إقليميات

التصعيد الأمريكي الإسرائيلي.. الاستعدادات العسكرية ومخاطر اتساع الحرب إقليمياً ودولياً

بقلم زينب عدنان زراقط

ومروراً بما يُتداول عن وجود استخباري وعسكري إسرائيلي على الأراضي السعودية في سياق مواجهة الحوثيين، وصولاً إلى الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان، تتشكل ملامح واقع إقليمي بالغ التوتر، قابل للانفجار في أي لحظة، بما قد يفضي إلى تحولات كبرى تعيد رسم موازين القوى في المنطقة.

فيما تشهد منطقة الشرق الأوسط تصاعداً في التوترات السياسية والعسكرية، وسط تحركات أمريكية وإسرائيلية متسارعة، ومساعٍ دبلوماسية تقودها باكستان، بالتزامن مع زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران. كذلك تكتسب الزيارة السرية التي أجراها وزير الدفاع الأمريكي إلى تل أبيب أهمية خاصة، في ظل تصريحات إسرائيلية بشأن إسقاط النظام الإيراني، وتهديدات بتوسيع العمليات العسكرية في لبنان واستهداف منشآت الطاقة.

أما في المقابل، تتمسك إيران بشروطها للتوصل إلى تسوية، وفي مقدمتها وقف الحرب على لبنان واليمن، ورفع العقوبات، وتقديم ضمانات تمنع تكرار المواجهة، وانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة. وأمام هذا التباين بين التحركات العسكرية والمساعي الدبلوماسية، تتزايد المخاوف من اندلاع حرب إقليمية تتجاوز حدود إيران، وتطال أمن الطاقة والممرات البحرية والاقتصاد العالمي.

فإلى أي مدى تمهّد التحركات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية والتهديدات بإسقاط النظام الإيراني لجولة جديدة من الحرب، أم أنها أداة للضغط على طهران لانتزاع تنازلات سياسية، وإلى أي مدى تستطيع الوساطة الباكستانية تجاوز الخلافات الجوهرية بين واشنطن وطهران في ظل تمسك إيران بشروطها واستمرار التهديدات الإسرائيلية؟. وهل يمكن أن تتحول أي مواجهة جديدة مع إيران إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات، تمتد إلى لبنان واليمن ومضيق هرمز، وتهدد أمن الطاقة والاقتصاد العالمي؟.

أولاً: التحركات الأمريكية الإسرائيلية والاستعدادات العسكرية

1- زيارة وزير الدفاع الأمريكي ودلالاتها

أجرى وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث زيارة سرية إلى تل أبيب، التقى خلالها بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس وكبار الضباط الإسرائيليين، وسط تقارير عن مشاركة وفد خليجي يُحتمل أن يكون إماراتياً، دون تأكيد قاطع لهويته. وتثير الزيارة تساؤلات بشأن طبيعة الترتيبات الجارية، خصوصاً أن الوزير الأمريكي قطع مسافة طويلة لعقد اجتماع قصير في قاعدة جوية، في وقت كان يمكن فيه إجراء اتصالات عبر قنوات مؤمّنة. وعلى الرغم من امتناعه عن كشف تفاصيل المباحثات، أشارت التقارير إلى أن إيران كانت الموضوع الرئيسي للاجتماع. وتزداد أهمية هذه المعطيات بالنظر إلى توقيت الزيارة، الذي تزامن مع الوساطة الباكستانية ووجود وزير الخارجية الروسي لافروف في طهران، ما يعكس تداخل المسارات الدبلوماسية والعسكرية في مرحلة شديدة الحساسية.

2- نتنياهو وهدف إسقاط النظام الإيراني

وفي ضوء هذه التحركات، تبرز تصريحات نتنياهو بوصفها مؤشراً إضافياً على طبيعة التوجهات الإسرائيلية؛ إذ أعلن أنه كلّف الموساد والجيش والاستخبارات العسكرية بالعمل على إسقاط النظام الإيراني، في تصريح يعكس تمسك إسرائيل بهذا الهدف بصورة علنية. ويتشابه خطابه الحالي مع تصريحاته السابقة التي سبقت المواجهات العسكرية مع إيران، حين تحدث عن إنهاء الملف الإيراني نهائياً، مؤكداً امتلاك إسرائيل قدرات ومفاجآت عسكرية كبيرة. كما أشارت تقارير أمريكية إلى ضغوط مارسها نتنياهو باتجاه جولة جديدة من المواجهة، وإلى مباحثات مع دونالد ترامب بشأن الملف النووي الإيراني والاستعدادات المحتملة.

ومع ذلك، لا يعني التصعيد السياسي أن قرار الحرب قد اتُّخذ نهائياً، إذ لا تزال الحسابات العسكرية والسياسية والتردد بشأن توقيت المواجهة عوامل مؤثرة. لكن استمرار هذه التصريحات، بالتوازي مع التحركات الميدانية، يعزز الاعتقاد بأن الخيار العسكري لا يزال حاضراً بقوة لدى المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين.

3- التحالفات الإقليمية وتهديدات توسيع الحرب إلى لبنان

ولا تقتصر دلالات هذه التحركات على العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، بل تمتد إلى احتمال تشكيل إطار إقليمي لمواجهة إيران والحوثيين، في ظل تقارير عن مشاركة دولة خليجية في اجتماع أمريكي إسرائيلي، وحديث عن تعاون استخباراتي إسرائيلي مع السعودية ضد الحوثيين. ويأتي ذلك وسط تعثر واشنطن في حشد دعم دولي واسع للحرب، وتصاعد المخاوف من تداعياتها الإقليمية.

وفي لبنان، يهدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتوسيع العمليات واستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت والتقدم نحو مناطق في النبطية وما بعدها، إذا تدخل حزب الله في أي مواجهة مقبلة، بالتزامن مع التلويح بتوسيع التهجير ومنع السكان من العودة إلى مناطق جنوبية. كما تحدثت تقارير عن رسائل عبر قنوات خليجية تحث لبنان على عدم الانخراط في الحرب، بما يعكس مخاوف من اتساع رقعة المواجهة.

في المقابل، تتمسك إيران بشروط لتسوية شاملة، تشمل وقف الحرب على لبنان واليمن، ورفع العقوبات، وتقديم ضمانات بعدم تكرار الهجمات، وانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة. كما ترفض حصر المفاوضات في الملف النووي، مطالبةً بمعالجة القضايا الأمنية والإقليمية، في حين تركز واشنطن على الملف النووي، ما يعكس خلافاً جوهرياً حول نطاق التسوية وشروطها. ومع استمرار التحركات العسكرية وتعثر الوساطة الباكستانية، تظل فرص التوصل إلى اتفاق محدودة، فيما يبقى احتمال اتساع المواجهة قائماً، بما يهدد أمن المنطقة والاقتصاد العالمي.

ثانياً: مخاطر اتساع الحرب وتداعياتها الإقليمية والدولية

1- استهداف الطاقة والممرات البحرية والبنية التحتية

في ظل تعثر التسوية واستمرار التهديدات المتبادلة، تتزايد المخاوف من انتقال المواجهة إلى استهداف منشآت الطاقة وكابلات الإنترنت البحرية والممرات البحرية الحيوية. وتشير التقارير إلى تعرض ناقلات نفط لانفجارات في مضيق هرمز وخارجه، بالتزامن مع ارتفاع سعر خام برنت إلى نحو 111 دولاراً ثم 112 دولاراً للبرميل، إلى مدى ارتباط أمن الطاقة بالتوترات العسكرية.

ولا تقتصر خطورة هذا المسار على أطراف المواجهة المباشرة؛ ففي حال اندلاع حرب واسعة، قد تتجاوز الضربات الأهداف العسكرية لتطال الاتصالات والمنشآت الاقتصادية والمصالح الإقليمية، ما يرفع كلفة المواجهة على العالم بأسره. كما تعكس التصريحات الإيرانية بشأن توسيع نطاق الأهداف، مقابل التهديدات الإسرائيلية باستهداف منشآت الطاقة، احتمال تراجع القيود التقليدية على التصعيد واختفاء خطوط الاشتباك الواضحة. وهذا ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة الرد الإيراني ومدى اتساعه إذا تحولت التهديدات إلى مواجهة فعلية.

2- الرد الإيراني واحتمالات اتساع المواجهة

تؤكد إيران أنها سترد على أي هجوم جديد، وقد توسّع نطاق أهدافها إذا شاركت دول أخرى في الحرب أو استُهدفت مصالحها. وفي هذا السياق، صرّح المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، حسين محبي: “نحن في مرحلة الاستعداد للكشف عن أقوى قنبلة على الإطلاق، وهذا أمر جديد بالنسبة إلى العدو”. وتأتي هذه التصريحات في إطار الرسائل الإيرانية التي تؤكد الاستعداد لمواجهة أي تصعيد محتمل، غير أن طبيعة الرد الإيراني وحجمه لا يزالان غير محسومين، كما لا تتوافر معلومات مستقلة كافية للتحقق من حقيقة السلاح المشار إليه، أو مواصفاته وقدراته الفعلية، ومدى جاهزيته للاستخدام. وفي الوقت نفسه، تظل جبهتا لبنان واليمن مصدر قلق رئيسياً؛ إذ قد يؤدي تدخل حزب الله أو الحوثيين إلى توسيع المواجهة وفتح جبهات متعددة.

وتحاول إسرائيل ردع حزب الله عن المشاركة، لكنها تلوّح في الوقت نفسه بتوسيع عملياتها واحتلال مناطق إضافية وتهجير السكان. ومع تعدد الجبهات المحتملة، يصبح خطر توسع الحرب مرتبطاً بقرارات أطراف إقليمية أخرى، وليس فقط بقرار واشنطن وتل أبيب وطهران. وإذا توسعت الحرب، فقد تجد أطراف إقليمية أخرى نفسها منخرطة فيها، ما يجعل احتواء التصعيد أكثر صعوبة.

3- السيناريوهات المحتملة وكلفة الحرب

تشير المؤشرات إلى تصاعد الاستعدادات العسكرية وتراجع فرص التسوية، على الرغم من أن توقيت الحرب المحتملة ومدتها ونطاقها لا تزال غير محسومة. وقد يؤدي استمرار التصعيد إلى تعزيز قدرة إيران على المواجهة وتوسيع نطاق الصراع، فضلاً عن رفع كلفته العسكرية والاقتصادية، لا سيما إذا امتدت الهجمات إلى منشآت الطاقة والممرات البحرية والبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الكابلات البحرية للاتصالات ونقل البيانات التي تشكل شرياناً أساسياً للاتصال الرقمي العالمي. وقد يؤدي استهداف هذه الكابلات أو تعطيلها إلى اضطراب حركة البيانات والاتصالات والخدمات الرقمية، فضلاً عن تهديد أمن الإمدادات وأسواق الطاقة العالمية، وتوسيع التداعيات الاقتصادية للحرب لتتجاوز حدود المنطقة.

وفي هذا السياق، تبرز احتمالات اتساع التعاون الأمني والعسكري بين السعودية وإسرائيل في مواجهة الحوثيين، سواء عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية أو الاستعانة بالتكنولوجيا الإسرائيلية في مجال الدفاع الجوي. وقد أعادت تقارير إعلامية وتصريحات منسوبة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إمكانية تقديم إسرائيل المساعدة للسعودية إثارة التساؤلات حول طبيعة هذا التعاون ومستقبله. وإذا تطور إلى دعم عسكري أو استخباراتي مباشر، فقد يسهم في تغيير موازين الصراع، ويدفع طهران إلى توسيع نطاق ردها. ومع ذلك، لا تتوافر أدلة موثوقة كافية تثبت مشاركة إسرائيل فعلياً في العمليات العسكرية ضد الحوثيين.

وفي موازاة ذلك، تواجه الإمارات احتمال تصاعد التهديدات الإيرانية، بعد اتهام أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) بقيادة عمليات لتهريب النفط بالتعاون مع الجيش الإماراتي. وإذا صحت هذه الاتهامات، فقد تعتبر طهران ذلك دعماً للعمليات الأمريكية، ما يزيد مخاطر استهداف المصالح الإماراتية، بما فيها المنشآت النفطية والموانئ ومراكز البيانات وشركات الذكاء الاصطناعي.

وعليه، لا تكمن خطورة المرحلة في احتمال اندلاع الحرب فحسب، بل في اتساع نطاق الأهداف والأطراف المنخرطة فيها، بما قد يحوّل المواجهة إلى صراع إقليمي يصعب احتواء تداعياته العسكرية والاقتصادية. وعلى الرغم من جدية مخاطر التصعيد، فإن الحرب لا تزال احتمالاً غير محسوم في ظل استمرار التهديدات المتبادلة وتعثر التسوية السياسية.

ختاماً، تقف المنطقة أمام مرحلة بالغة الحساسية، في ظل بقاء الخيار العسكري بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل مطروحاً بقوة، من دون أن يعني ذلك أن اندلاع الحرب أمر حتمي. وتزداد المخاطر مع احتمال امتداد المواجهة إلى لبنان واليمن والممرات البحرية ومنشآت الطاقة وكابلات الاتصالات البحرية، بما قد يعطل تدفق البيانات والخدمات الرقمية، ويفرض أعباء جسيمة على المنطقة والاقتصاد العالمي.

وفي المحصلة، تواجه المنطقة مسارين متناقضين: إما التوصل إلى تسوية سياسية تحدّ من التصعيد، وإما الانزلاق إلى حرب قد تتجاوز حسابات الأطراف التي تشعلها، وتتسع تداعياتها لتشمل الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي. ومن ثم، يبقى احتواء الأزمة وتجنب المواجهة الشاملة الخيار الأقل كلفة، والأكثر إلحاحاً للحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *