دوليات

جرس إنذار عالمي.. إمدادات الطاقة في خطر

بقلم ابتسام الشامي

أزمة الطاقة تلوح في الأفق

صمتت أصوات الصواريخ والقنابل لكن الحرب العدوانية الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية تتواصل فصولها على الحلبة الديبلوماسية، في ظل محاولات واشنطن الدؤوبة اخضاع إيران والحصول منها في السياسة على ما عجزت عنه في الحرب.

لكن طهران التي فاجأت العالم بردها العسكري على العدوان خلال أربعين يوماً من الحرب المفروضة، تفاجئ العالم بصمودها السياسي وعدم خضوعها لشروط الاستسلام الأمريكية المعروضة على طاولة المفاوضات في إسلام اباد، ومع استخدام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورقة الحصار البحري ضد إيران بوصفها ورقة ضغط قوية على الاقتصاد الإيراني فإن الأخيرة تنجح على ما يبدو في تعميم تأثيرات أداة الضغط هذه، مع إبداء قدرة على احتواء مفاعيلها والحد من ضغوطها على الاقتصاد الإيراني، وهو ما تبرز مؤشراته في أزمة الطاقة التي تتجه أسواقها العالمية نحو مزيد من الاضطراب، مع تحذيرات دولية من تمدّد آثارها، لتطال الطلب والإمدادات على حد سواء. في هذا السياق، حذر الاتحاد الأوروبي من أزمة غير مسبوقة في أسواق الطاقة العالمية، وما قد ينتج عنها من انعكاسات مباشرة على أوروبا. وقال مدير وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إن “الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل تتسبب في أسوأ أزمة طاقة يواجهها العالم على الإطلاق”. مؤكداً في مقابلة مع إذاعة “فرانس إنتر”، أن ما يجري “هو بالفعل أكبر أزمة في التاريخ، وهي أزمة ضخمة إذا جمعنا بين آثار أزمة النفط وأزمة الغاز المرتبطة بروسيا”.

وفي السياق ذاته جاءت تحذيرات مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي، دان يورجنسن، الذي توقع أن يكون “الصيف المقبل صعباً على أوروبا حتى في أفضل الأحوال”، وذلك بسبب نقص الوقود الناتج عن الحرب وإغلاق مضيق هرمز. مشيراً في تصريحات للصحافيين في العاصمة الإسبانية مدريد، إلى أن الاتحاد “يجهز تدابير للحد من تأثير الحرب على إمدادات وقود الطائرات”، لافتا إلى أنه “إذا اضطررنا سنعيد توزيع مواردنا من وقود الطائرات ونتقاسمها”. ويأتي هذا التحذير بعد أيام قليلة من إشعال شركات الطيران الأوروبية الأضواء الحمر من احتمال حدوث نقص في وقود الطائرات خلال أسابيع، ما ينذر بمزيد من الاضطرابات في قطاع النقل الجوي وأسواق الطاقة.

هرمز الشريان الحيوي للطاقة

وتنسحب تداعيات الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز على إمدادات الغاز بين الدول المنتجة وتلك المستوردة، ما قد يؤدي إلى اضطرابات ذات تأثيرات بعيدة المدى. فقد حذر الأمين العام لمنتدى الدول المصدرة للغاز، فيليب ميشيل بيلا، من “احتمال حدوث انهيار مستدام في الطلب على الغاز” إن استمرت الحرب، موضحاً أن تعافي الأسواق حتى إن توقف الصراع قد يستغرق ما بين 6 أشهر وعام كامل.

