دور مصري مرتقب في اليمن.. وساطة أم انخراط في الحرب؟
بقلم نوال النونو
أثار إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي استعداد بلاده للمشاركة في الدفاع عن المملكة العربية السعودية تساؤلات بشأن طبيعة التحول في الموقف المصري من التصعيد بين الرياض وصنعاء، وحدود الدور الذي يمكن أن تؤديه القاهرة في المرحلة المقبلة.
وجاء الإعلان في وقت تتزايد فيه العمليات اليمنية في العمق السعودي والشلل الذي أصاب المطارات، واغلاق مطار الرياض أمام الرحلات الجوية، مع عدم الاندفاع الباكستاني التركي في الدفاع عن المملكة وفقاً لاتفاق “حلف مكة”.
ويبرز هنا تساؤل هام: هل ستكتفي مصر بالدفاع عن المملكة فقط من خلال نشر جنود على الحدود اليمنية السعودية أم أنها ستنخرط في مواجهة برية في الأراضي اليمنية كما حدث مع الجنود السودانيين في السنوات الماضية؟.
وشدد الرئيس السيسي حتى الآن على أن المشاركة ستكون دفاعية ولن تتضمن عمليات هجومية، لكن هذا ما لا تبحث عن السعودية، فهي تريد جمع أكبر عدد ممكن من القوات لاستعادة السيطرة على مضيق باب المندب، بعد أن تمكنت قوات صنعاء في الأشهر الماضية من إلحاق الهزيمة بأدوات السعودية والوصول إلى مشارف المضيق.
وتستغل السعودية الوضع الاقتصادي المتردي لمصر وحاجتها للمال السعودي للضغط عليها للمشاركة في الحرب على اليمن، وهذا ما يثير قلق الجمهور المصري الذي يرى أن هذه ليست حرب مصر، مستذكرين تجربة قاسية للمصريين في اليمن في ستينيات القرن الماضي عندما أرسل جمال عبد الناصر (60) ألف جندي مصري للقتال في اليمن ومساندة الجمهوريين ضد الملكيين الذين كانت تدعمهم السعودية، وكان من نتائج هذه المشاركة مقتل الآلاف من المصريين، وحدوث نكسة 67 وهزيمة مصر أمام إسرائيل.
ويخشى المصريون أن يتكرر هذا السيناريو وخصوصاً في ظل التهديدات الإسرائيلية المتواصلة على مصر فيما يتعلق بسيناء، ولذا فليس من مصلحة مصر ارسال هذه القوات.
وأمام هذا الواقع برز صوت عقلاني من الداخل المصري، تمثل في دعوة الأزهر الشريف لحقن الدماء، والدفع بجهود المصالحة، وقد تلقفت صنعاء هذه الدعوة بالترحيب وأبدت استعدادها لذلك، فيما لم يصدر عن السعودية أي موقف.
وتعاطى الجمهور المصري في الأيام الماضية باستياء مع حديث رئيسهم ولا سيما في ظل كلامه بأنه هذه الخطوة تأتي “طبقاً لتوجيهات الملك سلمان وابنه ولي العهد محمد”، مشيرين إلى أن القاهرة تواجه تحديات أمنية متزامنة في محيطها الإقليمي، من بينها التوترات المرتبطة بإثيوبيا وإريتريا، فضلاً عن مخاطر التصعيد في التهديدات الإسرائيلية، وأنه ليس من مصلحة مصر الولوج في حرب مع اليمن، مع استبعاد الأولويات الهامة.
سلوك مصري حذر
واتسم السلوك المصري خلال هذه الفترة بالحذر، مع مؤشرات على رغبة القاهرة في الابتعاد عن المحاور الإقليمية الساخنة، وفتح مسارات أخرى في سياستها الخارجية، من بينها تطوير العلاقات مع الجمهورية الإسلامية في إيران بدلاً من استمرار القطيعة، واتخاذ خطوات في علاقتها مع الصين.
لكن السيسي يشير في خطابه إلى ما وصفه بالمعروف الذي قدمته السعودية والإمارات والكويت لمصر خلال السنوات التي أعقبت أحداث عام 2011، من خلال التمويل الاقتصادي والمساعدات، قبل أن يعلن استعداد القاهرة للوقوف إلى جانب الرياض لحمايتها، ويعطي هذا الربط بين الدعم السابق والتعهد بالمشاركة بعداً سياسياً واقتصادياً للإعلان، إذ يضعه ضمن سياق العلاقة بين المساعدات الخليجية والالتزامات التي قد تتوقعها الرياض من القاهرة.
وتتعدد صور المشاركة المصرية المحتملة، ويبرز بينها إرسال وحدات من الجيش المصري إلى الحد السعودي الجنوبي، قد تبدأ بالمئات ثم ترتفع إلى الآلاف تبعاً للمعطيات الميدانية، وتستند هذه الفرضية إلى أن المشاركة البشرية قد تكون الصيغة الأكثر قابلية للتطبيق، في ظل محدودية القدرات المصرية في مجال الدفاعات الاعتراضية والتسليح النوعي الذي يمكن أن يقدم قيمة مضافة للقدرات السعودية، التي تعتمد بشكل كبير على القدرات العسكرية البريطانية والأمريكية.
وقد تشمل المساعدة أيضاً تقديم الخبرات والاستشارات والتدريب والمعلومات الاستخبارية، وهي مجالات كانت قائمة بالفعل قبل الإعلان الأخير، كما يمكن أن تتخذ المشاركة صورة أخرى، تتمثل في المساهمة في توزيع دفاعات جوية لحماية المنشآت النفطية، على غرار ما تفعله فرنسا، أو تعزيز الانتشار البحري المصري في البحر الأحمر وباب المندب.
ولا تزال طبيعة الإجراءات التي ستتخذها القاهرة مرتبطة، – بحسب تصريحات السيسي- بطلب سعودي، لكن هذا الشرط لا يحسم ما إذا كانت الرياض قد طلبت بالفعل أشكالاً محددة من الدعم، كما لا يستبعد أن يكون الإعلان المصري محاولة لتخفيف الضغوط السياسية والإعلامية عن السعودية، وإظهار أن المملكة تحظى بمساندة عربية في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن تصور سيناريو أول، يقوم على بقاء المشاركة المصرية ضمن نطاق محدود، سواء عبر إرسال قوات إلى الأراضي السعودية، أو توفير دعم دفاعي لحماية المنشآت، أو تعزيز الانتشار البحري في البحر الأحمر وباب المندب، ويستند هذا السيناريو إلى تأكيد القاهرة بأن دورها دفاعي، وإلى ما يفرضه تجنب الانخراط في عمليات هجومية من ضرورة ضبط طبيعة المشاركة وحدودها، وفي هذه الحالة، قد تسعى مصر إلى التواصل مع صنعاء لتوضيح موقفها والتأكيد أنها لن تنفذ أعمالاً عدائية، بما يقلل احتمال تحول المشاركة الدفاعية إلى مواجهة مباشرة.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل بقيام مصر بدور الوساطة لإيقاف الحرب بين اليمن والسعودية من خلال دعوة الأزهر الشريف، لكن هذا السيناريو ليس لديه مؤشرات للقبول أو النجاح ولا سيما في ظل الرغبة السعودية بالاستمرار في التصعيد ضد اليمن، وعدم الجنوح نحو السلام.
أما السيناريو الأخير، فيتمثل في الزج بالجيش المصري في معارك داخل اليمن، وهذا سيجلب مشاكل ومتاعب كبيرة على القاهرة التي قد تتعرض لهجوم عسكري من قبل اليمن رداً على هذه المشاركة، وقد تقدم صنعاء على تعطيل قناة السويس من خلال استهدافها بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، واغلاق مطار القاهرة، وهذا سيتسبب بمشاكل لا حدود لها للرئيس السيسي مع شعبه، وهو سيناريو مستبعد ولا يتوقعه اليمنيون.
تبقى المملكة العربية السعودية في مأزق كبير في تصعيدها مع اليمن، فالإنجازات لها حتى اللحظة (صفرية) فيما تعرض أمنها القومي ومنشآتها الحيوية للخطر جراء استمرار العمليات اليمنية النوعية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، بينما الميدان داخل اليمن يصب في صالح أنصار الله وقوات صنعاء التي تسيطر على الكثير من الأراضي من يوم إلى آخر.
