعب اليمني الذي عانى الويلات خلال عقد سيبارك هذه الخطوة، وهنا تأتي السعودية لمحاولة إثناء اليمن عن اتخاذ موقف عسكري ضدها.
أضف إلى ذلك أن استبعاد حكومة المرتزقة لم يكن مجرد خطأ بروتوكولي، وإنما هو إعلان غير مباشر بأن الرياض لم تعد تثق في ذراعها المحلي، وهذا تطور خطير.
وبحسب ما نقلت صحيفة ” الأخبار” اللبنانية عن مصدر يمني، فإن تحريك السعودية ملفّ السلام في الظرف الحالي، هدفه تأمين مسار صادرات النفط السعودية في البحر الأحمر، فضلاً عن طرق وصول الإمدادات التجارية إلى دول الخليج، خصوصاً أن الموانئ السعودية الواقعة على “الأحمر” تقوم بدور الموانئ الخليجية المُعطَّلة بسبب إغلاق مضيق هرمز. ووفق المصدر، فإن الهدف السعودي يقتصر على ضمان أمن واردات السعودية ودول الخليج وصادراتها التي تمرّ عبر مضيق باب المندب، وذلك بعدما اعتمدت الرياض البحر الأحمر كممرّ بديل لـ “هرمز” للصادرات النفطية وغير النفطية، وتحوّلت موانئها الواقعة عليه، ومنها ميناء جدة، إلى مركز لوجستي إقليمي، وفي هذا الإطار، تمّ تحويل سفن الشحن التجارية القادمة من دول الاتحاد الأوروبي وآسيا إلى الميناء، الذي رفع معدّل قدراته لاستيعاب واردات دول الخليج منذ مطلع الشهر الفائت، وتتمّ عبره إعادة توزيع البضائع إلى دول الخليج ونقل الشحنات عبر مسارات برّية.
ويبقى السؤال الأبرز: هل ستلتزم السعودية باستحقاقات السلام مع صنعاء أم أنها ستواصل سياسة المماطلة والتسويف؟ والإجابة على السؤال مرهونة بالأفعال وليس الأقوال، فإذا استمرت الرياض في المماطلة على الأرض، فإن ذلك يعني أنها تريد كسب وقتٍ أكثر من أنها تريد كسب سلام.
لكن الفارق هذه المرة: أنصار الله لم يعودوا طرفاً يمنياً فقط، بقدر ما أصبحوا جزءاً من معادلة إقليمية تتصدرها إيران وأي خطأ في الحسابات والتقديرات سيضر بالمملكة ويكبدها أثماناً لا طاقة لها بها، وهذا ليس في مصلحتها على الإطلاق.