وبينما تحاول الولايات المتحدة الأمريكية الضغط على إيران وتحريض العالم ضدها بادّعاء مسؤوليتها عن أزمة الطاقة الآخذة بالاشتداد، فإن ما يجري لا يعدو أن يكون نتيجة طبيعة للمغامرة العسكرية الأمريكية المدفوعة بتحريض إسرائيلي في منطقة جيوسياسية شديدة الحساسية بالنسبة للطاقة وممراتها، ذلك أن مضيق هرمز الذي تشرف عليه جغرافيا إيران وسلطنة عمان، يعد شرياناً حيوياً في سوق الطاقة، إذ يمر عبره نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً وخُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً. وكما أنه الممر المعتمد من كل من السعودية والعراق وإيران والكويت والبحرين وقطر والإمارات، في تصدير النفط الخام، مع توجيه معظم الشحنات إلى الأسواق الآسيوية. وإلى ما تقدم تتمركز في دول الخليج مصافي تكرير تنتج كميات كبيرة من الديزل والنافثا، المستخدمة في صناعة البلاستيك والبنزين، إضافة إلى منتجات بترولية أخرى تصدر إلى العالم عبر المضيق.

مضيق ملقا لا يشكل بديلاً آمناً

وفي ظل تصاعد الازمة وتداعياتها تتجه الانظار إلى ممرات بديلة عن مضيق هرمز للحد من التداعيات الاقتصادي للحصار والاغلاق، وفي هذا الإطار يبرز مضيق ملقا كأحد البدائل المتوافرة للتخفيف من حدة الأزمة خصوصاً وأنه يعد واحداً من الشرايين الرئيسية لتجارة الطاقة بين الشرق الأوسط وآسيا.

لكن المضيق الممتد لنحو 900 كيلومتر بين إندونيسيا وتايلاند وماليزيا وسنغافورة، ويمر عبره نحو 22٪ من التجارة البحرية العالمية، بما في ذلك شحنات النفط والغاز المتجهة إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية، يعاني من عيوب جغرافية وأخرى أمنية تحول دون ان يكون بديلا آمنا عن مضيق هرمز. وبحسب وكالة رويترز فإنه عند أضيق نقطة في قناة فيليبس داخل مضيق سنغافورة، لا يتجاوز عرض مضيق ملقا نحو 2.7 كيلومتر، ما يزيد مخاطر التصادم أو الجنوح أو التسربات النفطية. كما تتراوح أعماق بعض أجزاء المضيق بين 25 و27 مترا، ما يفرض قيودا تشغيلية على بعض السفن الأكبر حجما.

هذا فضلا عن أن المضيق شهد خلال السنوات الماضية أعمال قرصنة وهجمات على سفن تجارية. وفي هذا السياق، وثق مركز تبادل المعلومات التابع لاتفاقية التعاون الإقليمي لمكافحة القرصنة في آسيا أن “الهجمات الإجرامية بلغت 104 حوادث على الأقل العام الماضي”، قبل أن تتراجع في الربع الأول من هذا العام.

لكن الأمر الأهم في ما تورده الوكالة الاخبارية البريطانية في تقريرها حول مضيق ملقا، معلومات شركة فورتيكسا لتحليل البيانات والتي تظهر أن نحو 75٪ من واردات الصين المنقولة بحراً من النفط الخام القادم من الشرق الأوسط وأفريقيا تمر عبر هذا المضيق ما يجعل أمنه مسألة استراتيجية لبكين. وبحسب وكالة رويترز فإن الحرب على إيران “أعادت للأذهان مخاوف قديمة تتعلق بما قد يحدث إذا تعطل مضيق ملقا بالتزامن مع توترات في بحر جنوب الصين أو مضيق تايوان، حيث يمر نحو 21٪ من التجارة البحرية العالمية”. وتنقل عن السلطات الماليزية قولها إن “مضيق مالقا أصبح بؤرة متنامية لعمليات نقل نفط غير قانونية من سفينة إلى أخرى لإخفاء مصدر الشحنات.

خاتمة

يوماً بعد آخر يتفاقم المأزق الأمريكي الإسرائيلي أمام إيران، فالحرب العدوانية التي أريد لها أن تطيح بالنظام، منحته المزيد من أوراق القوة التي من شأنها أن تزيد من غرقه في وحول مغامراته العسكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *