من التلاعب بالمناخ إلى تهديد الممرات المائية وسرقة الثروات…
بقلم زينب عدنان زراقط
إنها حرب قائمة على قوة الماء، وتأثير المطر على الأرض، والضغط الذي يُمارس لافتعال الجفاف وأطماع اغتصاب البحر لما يحتويه من ثروات نفطية وغازية. هناك أيضاً أطماع للسيطرة على الممرات المائية، التي تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي وحركة التجارة.
في هذا السياق، نجد ترامب “الأحمق” الذي جلب لنفسه المذلة، ويقود المشروع الأمريكي نحو الأفول. ما زال الرئيس الأمريكي يسعى جاهداً لفرض عنجهيته، مُصرّاً على التفاوض مع إيران تحت الحصار والنار، ولكن الجمهورية الإسلامية لقّنته درساً قاسياً لئلا يسير في الأرض مرحاً.
ففي آخر ساعة من هدنة وقف إطلاق النار مع أمريكا، كان موقف إيران واضحاً من خلال التغيب عن المفاوضات، بينما ظل وفد البيت الأبيض ينتظر لساعات على أمل الحصول على رد. في تلك اللحظة، أعلنت إيران موقفها بقوة، ليبدو الأمر وكأنها صبّت الماء المغلي فوق رأس ترامب. ليخرج الأخير، كمن فقد عقله، معلناً تمديد وقف إطلاق النار من جهته، بينما تكتفي إيران بالتحفظ على الرد، وتستعرض قوتها العسكرية في ساحة الميدان، حيث يتظاهر الشعب الإيراني يومياً دعماً للحرس الثوري من أجل العودة إلى النزال.
إلاَّ أنه على الرغم كل الإهانة التي جرّها ترامب على نفسه، فهو يستمر في تعنّته، ويسير كالأعمى، مُصرّاً على الحفاظ على الحصار البحري على إيران. وعلى ما يبدو، فإن هذه الحرب لن تنتهي حتى تتوقف أمريكا عن غطرستها، وتعترف بأنها في موقع الخاسر، وتقرّ بهزيمتها أمام إيران.
فما الذي انكشف عن الأهداف المدنية تحت مسمى ‘مرافق مائية ومراكز تحلية…’ التي استنكرتها دول الخليج، وما الدور الخفي الذي كانت تلعبه في إدارة حرب ناعمة على منطقة الشرق الأوسط؟ وما هي أطماع العدو الإسرائيلي من وراء نشر خريطة للخط الأصفر الذي لا يقتصر فقط على قضم الشريط الحدودي الجنوبي للبنان، بل يمتد ليحتل الواجهة البحرية المواجهة له وما تحتويه من ثروات؟!”.
ترامب “الأحمق”، الذي جلب المذلة لنفسه، لا يزال يسعى لفرض عنصريته وعنجهيته على إيران، في محاولاته لفرض مفاوضات لا تحتمل شروطاً عادلة. والهدف الحقيقي ليس المفاوضات أو حل النزاع، بل إعادة ترتيب النفوذ الأمريكي في المنطقة. هذا التوجه ليس جديداً، بل يعكس مخططاً أوسع يتجاوز الحدود السياسية التقليدية إلى مناطق الطاقة والمياه، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تطويع هذه الموارد لمصلحة أطرافها. وهكذا المياه أصبحت الجبهة الجديدة في الحروب العالمية، التي تعتبر شرياناً اقتصادياً حيوياً للعالم، حيث تُدير الولايات المتحدة وإسرائيل ودول خليجية أخرى، حرباً غير تقليدية ضد دول مثل إيران والعراق ولبنان، وهي حرب تتمثل في السيطرة على المياه والمصادر الطبيعية.
1- بدأت الحقائق تتكشف بشكل تدريجي، حيث أن المرافئ المدنية التي استهدفها الحرس الثوري في دول الخليج العربي لم تكن ضدّ هذه الدول كما زعمت حكوماتها، بل كانت في الواقع مناطق استخدمتها أمريكا لتوظيفها في أغراض تخريبية، في إطار حرب ناعمة تُشن ضد المنطقة. ومما تمَّ الكشف عن دور مركز الاستمطار في الإمارات، الذي كان يهدف إلى تجفيف العراق وإيران، مما أدى إلى أزمة حادة في العاصمة طهران، لدرجة أن السكان اضطروا إلى إخلاء المدينة. هذه السياسات أثارت جدلاً سياسياً واسعاً وفوضى بين أبناء الشعب الإيراني.
2- ومن ثم، تبرز الأطماع الإسرائيلية التي تم الكشف عنها من خلال خريطة تم نشرها، والتي تضمنت الخط الأصفر الذي يمر عبر حقل قانا. هذا يثير تساؤلات كبيرة حول أهداف إسرائيل الحقيقية، حيث يبدو أن الغاية ليست كما يدّعون في تأمين الحماية لسكان الشمال، بل في سعيهم للسيطرة على المياه الإقليمية التي تحتوي على حقول النفط والغاز.
أولاً: مصالح الخليج المائية تدير حرباً ناعمه!
حرب في الظل منذ أن بدأت الأزمة في الشرق الأوسط، بدأنا نشهد تطوراً مذهلاً في أساليب الحرب. الحرب الناعمة أو كما يسميها البعض حروب المياه، ليست مجرد حرب تقليدية من خلال الأسلحة النووية أو العسكرية، بل هي حرب تكنولوجية ومناخية تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والجغرافية.
تعتبر ضربة إيران للمركز السري للاستمطار في الإمارات في أبريل 2026 إحدى أبرز العمليات الاستباقية التي أعادت التوازن في المنطقة، لكنها لم تقتصر على الرد العسكري التقليدي فقط، بل كانت ضربة مناخية حقيقية. عندما دمرت إيران مركز الاستمطار الذي كانت تشرف عليه الولايات المتحدة ودول خليجية أخرى، كانت العملية تهدف إلى إيقاف شبكة دولية معقدة للتحكم في الطقس والمناخ، الذي كان يتم استغلاله بشكل منهجي لتجفيف الأراضي الزراعية في العراق وشرق إيران.
كان الهدف المعلن لهذه الشبكة هو زيادة الأمطار في الإمارات لتدعيم الزراعة والتوسع السياحي، لكن الأهداف الخفية كانت أكثر خطورة. رش الكيمتريل في سماء العراق وإيران، واستخدام أمواج هارب لتحريك الرياح، كان جزءاً من خطة لاستنزاف الموارد الطبيعية لهذه الدول، وتقليص قدراتها الزراعية. هذا الخرق المناخي كان يهدف إلى ضرب الاقتصادَيْن الإيراني والعراقي، إحداث مجاعة، وجعل هذه الدول تحت السيطرة الجيوسياسية.
ففي طهران، كان الوضع كارثياً: المياه الجوفية انخفضت بشكل غير مسبوق، ما جعل معظم المناطق الريفية عاجزة عن الاستمرار في الزراعة. أدى ذلك إلى نزوح جماعي من بعض المناطق، وهو ما دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات لإخلاء العاصمة طهران بشكل جزئي، وتهيئة الظروف لإعادة تقييم سياسات المياه بشكل عاجل.
وعلى الرغم من الضربة الإيرانية التي أوقفت العمليات لفترة مؤقتة، فإن الحرب على المناخ لم تنتهِ بعد. لا تزال الولايات المتحدة وإسرائيل تعكفان على تطوير أسلحة مناخية جديدة لاستعادة السيطرة على هذه الأدوات المتقدمة للضغط على خصومها.
ثانياً: الأطماع الإسرائيلية في المياه “الخط الأصفر”
في الوقت الذي كانت فيه إيران تكافح لتفادي التهديدات المناخية والتجويع الممنهج، كانت إسرائيل تطلق خططاً طموحة للهيمنة على المياه الإقليمية في لبنان. نشر الجيش الإسرائيلي خريطة جديدة “لمنطقة الدفاع المتقدم” التي تشمل المياه اللبنانية، ويعتقد العديد من الخبراء أن هذه الخريطة تمثل طموحات إسرائيلية واضحة للاستحواذ على حقل قانا اللبناني للغاز الطبيعي، وهي خطوة تأتي في وقت حساس بعد توقيع اتفاق الحدود البحرية اللبناني الإسرائيلي في عام 2022. حقل قانا، الذي يمتد قبالة سواحل لبنان الجنوبية، يعد من أهم الاكتشافات الغازية في المنطقة، حيث يُعتقد أن فيه احتياطيات ضخمة. ولكن إسرائيل، التي تعلن دائماً عن حقها في حماية مياهها الإقليمية، بدأت تضغط بشكل مباشر على لبنان للحصول على حصة كبيرة من هذا الحقل.
إسرائيل لا تقتصر أطماعها على المياه اللبنانية فحسب، بل تسعى أيضاً إلى استغلال المياه الجوفية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبالأخص في مناطق الضفة الغربية. هذه الحروب على المياه ليست مجرد تحديات سياسية، بل هي محاولة استراتيجية للهيمنة على الثروات الطبيعية الهائلة في المنطقة.
وفي السياق عينه، إنها حرب الممرات المائية التي تأثيرها لا يقتصر على نطاق جغرافي ضيق، بل يطال الاقتصاد العالمي كله. مضيق هرمز وباب المندب، اللذان يمثلان شرايين حيوية للتجارة العالمية، حيث يمر من خلالهما أكثر من 30٪ من النفط العالمي. هذه الممرات ليست فقط محوراً لتجارة الطاقة، بل إنها بوابات اقتصادية حاسمة، ومن يتحكم فيها يمكنه التأثير بشكل كبير ومباشر على أسواق الطاقة. ترامب الذي استشاط غضباً من إغلاق مضيق هرمز أمام السفن التابعة للولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل، في حين أنه بقي مفتوحاً أمام السفن التي يُسمح لها بالعبور.
أما بشأن ما وُصف بالحصار البحري المفروض، فقد نقلت تقارير إعلامية، من بينها صحيفة “ديلي ميل”، أن “الضغط الأمريكي على إيران لم يحقق النتائج المرجوة بعد عبور سفن إيرانية شبحية أمام البحرية الأمريكية”، في إشارة إلى أن هذا التحرك يُنظر إليه أنه لا يعدو كونه استعراضَ قوةٍ أكثر من كونه تأثيراً عملياً حاسماً في الختام، تتداول بعض التقارير الأمريكية ومنها موقع Americana Now بأن الرئيس الأمريكي Donald Trump يواجه مهلة قانونية مدتها 60 يوماً بموجب War Powers Resolution، على خلفية العمليات العسكرية ضد إيران في 28 فبراير 2026، وإخطار الكونغرس في 2 مارس، ولأن أي وقف إطلاق نار مؤقت لا يؤدي إلى إعادة احتساب هذه المهلة، يُفترض أن تنتهي هذه المدة الزمنية في 1 مايو، “أي ما يُقارب مُهلة الأسبوع” ما يستوجب – وفق هذا الطرح – إما الحصول على تفويض من الكونغرس لمواصلة العمليات أو الشروع في سحب القوات الأمريكية.
ولكن بناءً على هذا الطرح، ما جدوى تمديد وقف إطلاق النار “دون تحديد مدة” الذي أعلنه Donald Trump؟ ولماذا لم تطلب إيران ذلك؟ هذا الغموض يفتح الباب أمام عدة تفسيرات محتملة:
1- محاولة للخروج من مأزق: قد يعني هذا الإعلان أن الإدارة الأمريكية لا ترى جدوى من استمرار التصعيد العسكري، وتبحث عن مخرج يقلل الخسائر، خصوصاً إذا لم تحقق المواجهة نتائج ملموسة.
2- احتمال الخداع أو المناورة: لا يُستبعد أن يكون التمديد خطوة تكتيكية، بحيث يُعلن وقف التصعيد ظاهرياً، مع احتمال استمرار عمليات غير مباشرة، مثل الاغتيالات أو التحركات السرية، سواء من الولايات المتحدة أو حليفتها إسرائيل.
3- فصل المسارات بين واشنطن وتل أبيب: قد يكون الهدف انسحاب واشنطن من المواجهة المباشرة، مع إبقاء إسرائيل في ساحة الصراع بذريعة ملفات أخرى، مثل لبنان، غير أن هذا السيناريو ينطوي على مخاطر توسيع النزاع.
4- استمرار الضغط البحري: إذا استمرت القيود أو الحصار البحري، فذلك يُعد عملياً استمراراً للتصعيد، وقد يدفع إيران إلى اتخاذ إجراءات مقابلة، مثل تشديد السيطرة على مضيق هرمز.
5- إبقاء حالة “اللا سلم واللا حرب”: قد تسعى الولايات المتحدة إلى إبقاء التوتر دون انفجار كامل، بهدف التأثير على الوضعين الاقتصادي والسياسي داخل إيران، خصوصاً مع الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز كورقة ضغط.
الخلاصة: إن التمديد “دون مدة” ليس مجرد خطوة تقنية، بل يحمل أبعاداً سياسية وعسكرية، وقد يُستخدم كأداة ضغط أو مناورة بانتظار اتضاح اتجاهات المرحلة المقبلة. وفي سياق ترجيح احتمال تنفيذ عمل عسكري مباغت من قبل الولايات المتحدة، يُشار إلى إقدام وزير البحرية الأمريكي John C.Phelan على الاستقالة من منصبه، ويُعزى ذلك – بحسب هذه الروايات – إلى الضغوط التي تعرض لها، وذلك عقب أشهر من التوتر مع وزير الدفاع Pete Hegseth، الذي كان قد أقال في وقت سابق أكثر من 12 جنرالاً، من بينهم قائد القوات البرية في الجيش الأمريكي.
وفي المقابل حرس الثورة الإسلامية في أعلى مستويات التّأهّب و”مستعدون لصنع مفاجآت في ساحة المعركة تفوق إدراك العدو وحساباته عبر استخدام أوراق جديدة”. فهل نحن بصدد عمل عسكري عدواني جديد من قبل الولايات المتحدة ضد إيران؟ أم أن ترامب، الذي مدّد الهدنة دون اتفاق مسبق مع نتنياهو، قد يتخلى عن شروطه ويقبل بالشروط الإيرانية، بما قد يعني بداية شرخ في العلاقات الأمريكية مع إسرائيل، وبداية للتفكك والانقسام الداخلي في الولايات المتحدة؟ وإذا ما تم التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، فهل يعني ذلك أن واشنطن قد تعيد النظر في سياساتها الإقليمية، بما في ذلك موقفها من التصعيد الإسرائيلي في لبنان، أو حتى تقليص مستوى دعمها له، علماً أن إنهاء الحرب عن لبنان هو شرط أساسي ضمن أي تفاهم محتمل مع إيران؟.
