المقاومة عام 2000: التحرير سابقة في تاريخ المنطقة
بقلم حسين عبد الله
لقد فعلتها المقاومة في لبنان وكان لها ما أرادت بعد مرحلة جهادية طويلة امتدت 22 عاماً من التضحيات حتى قضى الله أمراً كان مفعولاً وحدث التحرير.
الخامس والعشرون من أيار عام 2000 يجمع في لحظة وقائع وأحداث تمثل تاريخ كفاح الشعب اللبناني عبر مقاومته من أجل تحرير أرضه. تحت جنح الظلام فر العدو من جنوب لبنان بعد 22 عاماً من احتلال المنطقة الحدودية والتي كان يطلق عليها الحزام الأمني.
وحقق لبنان انتصاراً تاريخياً هو سابقة في تاريخ الصراع مع العدو. هذا العدو ظن أن اجتياحه للبنان في الرابع من حزيران من العام 1982 سيكون مطابقاً لمقولة غولدا مائير بأننا بفرقة موسيقية نحتل لبنان. لكن العدو سقط في شر أعماله وأوهامه عندما وجد أن هناك رجالاً قادرون على هزيمته مهما بلغت قوة جيشه. فلم يخلق الانسحاب الإسرائيلي من لبنان أيّ عاملٍ للردع، لأنّه لم يمنع حزب الله من إطلاق النار أو محاولة اتخاذ إجراءات ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي، بل الذي فاجأ الاحتلال هو التطور اللوجستي وتضاعف القدرات العسكرية لدى المقاومة. وفشل الاحتلال في فرض توازن الردع الذي تحدث عنه رئيس حكومة الاحتلال الأسبق، إيهود باراك، في مقابلةٍ له عام 2020 نشرتها صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، إنّه بعد الانسحاب “حزب الله ردّ بالكاتيوشا وسكان الشمال (المستوطنون) هم من دخلوا لأيام طويلةٍ إلى الملاجئ”، لافتاً إلى أنّ حزب الله فرض معادلةً جديدة على القيادتين السياسية والأمنية في تل أبيب، باستهداف المستوطنات الشمالية بالصواريخ رداً على استهداف المقاومة واللبنانيين. كما أن نجاح المقاومة في اختراق الرأي العام الإسرائيلي من خلال خوض حرب إعلامية نفسية تتكامل مع الحرب العسكرية، إذ حوّل قضية الانسحاب من لبنان إلى قضية رأي عام إسرائيلي، دفعت إيهود باراك رئيس حكومة العدوّ السابق، وصاحب قرار الانسحاب، إلى جعلها أحد البنود الرئيسية في حملته الانتخابية. ووفق معهد بيغن السادات فإن انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان، بعد 18 عاماً دامية، جاء تنفيذاً لوعد قطعه إيهود باراك خلال حملته الانتخابية. فقد خلّف الأسلوب المتسرع للانسحاب أحادي الجانب – الذي قام به الجيش الإسرائيلي، المُصنَّف كأقوى جيش في الشرق الأوسط – شعوراً مريراً بالهزيمة.
أعلن حزب الله انتصاره، مصوراً نفسه على أنه المحرر العظيم للأراضي اللبنانية، وأنه نجح في طرد جيش “الدفاع” الإسرائيلي الذي انسحب وهو يجر أذيال الخيبة. وأضاف: “لقد تبين أن الانسحاب الإسرائيلي المتسرع من جنوب لبنان كان خطأً، بالنظر إلى التهديد العسكري الفعلي الذي كان يشكله حزب الله في ذلك الوقت. ومع أنه لا أحد يشكك في النوايا الحسنة التي كانت وراء القرار الاستراتيجي الإسرائيلي عام 2000، إلا أنه من الصعب دحض النتيجة النهائية؛ فقد أدت تداعيات ذلك القرار – والطريقة التي نُفذ بها – إلى وضع “إسرائيل” في حالٍ أسوأ، بدلاً من تحسين وضعها. ويقول جنرالات ومحللون إسرائيليون إن الطريقة التي غادرت بها “إسرائيل” الأراضي اللبنانية في 24 مايو/أيار 2000 تشير إلى أنها كانت خطوة متسرعة تهدف إلى تقليل الخسائر في صفوف “جيش الدفاع الإسرائيلي”؛ علماً بأن الانسحاب كان مقرراً في الأصل في 7 تموز 2000.
فيما قال باحثون في معهد بيغن السادات في القدس المحتلة: لا يختلف اثنان على أن القرار الإسرائيلي بإخلاء “المنطقة الأمنية” في جنوب لبنان كان خطوة استراتيجية بامتياز.
وبناءً عليه، يمكن افتراض منطقياً أنه لا بد من إجراء تقييم استراتيجي معمق لهذا الانسحاب، بمشاركة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية – مع التركيز بشكل خاص على الاستخبارات العسكرية – وعلى أعلى المستويات.
فيما قال محللون وخبراء في معهد واشنطن: كان الانسحاب اعترافاً بتراجع مكانة “إسرائيل” كقوة ردع إقليمية. وبالنسبة إلى لبنان والعرب فإن الانسحاب يبدو نصراً كبيراً فقد حُرِّرت أرض محتلة، وأعاد الانسحاب الاعتبار للمقاومة في الوقت الذي فشلت التسوية السياسية في تحقيق شيء يذكر، وتأكد دور العقيدة في حياة الشعوب وتحررها، وحققت الحركات الشعبية مكاسب سياسية ومعنوية وأكدت قدرتها على العمل والتعاون على الرغم من الاختلاف المذهبي والعقائدي والسياسي وهي تجربة كبيرة للعمل الشعبي والأهلي العربي. ويشجع الانسحاب المسؤولين والسياسيين العرب على مزيد من الجرأة والتحرر وجعل الهيمنة الإسرائيلية والأمريكية أمراً يمكن مواجهته.
والأكثر إثارة للقلق كما قال باحثون إسرائيليون هو الاعتقاد الاستخباراتي السائد آنذاك بأن “حزب الله” منظمة لبنانية أصيلة، تهدف في المقام الأول إلى “تحرير” الأراضي اللبنانية من القوات الأجنبية، وتحديداً “إسرائيل”.
وكان العدو الذي خرج من لبنان مهزوماً يبحث عن ما يعوضه هذه الهزيمة حيث راهنت “إسرائيل” بعد الانسحاب على اختراقات سياسية في لبنان بتحريك قضية الوجود السوري في لبنان والخلافات الداخلية التي كانت مؤجلة أو خمدت بعد حرب أهلية استمرت قرابة الخمس عشرة سنة كما أوضح البروفيسور إفرايم كارش واللواء (احتياط) غيرشون هاكوهين في ورقتهم البحثية الصادرة عن مركز “بيسا” (BESA) بعنوان “انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان بعد مرور 20 عاماً” (22 مايو 2020).
ومما لا شك فيه أن التحرير هو تعبير عن قدرة الصمود والثبات الهائلة التي أظهرتها الحاضنة الشعبية للمقاومة، بحيث انتهت كلّ محاولات التفكيك التي سعى إليها العدوّ الإسرائيلي بين المقاومة وحاضنتها الشعبية بالفشل الذريع. وتمظهر التحرير أيضاً باحتضان سياسي رسمي للمقاومة، بلغ أرفع مستوياته مع وصول العماد إميل لحود إلى سدّة رئاسة الجمهورية.
فيما لعب العمق الإقليمي للمقاومة دوراً كبيراً في التحرير من خلال توفّر الغطاء والدعم الإقليميين من دولتين مركزيتين في الصراع مع الكيان الصهيوني، هما: سوريا والجمهورية الإسلامية الإيرانية. كما أن المقاومة نجحت في تكريس شرعيتها الدولية. هذه الشرعية التي لم تستطع حتى الولايات المتحدة الأمريكية الهروب منها، حيث في لحظةٍ من لحظات أقرّت بشرعية مقاومة الاحتلال في الأراضي اللبنانية. وأحدث التحرير صدمة صاعقة في النظام الإقليمي حيث انكسرت هيبة الركيزة الأمنية للقوة الأمريكية، أي كيان العدو، وهو ما حفّز سلسلة من الارتدادات الإقليمية كان أقربها اندلاع انتفاضة الأقصى وتحرير قطاع غزة في فلسطين.
هذه هي نظرة المقاومة والبيئة اللبنانية الحاضنة لها بسبب انتصارها ودفع العدوّ للاندحار عن لبنان في أيار 2000، على الرغم من نسبية قوّة أو متانة هذه العوامل، ولاسيما تحديد مدى تأثّر المقاومة والشعب الفلسطيني بما حصل في لبنان، والبناء عليه لإطلاق الانتفاضة المجيدة في أواخر أيلول من العام 2000، كلّ ذلك جعل العديد من المعلّقين الإسرائيليين يصفون ما يجري في “المناطق” بأنه “لبننة” الصراع.
وقال عوفر شيلح، المحلّل والباحث الصهيوني المعروف: هناك من يعتقد بأن الطريقة التي نفّذ فيها انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان “كهروب” أدّت إلى “لبننة” الوضع في المناطق (المحتلة)، وتهديد المستوطنات الواقعة ضمن مدى النيران الفلسطينية، وأن ضغطاً مشابهاً من الفلسطينيين سيؤدّي بـ “إسرائيل” إلى تنازلات مهمة من المناطق الفلسطينية؛ هذا فضلاً عن العلاقات المتبادلة التي تعزّزت بين حزب الله والمنظمات الفلسطينية المختلفة..
ويتابع: ثمّ إن وجود القدس في قلب الصراع مكّن حزب الله من رفع وتيرة العمليات في منطقة مزارع شبعا إلى طول الحدود، وأيضاً إلى أماكن بعيدة في “إسرائيل”، وذلك كقيمة إضافية لإيديولوجية حزب الله وإيران في إقامة جمهورية إسلامية عاصمتها القدس؛ هذا بالإضافة إلى دعم الأخوة الفلسطينيين المظلومين.
أيضاً، يقول وزير حرب العدوّ الأسبق، موشيه أرينز، إن الفلسطينيين يعتقدون أن الانسحاب من لبنان أثبت أنه يمكن “إخضاع” “إسرائيل”. هذا الترابط بين التحرير في لبنان وانعكاسه على فلسطين تحدث عنه سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله، الذي خاطب الشعب الفلسطيني بُعيد إنجاز التحرير التاريخي لجنوب لبنان في 26 أيار 2000، من مدينة بنت جبيل، في احتفال مركزي ضخم أقامه حزب الله لهذه المناسبة، قائلاً: إن “إسرائيل” هذه التي تمتلك أسلحة نووية وأقوى سلاح جوّ في المنطقة، والله هي أوهن من بيت العنكبوت.
لقد استكمل الانتصار والتحرير عام 2000 فعل المقاومة في مواجهة التحديات والمتغيرات الإقليمية والدولية، وتحقق الانتصار التاريخي في حرب تموز 2006، تلك هي النتائج الموضوعية لانتصار التحرير عام 2000 في مرحلة فاصلة واصلة بين قرنين.
يتبع.. الانتصار الإلهي في 2006
