السَعودية في مَأزِق الحِصَارُ بالحِصَار: بَينَ إِغلَاق البَحر الأَحمر والتَّطبيع
بقلم زينب عدنان زراقط
تتداول الأخبار روايات عن هروب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان هو وعائلته، عقب استهداف قصره، وعن استهداف مواقع يُقال إنها مرتبطة بوالده وزوجته وإخوته، ثم انتقاله إلى مكان آخر وسط مخاوف من اغتياله.
وفي ظل هذه الأخبار، تواجه السعودية حالةً من العزلة غير المسبوقة، بعد أكثر من أحد عشر عاماً من الحرب الغوغاء والهمجية التي لم تُبقِ على البشر ولا الحجر في اليمن، والحصار الجوي والبحري والبري الذي قطع مقومات الحياة عن الشعب اليمني، وأدى إلى أزمة إنسانية حادة تفاقمت فيها معاناة التجويع. واليوم، بعدما بدأ اليمن معركة “الحصار بالحصار”، في إطار السعي إلى رفع المظلومية عنه والرد على ما تعرض له من عدوان وحصار، تجد السعودية نفسها أمام تداعيات المواجهة التي امتدت آثارها إلى عمقها، في مشهد يعيد إلى الواجهة معاناة اليمنيين وحقهم في رفع الحصار وإنهاء العدوان وتحقيق العدالة. فيما لم تشفع تريليونات الدولارات التي ضخّها محمد بن سلمان في الاستثمارات الأمريكية، ولا منظومات الصواريخ المضادة، ولا أحدث الأجهزة والتقنيات العسكرية، ولا صفقات التسليح مع كبرى الشركات الدفاعية، في تجنيب المملكة الضربات التي تستهدف عمقها ومنشآتها الحيوية.
فإلى أي مدى أسهم الدور الأمريكي، من خلال دعم الرياض سياسياً وعسكرياً، في تأجيج الصراع بين السعودية واليمن وإعادة دفعه نحو المواجهة بدلاً من احتواء الخلافات وتهيئة الظروف لإنهاء الحرب، وهل ستدفع الضربات التي تستهدف العمق السعودي وتعثر رهانات الحماية العسكرية الرياض إلى إعادة فتح ملف التطبيع مع إسرائيل، أم ستفرض معادلة “الحصار بالحصار” تحولات استراتيجية تتجاوز حسابات واشنطن وتل أبيب؟.
بعد هدنة مؤقتة كانت لا تزال سارية المفعول، عاد مسار التصعيد بين السعودية واليمن ليتجدد من بوابة استهداف مطار صنعاء، في تطور أعاد المواجهة إلى الواجهة وسط أزمة إقليمية متفاقمة، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر بين الطرفين.
وفي خضم الأزمة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وفي واحدة من أكثر اللحظات الإقليمية حساسية، جاء استهداف مطار صنعاء قبل أشهر، بموافقة أمريكية، ليشكّل شرارةً جديدة للتصعيد، ويطرح تساؤلات بشأن الدور الأمريكي في تأجيج المواجهة وتوسيع رقعتها عبر دفع الحلفاء إلى جبهات إضافية.
فلم يكن استهداف مدرج مطار صنعاء في 13 يوليو/تموز 2026 حادثةً عسكرية معزولة، بل جاء، وفق ما كشفه موقع “أكسيوس” نقلاً عن مسؤولين أمريكيين، في سياق قرار سعودي حظي بموافقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد طلب ولي العهد محمد بن سلمان دعم واشنطن لتحرك عسكري ضد أنصار الله. وكانت طائرة إيرانية تابعة لشركة “ماهان إير” في طريقها إلى صنعاء لإعادة أعضاء من وفد أنصار الله العائدين من مراسم تشييع المرشد الإيراني السيد علي الخامنئي وتقديم واجب العزاء، لكن استهداف مدرج المطار حال دون هبوطها، واضطرها إلى التوجه نحو الحُديدة، لتتجدد المواجهة بعد هدنة مؤقتة، وتبدأ معادلة “الحصار بالحصار”. ومن هنا، يصعب فصل ما جرى عن الدور الأمريكي في إدارة الصراع عبر الحلفاء، بما يفتح الباب أمام تصعيد جديد كلما تلاقت الحسابات الأمريكية مع مصالح حلفائها، حتى على حساب أمن السعودية واستقرار المنطقة.
السعودية بين رهانات التطبيع والتحالفات الأمنية
ولا تقتصر التحولات التي تواجهها الرياض على الجانب العسكري، بل تمتد إلى شبكة التحالفات والرهانات السياسية التي سعت إلى بنائها خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها العلاقة مع الولايات المتحدة ومسار التطبيع مع إسرائيل.
قبل ثلاث سنوات، بدت السعودية أقرب من أي وقت مضى إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، ضمن صفقة كانت الرياض تأمل أن تضمن لها مظلة دفاعية أمريكية ومكاسب استراتيجية واقتصادية. لكن حرب غزة قلبت هذه الحسابات، إذ رفعت الكلفة السياسية للتطبيع، وأعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد، فيما أثارت العمليات العسكرية الإسرائيلية المتوسعة مخاوف سعودية من اتساع رقعة الرفض الشعبي والإسلامي لإسرائيل، وتشكّل رأي إسلامي جامع يتوحّد حول نصرة فلسطين ومناهضة الاحتلال، إلى جانب تصاعد الغضب الشعبي والدولي، بما قد يفرض على الرياض ضغوطاً سياسية وشعبية متزايدة ويُضيّق هامش تحركها في مسار التطبيع.
وفي الوقت نفسه، اختارت تنويع تحالفاتها وتوسيع هامش استقلال قرارها، وصولاً إلى توقيع اتفاقية الدفاع المشترك مع تركيا وباكستان في مكة في 7 أغسطس/آب 2026، التي تنص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً. لكن المفارقة أن الاتفاق الدفاعي الذي وقّعته السعودية مع تركيا وباكستان في مكة لم يترجم، حتى الآن، إلى حماية فعلية على الأرض، ولم تظهر له مشاركة عسكرية ملموسة حالت دون استمرار الضربات التي تستهدف الأراضي السعودية ومنشآتها الحيوية. فالتقارير المتداولة عن الأضرار والإصابات، واستهداف المطارات وخطوط أنابيب النفط ومخزونات الطاقة، وصولاً إلى تعطيل منشآت مرتبطة بشركة أرامكو، تطرح تساؤلات جدية حول قدرة هذا التحالف على الانتقال من الالتزامات السياسية إلى الردع العملي.
الضغوط الأمنية وإمكانية إعادة فتح ملف التطبيع
وفي ظل هذه المعادلة، تزداد احتمالات دفع الضغوط الأمنية المتصاعدة بالسعودية إلى إعادة فتح ملف التطبيع مع إسرائيل بصورة أكثر إلحاحاً، في إطار البحث عن ضمانات أمنية ودفاعية لمواجهة التهديدات المتزايدة.
فكلما اتسعت الهجمات الحوثية وطالت المنشآت الحيوية والمطارات وخطوط الطاقة، ازدادت حاجة الرياض إلى دعم استخباراتي وتقني ودفاعي قادر على سد الثغرات التي كشفتها المواجهة. وهنا قد تجد واشنطن وتل أبيب فرصة لدفع التعاون السعودي الإسرائيلي إلى مستويات أعمق، تبدأ بتبادل المعلومات الاستخباراتية وتطوير الإنذار المبكر، وقد تتوسع لاحقاً إلى ترتيبات أمنية غير معلنة، من دون اشتراط إعلان تطبيع دبلوماسي فوري. علماً أن الرياض تدرك أن الاستفادة من القدرات الإسرائيلية قد تفرض أثماناً سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود المواجهة مع الحوثيين. وبذلك، قد تتحول الحرب إلى أداة ضغط لإعادة طرح التطبيع من بوابة الأمن، لا باعتباره خياراً سياسياً مستقلاً، بل باعتباره جزءاً من مقايضة محتملة بين الحماية العسكرية وتوسيع التعاون مع إسرائيل.
وفي هذا الإطار، تكشف المساعي الإسرائيلية للحصول على موافقة سعودية للمشاركة في الحرب ضد الحوثيين، وفق ما أوردته صحيفة “هآرتس”، عن محاولة تل أبيب استثمار الضغوط الأمنية التي تواجهها الرياض لتحويل حاجتها إلى الدعم العسكري والاستخباراتي إلى مدخل لتوسيع نفوذها السياسي والأمني.
فمع تصاعد الهجمات التي تستهدف العمق السعودي والمنشآت الحيوية، تسعى إسرائيل، بحسب المصادر التي نقلت عنها الصحيفة، إلى تقديم نفسها بوصفها شريكاً قادراً على المساهمة في مواجهة التهديد الحوثي، على أن يمهّد هذا التعاون الطريق نحو تحسين العلاقات وصولاً إلى التطبيع!.
ولا يقتصر الأمر هنا على استغلال حاجة أمنية آنية، بل يتصل بمحاولة ربط الحماية العسكرية بمسار سياسي أوسع، بما قد يجعل التعاون الأمني مقدمة لتنازلات دبلوماسية مستقبلية. غير أن رفض ولي العهد السعودي محمد بن سلمان هذا الطلب، خشية التداعيات الشعبية والسياسية، يكشف أن الرياض تدرك حساسية منح إسرائيل موطئ قدم عسكرياً في اليمن، وأنها لا تريد أن تتحول أزمتها الأمنية إلى بوابة لفرض تطبيع لا تزال شروطه السياسية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، موضع خلاف.
الضربات على العمق السعودي وتساؤلات الحماية العسكرية
وفي موازاة هذه الحسابات السياسية والأمنية، تتحدث المقاطع عن اتساع نطاق الضربات التي طالت منشآت ومرافق حيوية داخل المملكة، وما ترتب عليها من تساؤلات بشأن قدرة منظومات الدفاع السعودية على حماية العمق الاستراتيجي للبلاد.
فالمطارات السعودية المتوقفة، من نجران وجازان والرياض وينبع وعرعر والطائف، والانفجارات المتكررة في العاصمة الرياض، وفي مقر شركة أرامكو وخزاناتها، ومعمل الفاضلي – الأكبر في معالجة الغاز في المملكة والمنطقة -، والضربات التي لم تعد تستهدف خزانات تخزين الوقود فحسب، بل امتدت إلى مصادر الإنتاج والمصافي التي تنتج الوقود، وهذا ما يطرح تساؤلات تتجاوز حجم الأضرار المباشرة إلى مدى قدرة منظومات الحماية وعن جدوى الصفقات العسكرية الضخمة التي عقدتها الرياض على منع استهداف البنية التحتية الحيوية.
فهل نفعت صفقة الـ 35F- التي عقدها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في بداية تسلّم ترامب رئاسته الثانية، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، مقابل تريليون دولار من الاستثمارات السعودية في أمريكا؟ إن محللين كثيرين، بمن فيهم أمريكيون، طرحوا سؤالاً على السعودية: “ألم تنفقوا تريليونات الدولارات على شراء أنظمة الدفاع الصاروخي؟ ألم تشتروا منظومات باتريوت وصواريخ توماهوك Tomahawk وغيرها؟ فلماذا لا تستطيعون حماية مطاراتكم”؟ وتتصل هذه التساؤلات أيضاً بالموقف الأمريكي إذ أن ترامب لم يتحرك ساكناً بعدما استغاث به ابن سلمان خوفاً من الصواريخ اليمنية التي دكّت عمق مملكته، واكتفى بالتعبير عن انزعاجه من تصرف الحوثيين.
ختاماً، هذا النظام السعودي الذي انتقده كبار القادة في محور المقاومة بسبب علاقته الخارجية مع أمريكا والعدو الصهيوني ودوره الأساسي في إشعال الحروب الإقليمية، السعودية التي كانت أساس الدعم العسكري واللوجستي والمادي للحرب الأمريكية والاسرائيلية على إيران، حتى طالب وزير الحرب الأمريكية بيت هيغست علناً أنه “أكملنا الحرب بين إيران وأمريكا بمساعدة السعودية والآن نطالب السعودية بدفع 4 ترليون كما اتفق الطرفين سابقاً”. هذا هو ولي العهد السعودي الذي أهدى كساء الكعبة المشرفة للمجرم إبستين ومن فتح بلاد الحرمين للمجون وحفلات الترفيه ومن دنس بلاد الحرمين بتواجد اليهود الصهاينة فيها، ومن تربطه علاقات خفية ومعلنة بالكيان الصهيوني المجرم. هو “ليس كما يقدم نفسه بعناوين دينية مخادعة… بل يمثل النهج الصهيوني” – السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -. فـ”الإرهابي هو من يقف إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية في كل حروبها، ويفتح لها أرضه وقواعده العسكرية لتمارس جرائمها.. الإرهابي هو الذي يشن حرباً على اليمن لمدة … سنوات، ويقتل أطفالاً ونساءً ويدمر البشر والحجر، هو أنتم. الإرهابي هو الذي صدّر الفكر الإرهابي الداعشي إلى العالم” – الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله -. هذا النظام السعودي “لم أجد حتى الآن دولة في هذه المنطقة، بل ربما في كل العالم، أسوأ من الدولة السعودية، الدولة السعودية دولة مستبدة، ديكتاتورية ظالمة، تابعة للدول الاستعمارية وفاسدة أيضاً” – الشهيد القائد السيد علي الخامنئي -.
في ختام المشهد، تتقاطع الروايات المتداولة بشأن التطورات الأمنية داخل السعودية مع تساؤلات أوسع حول مستقبل التحالفات الإقليمية، وجدوى الصفقات العسكرية، وحدود التعويل على الحماية الأمريكية، واحتمالات إعادة فتح ملف التطبيع مع إسرائيل تحت ضغط المواجهات، بما قد يتيح لتل أبيب موطئ قدم علنياً داخل المملكة تحت ذريعة مواجهة اليمنيين.
في المقابل، يمتلك أنصار الله أوراق ضغط استراتيجية تتمثل في قدرتهم على التأثير في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر، واستخدام ورقة التصعيد البحري ضمن معادلة “الحصار بالحصار”، في مسعى لرفع المظلومية عن اليمن ومواجهة تداعيات الحصار المفروض عليه. وإمكانية تجاوز تداعيات هذه المعادلة حدود المواجهة المباشرة، لتضع المصالح الأمريكية والإسرائيلية أمام تحديات اقتصادية وأمنية متزايدة، في سياق الضغط باتجاه إنهاء الحروب في المنطقة وخروج القوات الأجنبية منها، وفقاً لشروط المقاومة ومطالبها.
