إقليميات

نتنياهو يسرّب سيناريو الحرب.. لمن تُوجَّه الرسالة قبل انتخابات أكتوبر ونوفمبر؟

بقلم د. محمد الايوبي

ليست المصادفة هي ما جمع هذه الثلاثة في أسبوع واحد، بل الحساب السياسي الدقيق. فما قُدِّم على أنه “مفهوم جديد للأمن القومي” لم يكن وثيقة استراتيجية بقدر ما كان رسالة متعددة العناوين: إلى الناخب “الإسرائيلي” المتردد، وإلى طهران، حيث تتقاطع حسابات المفاوضات مع معادلات الردع والضغط المتبادل، وإلى البيت الأبيض الذي يضع تقويمه فوق تقويم الآخرين، وإلى المؤسسة الأمنية التي بدأت تتحرك خارج إيقاع رئيس الوزراء.

أولاً: عقيدة نتنياهو الجديدة.. حرب بلا نهاية واستقلال بلا واشنطن

ما عرضه نتنياهو في مؤتمره ليس تعديلاً تكتيكياً على عقيدة سابقة، بل إعادة تأسيس لعلاقة “إسرائيل” بالخطر. نلخصها في ثلاثة محاور وهي: (المحور الأول: منع نشوء التهديدات قبل تحوّلها إلى قدرات فعلية، وهو ما يعني ضمناً أن إسرائيل لم تعد تنتظر حتى تتشكل القدرة لتضربها، بل تضرب ما قبل القدرة. المحور الثاني: توسيع العمليات خارج الحدود، ليس كردّ فعل، بل كوضع دائم. المحور الثالث: تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في التسليح، مع ربط ذلك صراحةً بتجربة تقييد الإمدادات الأمريكية خلال الحرب الأخيرة. المحور الرابع: إسقاط النظام الإيراني كهدف استراتيجي معلن، وليس مجرد إضعافه، مع ادّعاء إنجاز 90% من المهمة، وإقرار بأن النظام ما زال قادراً على قمع الاحتجاجات).

لكن الأخطر في العرض ليس ما قيل، بل ترتيب التهديدات. فالسلاح النووي الإيراني احتل المرتبة الأولى، لكن المسيّرات الصغيرة تجاوزت الصواريخ الباليستية إلى المرتبة الثانية – وهذا تحوّل جوهري. فنتنياهو لم يحدّد المشكلة في المسيّرات القادمة من الحدود، بل في تلك التي تُطلق من داخل الأراضي “الإسرائيلية” نفسها، من مدن وتجمعات سكانية، بما يتجاوز الدفاعات المصممة أصلاً لاعتراض التهديدات الخارجية. وخصّ بالذكر المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية، والمتصلة بالشبكات الخلوية، والأسراب المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وأقرّ بأن بناء حاجز أمني حدودي لا يحل مشكلة الإطلاق من الداخل. أما المرتبة الرابعة، فذهبت إلى التهديدات السيبرانية والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية، مع هدف معلن بوضع إسرائيل بين القوى الثلاث الأولى عالمياً في هذه المجالات.

وربط نتنياهو هذا كله بإنفاق دفاعي مستهدف بنحو 450 مليار شيكل خلال عشر سنوات، وتوسيع التصنيع المحلي للذخائر، ونقل منشآت صناعية وتكنولوجية حساسة إلى مواقع محصنة تحت الأرض. والرسالة الضمنية واضحة: “إسرائيل” تريد أن تكون قادرة على خوض حرب واسعة دون أن تنتظر إذناً من واشنطن. لكن المفارقة أن هذا “الاستقلال” المعلن لا يمكن أن يتحقق عملياً إلا بغطاء أمريكي، على الأقل في المرحلة الانتقالية. فالعقيدة التي تُعلن التحرر من واشنطن هي نفسها التي تحتاج واشنطن لتمويلها وضمان استمرارها.

ثانياً: إسرائيل تعدّ للحرب وواشنطن تؤجّلها.. من يحكم قرار المواجهة؟

في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول، كان من المفترض أن تبدأ حملة قصف متعددة الأيام على إيران، تتجاوز في شدتها الهجوم الأمريكي – “الإسرائيلي” المشترك الذي بدأ في فبراير/شباط 2026. كانت الخطة، كما كشفت “فايننشال تايمز” نقلاً عن ثلاثة مطلعين على الخطط العسكرية، تشمل محطات توليد الكهرباء والبنية التحتية المدنية، إلى جانب المنشآت النووية وأهداف مرتبطة بالنظام. وقد أمر نتنياهو الجيش مطلع أكتوبر بإعدادها، وقدّم مسؤولون “إسرائيليون” بنك أهداف محدّثاً جُمعت معلوماته عبر مصادر استخبارية جديدة، وشمل منشآت مدنية لم تُقصف في الحرب السابقة.

لكن الحملة لم تُنفذ. السبب لم يكن فشلاً استخبارياً أو عسكرياً، بل قرار أمريكي: ترامب رفض استئناف الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر. وأكدت نائبة المتحدث باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، أن الولايات المتحدة “لن تهاجم إيران في أي وقت قبل انتخابات 3 نوفمبر”. لكن التصريح، على الرغم من حزمه، لم يتضمن التزاماً بعدم تنفيذ الضربات بعد الانتخابات. وهنا تكمن المنطقة الرمادية التي تتحرك فيها إسرائيل: واشنطن تؤجل، لكنها لا تُلغي. والمصدر المطلع لخّص الخيارات بعبارة واحدة: “إما اتفاق وإما هجوم”.

وفي هذا السياق، تأتي زيارة وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث السرية إلى “إسرائيل” يوم الاثنين 19 أكتوبر، في قاعدة عوفدا الجوية، بحضور شخصيات إماراتية، ولقاء استمر وقتاً طويلاً على نحو غير معتاد. ونتنياهو نفسه وصل إلى القاعدة بطائرة خاصة بدلاً من مروحية، وغاب عن مباراة بيتار القدس ومكابي تل أبيب – خلافاً لخطته الأصلية – وهي تفاصيل تكشف أن ما جرى في عوفدا لم يكن بروتوكولياً. وفي اليوم التالي، أعلن الجيش “الإسرائيلي” إجراءات استنفار استثنائية تشمل منع خروج الجنود من جميع الوحدات اعتباراً من 22 أكتوبر، وتعزيز حضور كبار الضباط في غرف العمليات، وزيادة القوات في الضفة الغربية. وأكد رئيس الأركان إيال زامير أن الهدف “ضمان إجراء الانتخابات في موعدها وبأمان”، وأن الجيش “في أعلى درجات الاستعداد دفاعياً وهجومياً”، مع عدم امتلاكه معلومات استخبارية محددة عن هجوم إيراني خلال الأيام المقبلة.

فمن يحكم قرار المواجهة إذن؟ الظاهر أن ترامب يملك حق الفيتو المؤقت. لكن الباطن يقول إن نتنياهو يملك حق المبادرة. وبين الاثنين، تقف المؤسسة الأمنية “الإسرائيلية” في موقف لم تعتده: تنفّذ استعدادات لحرب قد تُطلق لأسباب سياسية، وتخشى في الوقت نفسه أن تُربك هذه الحرب العملية الانتخابية.

ثالثاً: فلماذا العقيدة الأمنية الجديدة..

طموحات إقليمية أكبر من ضمانات واشنطن

العقيدة التي عرضها نتنياهو لا تتوقف عند إيران. فالخريطة التي طرحها تُدخل السودان وأرض الصومال وبونتلاند وإثيوبيا ضمن دائرة قريبة من المحور “الإسرائيلي – الإماراتي”، مقابل محور آخر يضم السعودية وتركيا ومصر وباكستان. والأهم أن هذا التقسيم لا يتعلق بالبحر الأحمر وباب المندب فقط، بل بإعادة رسم النفوذ في القرن الأفريقي. وفي هذا الإطار، وصف نتنياهو تركيا بقيادة أردوغان بأنها مركز لمحور “الإخوان المسلمين”، وحذر من احتمال تقاربها مع المحور الإيراني، وكشف أن “إسرائيل” منعت محاولة تركية لتوسيع انتشارها العسكري داخل قاعدة جوية في سوريا. وأقرّ باختلاف موقفه من أردوغان عن موقف ترامب، لكنه أكد رغبته في تجنب مواجهة عسكرية مباشرة مع أنقرة.

واللافت أن العقيدة الجديدة لا تكتفي بالولايات المتحدة شريكاً. فقد ذكر نتنياهو الهند ودولاً في أمريكا اللاتينية وأوروبا ضمن خيارات توسيع العلاقات، وأقرّ بوجود اتصالات أمنية مع دول تنتقد “إسرائيل” علناً، دون أن يكشف أسماء جميع الشركاء أو التزاماتهم. وهنا يظهر جوهر التحول: “إسرائيل” تريد تحالفات معاملاتية، لا تحالفات قيمية. تريد شركاء يشترون التكنولوجيا ويشتركون في المعلومة، لا شركاء يوقّعون على مبادئ. وهذا يفسر لماذا وضع نتنياهو التأثير في الرأي العام الدولي ضمن الأمن القومي، وأعلن تطوير أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لمواجهة الحملات الرقمية المعادية، واتهم شبكات روسية وإيرانية بالمشاركة فيها، وكشف أن الهجمات الأوكرانية على مراكز بيانات “ياندكس” داخل روسيا أدت، وفق ادعائه، إلى انخفاض النشاط الرقمي الروسي المعادي لـ “إسرائيل” بنحو 60%.

لكن الطموحات الإقليمية الأكبر من الضمانات الأمريكية تصطدم بحدين: الأول أن أي حرب واسعة على إيران لا يمكن خوضها دون غطاء أمريكي، على الأقل في التزود بالوقود جواً والدفاع الصاروخي. والثاني أن “الاستقلال” في التسليح يحتاج سنوات، لا أشهراً. فالعقيدة التي تُعلن التحرر من واشنطن هي، في الوقت نفسه، العقيدة التي تحتاج واشنطن أكثر من أي وقت مضى.

رابعاً: لماذا قد تتحول الحرب المؤجلة إلى مأزق نتنياهو؟

هنا تتقاطع كل الخيوط. حيث أنه “يقدّم البيت الأبيض الوضع الاقتصادي والعسكري الإيراني باعتباره شديد الصعوبة، في محاولة لتأكيد فاعلية الحصار والضغط الأمريكيين. غير أن هذا التقدير لا يكفي وحده للحكم على قدرة طهران على مواصلة المواجهة أو على نتائج أي هجوم جديد”. لكن التسريب نفسه – أي كشف خطة العاشر من أكتوبر – قد يكون أداة ضغط على طهران في المفاوضات، لا إعلان نية حرب. فمن يريد الحرب حقاً لا يسرّب خطته قبل أسبوعين من تنفيذها. ومن يريد الضغط في المفاوضات يسرّبها في التوقيت الذي يُحدث أكبر أثر.

لكن الرسالة لا تُوجَّه إلى إيران وحدها. فهي تُوجَّه أيضاً إلى الناخب “الإسرائيلي”: “أنا الوحيد الذي يملك خطة، وأنا الوحيد الذي يعرف متى يضرب ومتى ينتظر”. وتُوجَّه إلى ترامب: “أنا جاهز، وأنت تؤجل، فمن يتحمل مسؤولية التأخير؟”. وتُوجَّه إلى المؤسسة الأمنية: “القرار السياسي هو الذي يحكم، لا القرار العسكري”. وتُوجَّه إلى آيزنكوت: “أنت تتحدث عن لجنة تحقيق، وأنا أتحدث عن بنك أهداف”.

لكن المفارقة الكبرى أن الحرب المؤجلة قد تتحول إلى مأزق انتخابي لنتنياهو نفسه. فإذا ضَرَبَ قبل الانتخابات، سيُتهم بتوظيف الحرب انتخابياً. وإذا انتظر، سيواجه سؤالاً عن جدية خطته. وإذا خسر الانتخابات، سيبقى رئيساً لحكومة انتقالية تملك صلاحية قانونية لإطلاق عمليات عسكرية – وهو سيناريو وصفته “فايننشال تايمز” بأنه غير مسبوق تقريباً في التاريخ “الإسرائيلي”، ولا يُعرف كيف ستتعامل معه القيادات الأمنية الحالية. وقد عيّن نتنياهو شخصيات موالية له على رأس الموساد والشاباك، بينما تراجعت المكانة العامة لقيادة الجيش بسبب إخفاقات السابع من أكتوبر والهجمات السياسية والإعلامية المتواصلة عليها. وهذا يعني أن السؤال ليس فقط “هل ستضرب إسرائيل إيران؟”، بل “من سيأمر بالضرب إذا كان رئيس الحكومة قد خسر الانتخابات؟”.

وفي الخلفية، يبدو المشهد الأمريكي أكثر تعقيداً. فترامب أعلن تأييده المباشر لنتنياهو، وحذر من احتمال اضطرار الولايات المتحدة إلى مواجهة إيران منفردة إذا تولى قيادة “إسرائيل” شخص آخر، ونشر نتنياهو تسجيلاً لمحادثة مع ترامب من قاعدة جوية تعهدا فيها باستكمال المهمة ضد إيران. لكن نائب الرئيس جي دي فانس امتنع، في مقابلة مع مارك هالبرين، عن تأييد نتنياهو، وقال إنه يركز على دعم المرشحين الأمريكيين استعداداً لانتخابات التجديد النصفي، وإنه لا يتدخل في الانتخابات “الإسرائيلية”. هذا التباين بين ترامب وفانس ليس تفصيلاً؛ إنه إشارة إلى أن الدعم الأمريكي لنتنياهو ليس موقفاً مؤسسياً، بل موقف شخصي قد يتغير بتغير الحسابات.

وهكذا، فإن الحرب المؤجلة ليست فقط خطة عسكرية تنتظر إشارة. إنها قنبلة موقوتة سياسياً: قد تنفجر في وجه ترامب، وقد تنفجر في وجه نتنياهو. والرسالة التي سُرّبت قبل أسبوع من انتخابات أكتوبر وقبل أسبوعين من انتخابات نوفمبر، ليست رسالة حرب، بل رسالة وقت. من يملك الوقت يملك القرار. ونتنياهو، الذي بنى مسيرته على إدارة الأزمات، يجد نفسه هذه المرة أمام أزمة لا يستطيع تأجيلها إلا إذا كان هناك من يريد تأجيلها معه. والسؤال الذي سيحسمه الصندوقان – “الإسرائيلي والأمريكي” – ليس “هل ستقع الحرب؟”، بل “من سيدفع ثمن تأجيلها؟”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *