بين العزوف الحريدي وصراع المعسكرات.. هل تتغير معادلة الانتخابات “الإسرائيلية”؟
بقلم د. محمد الايوبي
تدخل الانتخابات “الإسرائيلية” مراحلها الحاسمة، إذ لم يتبقَّ سوى أيام معدودة تفصل “الإسرائيليين” عن موعد الاقتراع المقرر في 27 من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وسط مشهد سياسي يضج بالتناقضات والصراعات الداخلية التي تختبر تماسك المعسكرين المتنافسين على الحكم.
لم تعد الصورة الانتخابية كما كانت عليه في دورات سابقة، حين كانت الكتل البرلمانية تتشكل بوتيرة أكثر استقراراً، بل باتت استطلاعات الرأي ترسم خريطة متشرذمة، تتباين فيها التقديرات تبايناً حاداً بين قناة وأخرى، بين مؤسسة وأخرى، حتى بات المشهد أشبه بمرايا متقابلة تعكس كل منها صورة مختلفة عن الأخرى.
في قلب هذه الضبابية، يبرز ملفان أساسيان قد يحددان مصير المعركة الانتخابية برمتها: العزوف الحريدي المتزايد عن المشاركة الانتخابية، الذي يهدّد بضرب أحد أعمدة معسكر اليمين؛ وصراع الزعامة داخل معسكر التغيير، حيث يسعى غادي آيزنكوت إلى ترسيخ موقعه كبديل لنتنياهو. وإذا كان الحسم البرلماني يبدو بعيداً وفق معظم الاستطلاعات، فإن العوامل الخفية، كنسب المشاركة ومصير الأحزاب المتأرجحة عند نسبة الحسم، قد تكون وحدها القادرة على قلب الطاولة في اللحظات الأخيرة.
العزوف الحريدي: جرح نازف في خاصرة نتنياهو
لم يكن الحريديم يوماً مجرد كتلة تصويتية هامشية في المعادلة “الإسرائيلية”، بل كانوا ولا يزالون ركناً أساسياً في أي ائتلاف يميني يقوده بنيامين نتنياهو. لكن هذا الركن نفسه بات اليوم مصدراً للقلق، إذ تتخوف قيادة الأحزاب الحريدية من تراجع نسبة التصويت في مجتمعها، وذلك على خلفية فشل هذه القيادة، بنظر جمهورها، في سن قانون الإعفاء من الخدمة العسكرية. هذا الفشل لم يكن حدثاً هامشياً، بل جاء تتويجاً لأزمة طويلة تجلت في تجميد قانون يعفي المتهربين من التجنيد، ثم تعليق المحكمة العليا له، ثم وعود نتنياهو المتكررة بإقرار قانون تجنيد شامل بعد الانتخابات، وهو ما فُهم في أوساط الحريديم كتراجع عن التزاماته تجاههم.
ويزداد المشهد تعقيداً مع الإشارات التي رصدتها مؤسسات البحث، إذ تُظهر بيانات جديدة أن آلية “إغلاق” التصويت لدى الحريديم، التي صمدت لعقود وأفضت إلى نسب تصويت تفوق تسعين في المئة في دورات سابقة، بدأت تُظهر أول تصدعاتها منذ عام 2021. وتُظهر الاستطلاعات أن 62% من أفراد المجتمع الحريدي مهتمون أو مهتمون جداً بالسياسة، مع بروز الشباب الحريديم بنسبة 77%، وهي أرقام تكشف عن مجتمع يتفاعل مع الشأن العام لكنه يبحث عن قنوات تعبير جديدة، ربما خارج الإطار الحزبي التقليدي.
هذا التراجع المحتمل في المشاركة يحمل دلالات خطيرة بالنسبة لنتنياهو، فالأحزاب الحريدية ممثلة في شاس ويهدوت هتوراة تمنحان معسكره ما لا يقل عن ستة عشر مقعداً في معظم الاستطلاعات، وهو وزن لا يمكن تعويضه بسهولة. وإذا ما تحقق سيناريو تراجع التصويت، فإن خسارة مقعد أو مقعدين من هذه الكتلة قد تكون كافية لحرمان الائتلاف من أغلبية الـ 61 مقعداً التي يحتاجها لتشكيل الحكومة، خصوصاً أن معسكره يتراوح في معظم الاستطلاعات بين 49 و52 مقعداً فقط.
لكن المفارقة أن نتنياهو نفسه يسير في اتجاه معاكس لمصالح حلفائه الحريديم. فقبل أسابيع، أعلن خلال مداولات مغلقة أن قانون تجميد اعتقال طلاب المعاهد الدينية لن يستمر في الحكومة المقبلة، متعهداً بإقرار قانون تجنيد شامل بعد الانتخابات. هذا الموقف، وإن كان يستهدف استمالة الناخبين العلمانيين والتقليديين في معسكر اليمين الذين يطالبون بالمساواة في أعباء الخدمة العسكرية، إلا أنه في الوقت نفسه يضرب عمق العلاقة مع الحريديم، ويدفعهم إلى الشعور بأن نتنياهو يتخلى عنهم في اللحظة الحرجة.
وفي حين يبدو الحريديم اليوم مرتبطين بنتنياهو ارتباطاً وثيقاً لا يستطيعون الانفكاك منه، لأن لا أحد في المعسكر الآخر يعدهم بالإعفاء من التجنيد، فإن هذا الارتباط نفسه بات هشاً ومحمّلاً بالشكوك. وتعهد قادة المعارضة، في حال فوزهم، بعدم السماح باستمرار “تهرب” الحريديم من الخدمة العسكرية ووقف تمويل المؤسسات التي يرفض طلابها التجنيد، وهو ما يجعل الحريديم في موقف لا يحسدون عليه: بين حليف يتخلّى عنهم تدريجياً، وخصوم يتوعدونهم بسياسات أكثر تشدداً.
آيزنكوت: من جنرال إلى بديل محتمل لنتنياهو
في المعسكر المقابل، تبدو الصورة أقل قتامة من حيث الأرقام، لكنها لا تخلو من تناقضاتها الداخلية. غادي آيزنكوت، رئيس حزب يشار، يخطف الأنظار في معظم الاستطلاعات غير المنحازة، إذ تمنحه (القناة 12) ثلاثة وعشرين مقعداً مقابل عشرين لليكود، وهي أرقام تجعله في صدارة المشهد. وتظهر استطلاعات أخرى أنه يتقدم في قياس تفضيلات الناخبين لرئاسة الوزراء، وإن كانت الفجوة مع نتنياهو تتقلص في بعض الاستطلاعات إلى 45% مقابل 35%، ثم إلى 52% مقابل 48% في استطلاعات أخرى، ما يعني أن الصورة ليست ثابتة وأن المنافسة على قيادة الحكومة المقبلة لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات.
غير أن حزب يشار، على أهميته في المشهد، يحمل في بنيته الداخلية تناقضاً بنيوياً قد يحدّ من قدرته على التحول إلى بديل حقيقي. فهو حزب غير متجانس أيديولوجياً، يضم ليبراليين ووسطيين ويمينيين، تجمعهم رغبة واحدة: تغيير نتنياهو. وهذه الرغبة، وإن كانت قوية في الظرف الراهن، تظل هشة إذا واجهت اختبار الاقتراع، لأن الائتلاف اليميني المؤيد لنتنياهو يمتلك أيديولوجيا متينة وتياراً يمينياً صلباً يذهب إلى صندوق الاقتراع لاعتبارات مبدئية قبل أن تكون حسابية. وهنا تحديداً تبرز قدرة نتنياهو على اللعب على التناقضات داخل حزب يشار، في محاولة لتفكيكه أو إضعاف قدرته على الحشد في الأيام الأخيرة.
ويتجلى هذا الصراع في المشهد اليومي للحملة الانتخابية، حيث تتقاذف رموز المعارضة الاتهامات، ويرد أفيغدور ليبرمان بهجومه على أيزنكوت وغانتس، في مشهد يوحي بأن معسكر التغيير، على الرغم من تفوقه العددي المزعوم، لا يزال يبحث عن قيادة موحدة وزعامة واضحة. وإذا كان الهدف النهائي المعلن لإسقاط نتنياهو وتشكيل حكومة بديلة يبدو مغرياً في خطاب المعارضة، فإنه لا يشكل ركيزة أساسية يمكن البناء عليها عند صندوق الاقتراع، لأن الناخب “الإسرائيلي” حين يقف أمام ورقة الاقتراع لا يصوّت على شعار “إسقاط نتنياهو”، بل على مصالح وبرامج وتوجهات يحسبها في سياقها الأيديولوجي والاجتماعي.
القوائم العربية: بين المناكفات والحسابات البرلمانية
على هامش صراع المعسكرين، تبرز القوائم العربية كعامل موازنة لا يمكن تجاوزه. فالقائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة تحصدان وفق معظم الاستطلاعات ما مجموعه ثلاثة عشر مقعداً، وهو وزن برلماني قادر على ترجيح كفة أي معسكر إذا ما تقارب الطرفان في عدد المقاعد. لكن هذه القوة الكامنة لا تترجم دائماً إلى تأثير فعلي، لأن العلاقة بين القائمتين ليست علاقة تعاون دائم، بل تشهد مناكفات وتناقضات في الرؤى والاستراتيجيات.
فالقائمة العربية الموحدة بزعامة منصور عباس، التي تتمسك بخط سياسي أكثر براغماتية، وضمّت في صفوفها مرشحاً يهودياً هو يوآف سيغالوفيتش، تدفع باتجاه الانضمام إلى أي حكومة يقودها معسكر التغيير، على الرغم من أن قادة هذا المعسكر يكررون رفضهم ضمها. أما القائمة المشتركة، التي تضم الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والتجمع الوطني الديمقراطي والحركة العربية للتغيير، فقد أعلنت موقفاً يرتكز على بندين: منع نتنياهو من تشكيل حكومة مع الأحزاب المتطرفة، والرفض المطلق للانضمام إلى أي حكومة لأنها ستكون حكومة احتلال واستيطان.
لكن خلف هذا الاختلاف المعلن، ثمة تقارب عملي لا يمكن إنكاره. فقد أعلن سكرتير الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، أمجد شبيطة، أن القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة وقعتا اتفاق فائض أصوات لمنع خسارة أصوات إضافية، مؤكداً أن دعمهما لآيزنكوت مشروط بتنفيذ شروط سياسية وخدماتية تتعلق بوقف الإبادة في غزة والاستيطان في الضفة الغربية وتحقيق مسار سياسي لدولة فلسطينية. هذا التقارب العملي يعكس إدراكاً عربياً بأن القوة التمثيلية وحدها لا تكفي، وأن تحويلها إلى تأثير فعلي يقتضي حسابات دقيقة ومناورة سياسية باردة.
ومع ذلك، تبقى القوائم العربية عرضة لضغوط لا تتوقف، آخرها محاولات الشطب التي طالت القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة من قبل أحزاب اليمين، وعلى رأسها الليكود وعوتسما يهوديت، قبل أن تتدخل المحكمة العليا وتلغي هذا القرار. هذه المناوشات القانونية، التي تنم عن محاولة ممنهجة لإقصاء الصوت العربي، تزيد من تعقيد المشهد وتدفع القوائم العربية إلى تحصين قواعدها في مواجهة ما ترى أنه استهداف مباشر لحقها في التمثيل.
تشكيك نتنياهو: هل يمهد لأمر ما؟
في خضم هذه المعركة، يلوح في الأفق سلوك سياسي جديد لنتنياهو، يتمثل في التشكيك المتزايد في نزاهة العملية الانتخابية نفسها. فقبل أيام، حذّر زعيم حزب الديمقراطيين، يائير غولان، من أن نتنياهو “سيفعل كل ما بوسعه لتعطيل العملية الديمقراطية قبل الانتخابات وحتى يوم الاقتراع”، مضيفاً أنه “لن يقبل نتائج الانتخابات إذا جاءت خلافاً لرغبته”. هذا التحذير، الذي يبدو للوهلة الأولى جزءاً من المناكفات السياسية المعتادة، يكتسب خطورة أكبر حين يوضع في سياق تاريخي أوسع، إذ يشير إلى نمط متكرر لدى نتنياهو في نزع شرعية المؤسسات التي لا يسيطر عليها، وتشكيك الجمهور في نتائج أي عملية انتخابية لا تأتي وفق ما يشتهيه.
والواقع أن خطاب نتنياهو الأخير يندرج في سياق أوسع من محاولات نزع الشرعية، فهو يتحدث عن تشكيك في نزاهة العملية الانتخابية بسبب سلوك خصومه، ويضع جماعة كابلن كرأس حربة في الانقضاض على العملية الانتخابية، في محاولة لإضفاء شرعية على أي ادعاءات مستقبلية بالتلاعب أو التزوير. هذا السلوك الاستباقي، الذي يظهر قبل الاقتراع، قد يكون تمهيداً لسيناريوهات مقلقة بعد الاقتراع، تتراوح بين الطعن في النتائج، أو اللجوء إلى ذرائع أمنية لتأجيل الإجراءات أو تعطيلها، وهو ما حذر منه غولان صراحةً.
لكن هذا التشكيك، على خطورته، لا يخلو من تناقض. فنتنياهو الذي يرفع اليوم شعار الدفاع عن نزاهة الانتخابات، هو من شكّل حكومات استندت إلى أغلبية مريحة في دورات سابقة، وهو من دفع باتجاه تشريعات تحمي حلفاءه من المحاسبة، وهو من يتزعم حزباً له تأثير كبير على وسائل الإعلام والمؤسسات. والتشكيك الاستباقي في العملية الانتخابية، في هذا السياق، لا يبدو تعبيراً عن قلق حقيقي على الديمقراطية، بل أداة من أدوات الضغط والتفاوض السياسي في اللحظات الأخيرة.
بين صناديق الاقتراع والضباب السياسي
في نهاية المطاف، يبقى الحسم الانتخابي في “إسرائيل” رهيناً لعوامل يصعب التنبؤ بها. فالتناقض بين الاستطلاعات، الذي يتراوح بين منح معسكر نتنياهو 49 مقعداً في القناة 12، و61 مقعداً في القناة 14، يكشف عن ضبابية حقيقية تعكسها ممارسات استطلاعية غير محايدة أحياناً. وفي هذا المشهد، تظل نسب المشاركة، ولا سيما في أوساط الحريديم، وموقف الأحزاب المتأرجحة عند نسبة الحسم، مثل حزب عوفر فينتر الذي يتراوح بين الفشل في تجاوز النسبة والحصول على أربعة مقاعد، العوامل القادرة على قلب المعادلة رأساً على عقب.
ولعل الأسئلة الكبرى تبقى معلقة: هل يتمكن نتنياهو من احتواء أزمة العزوف الحريدي وضمان مشاركة كثيفة تعوّض خسائره المحتملة في مناطق أخرى؟ أم أن معسكر التغيير، على الرغم من تناقضاته الداخلية، سينجح في ترجمة تفوقه العددي إلى أغلبية حاكمة؟ وهل تترجم القوائم العربية قوتها التمثيلية إلى نفوذ سياسي فعلي، أم تبقى أسيرة مناكفاتها وحساباتها القصيرة المدى؟ وما مصير التشكيك النتنياهوي في العملية الانتخابية، وهل هو مجرد ضجيج دعائي أم مقدمة لسيناريو تعطيل ما بعد الاقتراع؟.
الإجابات كلها مؤجلة إلى السابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر، لكن ما يمكن الجزم به هو أن هذه الانتخابات، بأزماتها وعزوفها وصراعاتها، تعكس أزمة أعمق في النموذج السياسي “الإسرائيلي”، حيث لم تعد استطلاعات الرأي فقط أدوات قياس، بل وسائل لصناعة الرأي العام نفسه، وحيث بات الشارع “الإسرائيلي”، بيمينه ووسطه وعربه، يبحث عن يقين في زمن الضباب السياسي.
