الجيش السوداني يتقدم في ظل تغير نهج أمريكا تجاه الحرب
بقلم توفيق المديني
حين دخل السودان في علاقات التطبيع الإبراهيمية مع الكيان الصهيوني في خريف 2020، وشطبت الولايات المتحدة اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، سارع الفريق أول عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة في البلاد للترحيب..
مؤكداً أنَّ القرار سيسهم في دعم الانتقال الديمقراطي ويعزز فرص نجاح الفترة الانتقالية ورفاه الشعب، غير أن السودان دخل منذ 15نيسان 2023، في أتون الحرب الأهلية، بسبب تفجر الخلاف بين البرهان وقائد وقوات “الدعم السريع” بقيادة “حميدتي.
ومنذ أبريل/نيسان 2023، تخوض قوات الدعم السريع شبه العسكرية حربا ضد الجيش السوداني بسبب خلاف بشأن دمجها في المؤسسة العسكرية، ما تسبب في مجاعة ضمن إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. وتُعَدُّ الحرب في السودان أسوأ أزمة إنسانية في العالم، إذ تشير معظم التقارير الدولية إلى مقتل ما لا يقل عن 150 ألف شخص، ووجود أكثر من 33 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، فيما نزح نحو 9 ملايين شخص داخل السودان، وفر أكثر من 4 ملايين إلى الخارج، بينما لم يتجاوز تمويل نداء الأمم المتحدة الإنساني للسودان، الذي يقترب من 3 مليارات دولار، نسبة 43%. بينما خلص مراقبون أمميون وإدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن إلى أن بعض حملات القتل ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.
الجيش السوداني يستعيد مناطق من الدعم السريع
أعلن حاكم ولاية غرب دارفور السودانية، بحر الدين آدم كرامة، سيطرة الجيش على منطقة “بئر كليكل” في محافظة جبل مون في ولاية غرب دارفور، غربي البلاد، بعد معارك مع “قوات الدعم السريع”. واعتبر المسؤول السوداني، أن تلك الخطوة “ذات دلالات استراتيجية في مسار بسط سيادة الدولة واستعادة الأمن بالولاية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وأهميتها الاستراتيجية في محيط جبل مون”. وأكد أن “الجهود على محور غرب دارفور تمضي بثبات وفق الخطط الموضوعة، في إطار الجهود الوطنية الرامية إلى استعادة الأمن وصون وحدة السودان وسيادته”.
وشهدت شمال كردفان خلال الأشهر الماضية مواجهات متلاحقة امتدت من البلدات والقرى الواقعة على الطرق المؤدية إلى مدينة الأبيّض عاصمة الولاية، وصولاً إلى المناطق القريبة من الحدود بين ولايتي شمال كردفان وغرب كردفان. واتسعت العمليات خلال سبتمبر/ أيلول 2026، مع تحركات للجيش باتجاه مواقع كانت تنتشر فيها قوات الدعم السريع، للتقدم والسيطرة على الطرق التي تربط ولايات كردفان بعضها ببعض، وتمتد باتجاه إقليم دارفور غرب البلاد.
وفي الثاني من شهر أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلن الجيش السوداني استعادة السيطرة على منطقة المزروب في ولاية شمال كردفان، عقب معارك قال إنها أسفرت عن خسائر في الأرواح والعتاد في صفوف “الدعم السريع”.
تصدع في قوات الدعم السريع
ضمن هذا السياق من تقدم الجيش السوداني، أعلنت الحكومة السودانية في بيان لها أنَّ قوة منشقة عن حركة الطاهر حجر وقوات “الدعم السريع” وصلت إلى محور الطينة في ولاية شمال دارفور بقيادة محمدين إسماعيل أبو زرة، بكامل عتادها العسكري وعدد من السيارات القتالية. وقالت إن القوة أعلنت انضمامها إلى القوات المسلحة وخوض العمليات معها انطلاقاً من المحور الغربي. وقال قائد القوة المنشقة “أبو زرة” إنَّ قرار الانضمام إلى الجيش جاء بعدما وصفه بإدراك مقاتليه لخطر قوات الدعم السريع على وحدة السودان وأمنه واستقرار إقليم دارفور، معلناً انخراط القوة مباشرة في العمليات العسكرية ضد “الدعم السريع” وفق البيان. وتقع منطقة “أم كريدم” في الحدود بين ولايتي شمال كردفان وغرب كردفان، ويتوقع أن يسهم تثبيت وجود الجيش فيها في فتح الطريق باتجاه غرب كردفان، التي ترتبط جغرافياً وعسكرياً بإقليم دارفور غرب البلاد.
حكم العسكر لم يفرز سوى الحروب الأهلية في السودان
يُعَدُّ الجيش السوداني العمود الفقري للدولة، فقد عاش السودان فترة الحكم الذاتي والديمقراطية الأولى (1954 – 1958)، وهي تعتبر من أطول الفترات الديمقراطية، لكن استخدام الحكومة السودانية آنذاك القمع العسكري للرّد على التمرد في الجنوب، أفسح في المجال لحصول أول انقلاب عسكري في السودان بقيادة الفريق إبراهيم عبود في 17 تشرين الثاني سنة 1958.
ونجح تنظيم الضباط الأحرار في 25 مايو 1969 في تنفيذ الانقلاب العسكري الذي كان يعد له منذ عام 1959 عندما تكون التنظيم بصورة سرية من عناصر الحزب الشيوعي والناصريين والديمقراطيين من الضباط خريجي الكلية الحربية. وتكون مجلس قيادة الثورة من ضباط شيوعيين وناصريين ووطنيين ديمقراطيين، وقد اشتهر هذا الانقلاب بـ “انقلاب جعفر محمد نميري”.
وفي 6 نيسان/ابريل عام 1985، انفجر الوضع الشعبي في السودان ، وحصلت انتفاضة قادت إلى إسقاط حكم جعفر النميري، وجرت الانتخابات العامة في السودان في ربيع عام 1986، واستلمت الأحزاب المدنية التي فازت في تلك الانتخابات السلطة، وهما الحزبان الكبيران: حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي، وحزب الاتحادي الديمقراطي بزعامة محمد عثمان الميرغني. وتولى السيد صادق المهدي رئاسة الحكومة الأولى التي أطلق عليها (حكومة الوحدة الوطنية)، وكانت تضم أحزاب الاتحادي الديمقراطي، سابكو، التجمع السياسي لجنوب السودان (جناح ألدو أجو) الفيدرالي. وعجزت هذه الحكومة عن مواجهة تحديات السودان الداخلية والخارجية.
وفي عام 1989، استلم الفريق عمر حسن البشير السلطة في السودان، إذ كان متحالفاً مع (الجبهة الإسلامية القومية)، وهو الاسم الذي أطلق على الحركة الإسلامية الحديثة في السودان، الذي كان يقودها الزعيم الروحي والسياسي لهذه الجبهة الدكتور حسن الترابي، الذي قَبِل المصالحة الوطنية مع نظام جعفر نميري. ومنذ ذلك الوقت غلّب الترابي نزعته البراغماتية السياسية على القيم والمبادئ. تميزت الجبهة الإسلامية القومية بالتركيز على أهدافها الاستراتيجية؛ ولذلك فهي ـ حسب طرحها ـ لا ترى غضاضة في الاشتراك في أي نظام سياسي يحقق أهدافها ويتيح فرصة التمكين للمشروع الإسلامي. وهكذا انخرط الإسلاميون في نظام الفريق البشير بفعالية سواء من خلال إدارة الحكم، أو القيام بالمهام الطوعية والدعوية والجهادية واتخذت اسماً جديداً هو المؤتمر الوطني.
وأدى اتفاق سلام جرى توقيعه في العام 2005 لإنهاء حرب أهلية دامت عقدين من الزمن إلى تقسيم السودان في 2011، إلى جزء شمالي هو السودان الحالي، ودولة جنوب السودان حديثة النشأة. وأدى التقسيم إلى سيطرة جنوب السودان على أكثر من ثلاثة أرباع موارد النفط، ما حرم الشمال من موارد مالية ضخمة والعملة الصعبة. واستمر حكم الدكتاتور عمر البشير العسكري لمدة ثلاثة عقود حتى تمت الإطاحة به بعد أشهر من اندلاع الانتفاضة الشعبية في عام2019.
لقد ظل الجيش السوداني لعقود طويلة الطرف الممسك بزمام السلطة في البلاد، وبعد الانتفاضة الشعبية بعامين، عاد قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لتنفيذ انقلاب جديد واضعاً بذلك حداً لاتفاق أُبرم في أغسطس/آب 2019، وافق بموجبه الجيش على تقاسم السلطة مع مدنيين ريثما يتم إجراء انتخابات. لكن ذلك الترتيب تعطل فجأة نتيجة انقلاب برهان العسكري في أكتوبر/ تشرين الأول 2021 وما تلته من احتجاجات حاشدة مطالبة بالديمقراطية في أنحاء السودان. وعلى أثر الانقلاب أصبح الجنرالات يسيطرون بشكل شبه تام على السودان، ما أدى لبروز خلاف قديم بين الجيش و”قوات الدعم السريع” التي ساهمت بدورها في الإطاحة بعمر البشير.
التحول في الموقف الأمريكي
بدأت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تغيير نهجها تجاه الحرب في السودان، بعد أشهر من تعثر الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في النزاع المستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات، والذي يدور بصورة رئيسية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بدعم من أطراف إقليمية ودولية.
ودفعت الولايات المتحدة داخل مجلس الأمن الدولي نحو توسيع حظر الأسلحة المفروض على السودان ليشمل كامل أراضي البلاد، بعدما كان مقتصراً على إقليم دارفور، حيث اعتمد مجلس الأمن الدولي، يوم الجمعة11 أيلول/سبتمبر 2026، بالإجماع قراراً أعدته الولايات المتحدة يجدد نظام العقوبات المفروض على السودان حتى التاسع من أكتوبر/تشرين الأول 2026، بما يشمل حظر السلاح وتدابير تجميد الأصول وحظر السفر المرتبطة بنظام العقوبات الخاص بإقليم دارفور. وقال نائب المندوب الأمريكي إن نظام العقوبات الحالي أُنشئ بموجب القرار 1591 الصادر قبل 21 عاماً، ولم يعد كافيا للتعامل مع واقع الحرب في السودان، مشيراً إلى أن المجلس لا يملك أدوات كافية لمحاسبة مرتكبي الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي المستخدمة تكتيكاً في الحرب. ودعا إلى توسيع معايير الإدراج على قوائم العقوبات لتشمل العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، والخطف مقابل الفدية، والهجمات على العاملين في المجال الإنساني.
وقال نائب المندوب الأمريكي إن الهجمات على قوافل المساعدات عقّدت عمل الوكالات الإنسانية وعرقلت وصول الإغاثة إلى المدنيين المحتاجين، وفاقمت المجاعة. وأضاف أن أكثر من 50 طناً من المساعدات دُمرت الأسبوع الماضي في هجوم جوي استهدف شاحنات تحمل علامات واضحة لبرامج الأغذية العالمي في جنوب كردفان.
كما وافق مجلس الأمن على تمديد ولاية فريق الخبراء المعني بالسودان حتى التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، معتبراً أن الوضع في السودان لا يزال يشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين في المنطقة.
وقال نائب المندوب الصيني إن التباين الحاد في مواقف أعضاء المجلس دفع الولايات المتحدة الدولة حاملة القلم (التي تتولى صياغة وإعداد مشاريع القرارات) إلى اقتراح تجديد تقني لنظام العقوبات لمدة شهر، لإتاحة مزيد من الوقت للنقاش، مؤكداً أن الصين لا تعترض على هذا الإجراء، ولذلك صوتت لصالح مشروع القرار.
من جانبه، عارض المندوب السوداني المقترح الأمريكي لتوسيع حظر السلاح ليشمل جميع أنحاء السودان، معتبراً أنه يتعارض مع المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تكفل للدول حق الدفاع الفردي والجماعي عن النفس، مؤكداً حق السودان في امتلاك الأسلحة التقليدية اللازمة لحماية سيادته.
وفي السياق ذاته، قالت نائبة المندوب الروسي إن الحكومة السودانية وقواتها المسلحة تتمتع حالياً بتفوق واضح على الأرض، معتبرة أنها الضامن للحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدتها وحماية المدنيين، مشددة على حاجتها إلى جميع الموارد والإمكانيات الممكنة لتحقيق هذه الغاية.
وقالت صحيفة “ذا هيل” الأمريكية بتاريخ 5 أكتوبر 2026، أنَّ أحدث تقرير أممي قدم تفاصيل بشأن استخدام الأراضي الإماراتية كحلقة رئيسية في عمليات نقل الأسلحة إلى قوات الدعم السريع، وهو ما ترفضه أبو ظبي، بينما لا تزال التحقيقات المتعلقة بشبكات شراء الأسلحة التابعة للقوات المسلحة السودانية، ولا سيما الطائرات المسيّرة، في مراحل أولية. وأضافت “ذا هيل” إن هوية الجهات الداعمة للطرفين الرئيسيين في الحرب السودانية لم تعد سراً، مشيرة إلى أن السعودية ومصر تقودان تحالفاً أوسع لدعم قائد القوات المسلحة السودانية عبد الفتاح البرهان، بينما تعد الإمارات الداعم الرئيسي لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، نائب البرهان السابق. وأضافت أن الدول الثلاث، إلى جانب الولايات المتحدة، تشارك في مجموعة “الرباعية” التي طرحت مبادرة لوقف إطلاق النار في سبتمبر 2025، لكنها لم تنجح في إنهاء الحرب.
كما أشارت إلى أن محاولة جديدة للتوصل إلى هدنة لمدة 90 يوماً في يوليو الماضي تعثرت بسبب إصرار القوات المسلحة السودانية على انسحاب قوات الدعم السريع من المدن التي تسيطر عليها منذ مايو 2023. ونقلت الصحيفة عن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قوله، خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، إن جهود وقف إطلاق النار تتعثر في كل مرة يعتقد فيها أحد الطرفين أنه يحقق مكاسب أو قادر على تحقيق النصر.
أزمة إنسانية متفاقمة
وترى ميشيل غافين، الباحثة البارزة في دراسات السياسة الأفريقية بمجلس العلاقات الخارجية، أن امتناع واشنطن عن تسمية الدول التي تدعم الحرب يمثل أحد أوجه التناقض في سياسة إدارة ترامب تجاه السودان والأزمات المتداخلة في القرن الأفريقي.
وأشارت غافين، وفق “ذا هيل”، إلى المفارقة المتمثلة في صدور بيانات متكررة عن مجموعة “الرباعية” تدعو الأطراف الخارجية إلى وقف دعم الحرب، بينما توقع هذه البيانات نفسها دول خارجية متهمة بدعم أطراف النزاع. وقالت إن هذا الموقف يعكس، في رأيها، إحجاماً أمريكياً عن مواجهة شركاء محتملين يتمتعون بقدرات مالية كبيرة، في وقت أصبحت فيه صفقات المصالح جزءاً أساسياً من السياسة الخارجية الأمريكية.
خاتمة
تتخوف القوى الوطنية والديمقراطية – قوى الحرية والتغيير السودانية – من أن يصبح السودان “مسرحاً لحرب بالوكالة”، نظراً لارتباط طرفي الصراع بعدة قوى إقليمية ودولية لديها أجندات في البلاد، تسعى لتعظيم مكاسبها. فأمريكا تواجه منافسة من كل من الصين، التي قدمت الدعم لمشاريع بالموانئ وخطوط السكك الحديدية، وروسيا التي واصلت استراتيجيتها الخاصة لبناء نفوذ لها لدى قادة الدول الأفريقية الضعيفة.
وفضلاً عن ذلك، أنَّ لغة البنادق لم تكن حلاًّ لأي من مشاكل السودان سابقاً. ويعكس الصراع العسكري على السلطة في السودان، فشلاً ذريعاً لعملية الانتقال الديمقراطي في السودان، حيث كانت القوى الديمقراطية المدنية تطالب بإجراء انتخابات ديمقراطية رئاسية وبرلمانية، من أجل تأسيس دولة مدنية جديدة.
إنَّ الصراع القائم بين البرهان وحميدتي يستهدف تقويض وتأخير وعرقلة انتقال السودان إلى حكم مدني ديمقراطي. فقد سعى الاثنان إلى التهرب من المساءلة عن الجرائم التي تعود إلى الإبادة الجماعية في دارفور والمذبحة التي راح ضحيتها أكثر من 120 متظاهرا غير مسلح في حزيران/ يونيو 2019. وفوق كل شيء، استند ترتيبهم إلى الفهم المشترك بأنَّ الجيش السوداني لن يخضع أبداً للمساءلة المدنية.
كما أنَّ أميري الحرب – (البرهان وحميدتي) المبني على الازدراء المشترك لتطلعات الشعب السوداني في بناء دولة مدنية ديمقراطية وتعددية، مرتبطان وتابعان للقوى الدولية الغربية التي تدعم الحكومة الانتقالية المدنية – العسكرية؛ يشهد على ذلك انتهاجهما نهج التبعية للغرب، ودعمهما لاتفاقات أبراهام وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.
