إقليميات

علاقات الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي على مفترق طرقات التاريخ

بقلم توفيق المديني

فقد دعا الرئيس التونسي قيس سعيَّدْ إلى مراجعة اتفاق الشراكة الأورو متوسطية مع الاتحاد الأوروبي، ودعم أكبر لترحيل المهاجرين العالقين بتونس طوعاً إلى بلدانهم. وحسب ما أورده تقرير لوكالة الأنباء الألمانية، فقد طالب الرئيس سعيَّدْ في مكالمة هاتفية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بمناسبة احتفال تونس بالذكرى السبعين للاستقلال عن الاستعمار الفرنسي الموافق يوم 20 مارس (آذار)2026، بشراكة “متوازنة وأكثر عدلاً وإنصافاً”.

ولم يتضمن البيان، الذي نشرته الرئاسة التونسية، مقترحات واضحة للرئيس التونسي لتعديل اتفاق الشراكة الموقع منذ عام 1995، علماً أنَّه حسب تقارير العديد من الخبراء التونسيين، أدّى تفكيك المعالم الجمركية التدريجي على المنتوجات الصناعية الموردة من الاتحاد الأوروبي، إلى فقدان تونس ما لا يقل عن 24 مليار دينار (12 مليار دولار) للخزينة الوطنية في المدة المتراوحة بين سنة 1996 وسنة 2008 أي ما يعادل نصف المديونية للبلاد.

إنَّ الرئيس قيس سعيَّدْ مُحِقٌّ في طلب مراجعة اتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لأنَّ كل شيءٍ متغيرٌ والاتفاقية مبرمةٌ عام 1995، إضافة إلى ذلك أنَّ تونس تعاني من مصاعبٍ اقتصادية منذ سنواتٍ عديدةٍ، فضلاً عن تداعيات الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، فتونس بلد مستورد للطاقة، وقد يُلقي ارتفاع الأسعار العالمية بعبء ثقيل على ميزانياتها العامة، نظراً للدعم الحكومي الكبير الذي تقدمه في هذا المجال. وتبدو التداعيات أشدَّ وطأةٍ في تونس، حيث يتجاوز الدين العام 80٪ من الناتج المحلي الإجمالي؛ ذلك أنَّ كل دولار يُضاف إلى سعر النفط يعني تحو 164 مليون دينار (ما يعادل 55 مليون دولار) من النفقات الحكومية الإضافية، مع احتمال رفع بعض بنود الميزانية بنسبة تصل إلى 50٪. تتعرض تونس أيضاً لمخاطر ارتفاع تكاليف النقل، مما يهدِّدُ قطاعات محورية كالزراعة والصيد البحري والبناء والتصنيع وتوزيع الغذاء.

ماهي الإسقاطات المدمرة لاتفاقية الشراكة على الاقتصاد التونسي؟

تكمن المشكلة في الاقتصاد التونسي، في تراجع معدلات النمو الاقتصادي، وخسائر القطاع العام، وانخفاض إنتاج النفط، وارتفاع مخصصات الدعم التمويني وارتفاع معدلات البطالة…

لقد كانت لنتائج سياسات الليبرالية الاقتصادية الجديدة هذه المطبقة في تونس منذ ثلاثة عقودٍ، أَثَارٌ اقتصاديةٌ واجتماعيةٌ ونفسيةٌ خطيرةٌ، أثرت على التماسك الاجتماعي والأسري، من جراء تزايد الفوارق الطبقية الحادة بين أقلية من الأغنياء وأكثرية من الطبقات الشعبية تعيش في وحل الفقر، وتدهور أوضاع الطبقة الوسطى إلى الْحَظِيظِ، وانقسام البلاد بين أقلية من الولايات حظيت بنسبة عالية من مشاريع التنمية ومن التطور في بنيتها التحتية، وبين أكثرية من الولايات أضحت تعيش في عالم التهميش، والفقر، من جرَّاء غياب المشاريع التنموية، وإلى تقليص فرص العمل الجديدة، وانخفاض معدلات النمو الاقتصادي ومعدلات نمو الإنتاجية وتزايد معدل إفلاس المؤسسات وارتفاع معدلات البطالة، وازدياد رقعة الفقر اتساعاً من جراء ازدياد التفاوتات في توزيع الدخل والثروة.

هذا مَا يُؤَكِّدَهُ، الخبراء المعارضون للاتفاقية الجديدة (اتّفاق التبادل الحرّ الشامل والمعمّق: ALECA)، وكذلك الرئيس قيس سعيَّدْ، الذين يُشَدِّدُونَ على ضرورة البدء بتقييم نتائج اتفاق الشراكة المبرم بين تونس والاتحاد الأوروبي في سنة 1995. وهو الاتفاق الذي نَصَّ على رَفْعِ الْحَوَاجِزِ الْجُمْرِكِيَةِ على توريدِ وتصديرِ المنتجاتِ الصناعيةِ، فيما اسْتُثْنِيَ قِطَاعَيْ الخدماتِ والفلاحةِ. ويقول مُنْتَقِدُو الاتفاقية، أنَّهُ على عَكْسِ ما بَشَّرَ بِهِ المتفائلون لم تَتَمَكَّنْ تونس من تعديل ميزانها التجاري المختلّ مع أوروبا. بل خسرت ميزانية الدولة جرائه 30٪ من المداخيل الجبائيّة المعتادة، ودفعها “إلى المزيد من الاقتراض الخارجي”. كما كتب الخبير الاقتصادي محمّد شوقي عبيد. إِنَّ “أَكْثَرَ من نصف الشركات الصناعية الصغيرة والمتوسطة اختفت”، أي ما يعادل55٪ من النسيج الصناعي، ممّا تسبّب في فقدان حوالي نصف مليون تونسي لعمله.

ويُشِيرُ الخبراء المعارضون على وجه الخصوص إلى قطاع النسيج. إلاّ أنّ الْخَبِيرَ الاقتصادي عزّ الدين سعيدان قَلَّلَ في تصريح لنواة من هذا التقييم السلبي إِذْ يَرَى أنّ سبب تراجع صناعة النسيج في تونس هيكلي ويعود إلى اتفاقية الألياف المتعدّدة وهي اتفاقية قديمة تحدّد حصصاً لصادرات النسيج لكلّ دولة، وانتهى بها العمل سنة 2005 لصالح اتفاقية “الجات”) وليس لاتفاق 1995 مع أوروبا. الأمر الذي يعارضه الخبير الاقتصادي مصطفى الجويني، إذ رأى، في تصريح لنواة، أنّ كِلا الاتفاقين يدخلان في منظومة العولمة الاقتصادية، التي تخدم مصالح الدول الغنيّة. وينسحب هذا التباين في التقييمات على الاتفاقية الجديدة كذلك.

اتفاق التبادل الحرِّ الشامل والمعمق “الأليكا” وتدمير الفلاحة التونسية

هذا، الذي يعتبر “وصفة جاهزة” (مثل وصفة الإصلاح الهيكلي للبنك العالمي) يقدّمها الاتحاد الأوروبي إلى كلّ بلد يطلب إمضاء الاتفاق مثلما حصل مع الأردن والمغرب والكيان الصهيوني من قبل؟.

يتضح من خلال ما ذكرناه أعلاه أن منطقة التبادل الحرّ التي تهمّنا بالأساس لا تمكّن إلا من تحرير التجارة بينما بالمقابل لا تسمح بتنقل إحدى أهم عناصر الإنتاج ألا وهي اليد العاملة وهو ما يعني بأنّ هذا النوع من الشراكة ليس له أي بعد اجتماعي بل يخدم طرفاً واحداً (الاتحاد الأوروبي) ضد طرف آخر(تونس)، وذلك ليس بفتح الأسواق الخارجية أمام بعض المواد الفلاحية التي تنتجها تونس فحسب، وإنّما فتح أسواقها أمام البضاعة الخارجية المزاحمة لها. وهكذا فإنّه يمكن الجزم بأنّ التبادل الحرّ هو نظام تجاري عالمي يرتكز على رفع الحواجز الجمركية والقانونية وعلى حريّة تنقّل البضاعة والخدمات دون تنقّل اليد العاملة.

عندما نَنْظُرُ إلى المبادلات التجارية للمنتوجات الزراعية بين تونس والاتحاد الأوروبي، يبدو التباين جَلِّياً ووَاضِحاً. فهل يعقل أنْ نتحدّثَ عن تبادلٍ “حرٍّ” ومُزَاحَمَةٍ متكافئةٍ بين بلدٍ صغيرٍ مثل تونس لا تزيد المساحة الصالحة في الزراعة فيه عن 5. 271 مليون هكتار وعدد فلاحيه لا يزيد عن 516 ألف، مع 28 دولة تشكّل الاتحاد الأوروبي تبلغ المساحة الصالحة للزراعة فيها 175. 815 مليون هكتار (أي أكثر بـ 35 مرّة) وعدد الفلاحين فيه يفوق عدد سكّان تونس حيث يصل إلى 12 مليون و54 ألف فلاح؟

والأهم من كلّ ذلك فَإِنَّ الأراضِي التونسيةِ مُهَدَّدَةٌ بالتصحّرِ حيث نخسر أكثر من 20 ألف هكتار كل 10 سنوات إذْ كانت الأراضي الصالحة للزراعة تساوي 5. 295 مليون هكتار سنة 1995 فأصبحت سنة 2005 تساوي 5. 271 مليون هكتار فقط، بينما لا يُطْرَحُ هذا المشكل في البلدان الأوروبية. مسألة أخرى ستحدّ مستقبلا من إنتاج وإنتاجيّة القطاع الزراعي في تونس والمتمثّلة في التغيّرات المناخيّة التي لم نفعل شيئاً للتأقلم معها خلافاً للبلدان الأوروبية التي قامت بالدراسات اللازمة وبالتغييرات الهيكلية والتقنية الضرورية للتأقلم.

فهل هناك كلمات أوضح من هذه الكلمات لتوصيف ما سيحصل للفلاحة في تونس إِنْ لم نَفْعَلْ شَيْئاً ولم نُطَبِّقْ الاستراتيجية المذكورة أعلاه؟ وهل يعقل أن يقرأ المسؤولين في الدولة هذه الدراسة ثمّ يهرولون لمناقشة إمضاء “اتفاق التبادل الحرّ الشامل والمعمّق” الذي سيساهم في القضاء تماما عمّا سيتبقّى من الفلاحة جرّاء التدمير الذي ستحدثه التغيّرات المناخيّة؟ أليس من الأجدى تطبيق الاستراتيجية الوطنية لحماية الفلاحة من تأثيرات التغيرات المناخية للحفاظ على فلاحتنا وفلاحينا قبل الحديث عن أيّ إتّفاق؟ وبلغة الأرقام تؤكّد الدراسة على أنّ الموارد المائية ستنخفض بنسبة 28٪ مع حلول سنة 2030 وستتراجع المياه السطحية بنسبة 50٪ وسيتراجع إنتاج الزيتون إلى 50٪ وستتقلّص مساحة غراسة الأشجار المثمرة البعلية بحوالي 800 ألف هكتار أي بحوالي 50٪ وسط البلاد وجنوبها. وعند تعاقب سنوات الجفاف (تواتر كبير منتظر) سيتراجع حجم القطيع (أبقار وأغنام وماعز) إلى حدود 80٪ في وسط البلاد وجنوبها وبحوالي 20٪ في شمالها. أمّا بالنسبة للزراعات الكبرى، فَإِنَّ الأنْوَاعَ الجديدةَ ذات المردوديةِ العاليةِ ستكون أقلّ قدرة على مجابهة التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية مقارنة مع الأنواع المحلّية أو المتأقلمة وستعرف مساحات زراعة الحبوب في الوسط والجنوب عند تعاقب سنوات الجفاف، تراجعا بحوالي 20٪. وفي المحصلة سيؤدّي كلّ هذا إلى تدنى الإنتاج الفلاحي بـ 52٪ ما سيؤدّي إلى تَقَلُصِ مساهمة الإنتاج الفلاحي في الناتج المحلي الإجمالي بـحوالي الربع أي22. 5٪.

رؤيتان متناقضتان لمفهوم الشراكة

يرى الأكاديمي والخبير التونسي الجيو/سياسي كمال بن يونس، أنَّ اتفاقية الشراكة تحتاج إلى مراجعة بسبب اختلاف أولويات بروكسل وتونس. وأوضح أن “العواصم الأوروبية ومفوضية الاتحاد في بروكسل تعطي أولوية للشراكة الأمنية وملفات الهجرة غير النظامية، في حين يطالب الخبراء والمسؤولون في تونس وبلدان الجنوب بإعطاء الأولوية للشراكة الاقتصادية ومعالجة الأسباب العميقة للهجرة غير القانونية ومن بينها البطالة ومشاكل التنمية”.

كما يهتم مسؤولو دول جنوب المتوسط “بتأثر اقتصادات دول الجنوب بتراجع الدعم المالي والاقتصادي من دول الاتحاد الأوربي لبلدان الجوار لأسباب عديدة من بينها تحويل مليارات من الدولارات لتمويل مشاركتها في حرب أوكرانيا واستقبال ملايين اللاجئين الأوكرانيين”، وفق بن يونس.

وعلى النقيض من ذلك سمح التعاون في مكافحة الهجرة بخفض لافت في أعداد المغادرين إلى الاتحاد الأوروبي عبر السواحل التونسية، منذ تولي الرئيس سعيد السلطة في 2019، وتعزيز صلاحياته بشكل واسع في عام 2021.

ويطالب الرئيس سعيد بجهود أكبر لدعم رحلات العودة الطوعية لآلاف المهاجرين غير النظاميين العالقين بتونس إلى دولهم بأفريقيا جنوب الصحراء، موضحاً أن بلاده “قدمت الكثير، وهي ضحية نظام اقتصادي عالمي غير عادل، وضحية شبكات إجرامية بجنوب الصحراء وشمال البحر المتوسط التي تتاجر بهؤلاء الضحايا، وعلى المنظمات الدولية المعنية، وعلى دول الشمال أن تقوم بدورها كاملاً، لأن تونس رفضت منذ البداية أن تكون معبراً أو مستقراً”.

وشملت رحلات العودة الطوعية للمهاجرين غير النظاميين، انطلاقاً من تونس، أكثر من 8800 شخص في عام 2025. ووفق المنظمة الدولية للهجرة. فقد استفاد 1760 مهاجراً من بين المغادرين من برنامج الإعادة الطوعية والمساعدة على الإدماج، الذي يموله الاتحاد الأوروبي، ودول النمسا والتشيك وإيطاليا وفرنسا وهولندا والسويد والمملكة المتحدة.

خاتمة: من الصعب جدّاً أن نقوم بعملية مقارنة في نطاق اتفاق التبادل الحرّ الشامل والمعمق بين تونس والقطب الأوروبي، إِذْ يُعَدُّ هذا الأخير أكبر تكتلٍ عملاقٍ يَضُمُّ حاليّا 28 بلداً بانضمامِ 10 بلدان جديدة من أوروبا الشرقية خاصة بداية من مايو 2004، ويَسْتَحْوِذُ على حوالي 40٪ من مجموع التجارة العالمية. ودفع هذا التوسع نحو تغيير جغرا/سياسي وذلك بتحول مركز الجذب إلى شمال شرق أوروبا بقيادة ألمانيا عوضاً عن مركز الجذب الحالي الأقرب إلى جنوب غرب أوروبا بقيادة فرنسا. وليس خافياً على أحَدٍ ما يعنيهِ هذا التغيير من تأثيرٍ مباشرٍ على بلدان المغرب العربي، ولاسيما في تعقيد الوضع بالنسبة لقطرٍ صغيرٍ مثل تونس.

والسؤال الذي يطرحه الخبراء، ما هو مستقبل المنتوجات الفلاحية في ظل منطقة التبادل الحُرِّ؟ خلال حوالي نصف قرن من الزمن لم يتغيّر كثيراً في هيكل المواد الفلاحية المصدّرة إلى الاتحاد الأوروبي والمورّدة منه، فتونس تصدّر تقليدياً زيت الزيتون والتمور من دقلة النور والحمضيات من نوع المالطي والخمور وبعض أنواع الخضر مثل الطماطم(البندورة)، وبالمقابل تستورد الحبوب. أي أنّ تونس تصدّر المقبلات والمحلّيات وتستورد الغذاء الأساسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *