طبول الحرب تقرع من جديد.. واشنطن وتل أبيب تخططان لعدوان جديد على إيران
بقلم ابتسام الشامي
بينما تقرع تل أبيب وواشنطن طبول الحرب من جديد، تبقى طهران على صمودها السياسي ويدها على الزناد، ومن زار العاصمة الإيرانية خلال الأيام الماضية من الوسطاء، أدرك أن الحصار الاقتصادي الذي فرضه الرئيس الأمريكي لم ينجح في زعزعة صمودها..
وهي إذ تتكيف مع نتائجه القاسية فإن خطوط إنتاج القدرة للتعامل مع أي عدوان جديد، لا تتوقف فحسب وإنما تزداد تطوراً بما يمكّن قواتها العسكرية من الرد على المعتدين وإيلامهم بقوة أكبر.
تصعيد في الرسائل والتحركات
لم يكد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، ينهي زيارته إلى إيران حيث حمل رسالة عن استعداد موسكو المساعدة في خفض التوتر بين واشنطن وطهران، حتى زار الأخيرة قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، الوسيط الذي ذاع صيته في مفاوضات بين الجانبين الأمريكي والإيراني، أفضت إلى توقيع مذكرة تفاهم في حزيران الماضي، سرعان ما انقلبت عليها الولايات المتحدة مفضلة خيار التصعيد عبر زيادة الضغوط الاقتصادية على الجمهورية الإسلامية من بوابة الحصار الشامل، الذي اعتبره الرئيس الأمريكي وأركان إدارته بمثابة “إنزال” اقتصادي من شأنه أن يدفع إيران مرغمة إلى تقديم تنازلات.
وبينما ترددت معلومات تفيد بأن الوسيط الباكستاني حمل رسالة تحذير إلى القيادة الإيرانية بدت أقرب إلى الإنذار بضرورة الاستجابة للمطالب الأمريكية، وإلا فإن الحرب لا ينقصها سوى قرار الرئيس، جدّدت إيران التأكيد على أن الأولوية بالنسبة إليها يجب أن تكون لإنهاء الحرب والحصار وفتح مضيق هرمز، وذلك بخلاف ترتيب الأولويات الأمريكية التي تقدم الملفّ النووي، باعتباره شرطاً مُسبقاً لإنهاء الحرب ورفع الحصار.
وترافقت رسائل التصعيد الأمريكي ضد الجمهورية الإسلامية في إيران مع تحركات عسكرية أمريكية واسرائيلية، وإذ أفادت شبكة “فوكس نيوز”، نقلاً عن مسؤولين أمريكيين، بأن مجموعة حاملة الطائرات “ثيودور روزفلت” والوحدة الاستكشافية الثالثة عشرة لمشاة البحرية الأمريكية تتجهان إلى الشرق الأوسط، حيث سينضم نحو 10 آلاف بحار وعنصر من مشاة البحرية إلى القوات الأمريكية الموجودة في المنطقة، أورد موقع “أكسيوس”، نقلاً عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين، أن عشرات المقاتلات الإسرائيلية أجرت طلعة جوية، الإثنين الماضي، وصولاً إلى حدود إيران. ووفق المسؤولين، اتبعت المقاتلات الإسرائيلية “مساراً فوق سوريا والعراق يتوافق مع ضربة ضد إيران”. ونقل الموقع عن المسؤولين قولهم إن تل أبيب “أخطرت واشنطن بأن العملية تدريب يهدف إلى استعراض القوة وردع إيران عن مهاجمة إسرائيل”، على حد تعبيرهم.
ويبدو التصعيد ضد إيران في هذه المرحلة حاجة إسرائيلية ملحة لدرجة أن تل أبيب قد تقدم عليها منفردة، وفق ما أفادت به صحيفة “فايننشال تايمز” مشيرة إلى أن “إسرائيل” كانت تستعد لشن هجوم يستمر عدة أيام، ويستهدف البنية التحتية المدنية والمنشآت النووية والمواقع الحكومية في إيران، لكن معارضة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حالت دون تنفيذه في العاشر من تشرين الأول الجاري. ووفقاً للصحيفة البريطانية، فلا يزال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يسعى إلى استئناف تلك الهجمات.
وفي السياق نفسه، قال مصدر مطلع لشبكة “آي 24 نيوز” الإسرائيلية إن نتنياهو والقيادة السياسية الإسرائيلية يرون ضرورة التحرك سريعاً ضد إيران، بينما يفضل كبار المسؤولين الأمنيين الانتظار قبل اتخاذ أي إجراء. وأضاف المصدر أن المسؤولين الأمنيين أكدوا استعدادهم لتنفيذ العملية فور تلقي الأوامر.
وتأتي المعلومات بشأن احتمال إقدام العدو على تنفيذ عدوان ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، عقب لقاء غير معلن جمع وزير الحرب الأمريكي، بيت هيغسيث، بنتنياهو في التاسع عشر الجاري، وسط تكهنات بشأن الزيارة، تراوحت بين أن تكون قد هدفت إلى فرملة الاندفاعة الاسرائيلية، أو جاءت في إطار التنسيق المسبق بين الجانبين بشأن احتمال استئناف العمليات العدوانية ضد إيران، علماً أن الاحتمال الأخير مرجح أكثر في الإعلام الأمريكي، وهو ما تحدثت عنه صحيفة نيويورك تايمز، مشيرة إلى أن الجيشين الأمريكي والإسرائيلي أعدا خططاً محددة لشن ضربات جديدة على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في الثالث من تشرين الأول المقبل. ونقلت الصحيفة الأمريكية عن مسؤولين أمريكيين وأشخاص آخرين أُطلعوا على المداولات المتعلقة بهذه الخطط، أن الجيشين كثفا تدريباتهما على مناورات الهجوم. ومن المرجح وفقاً للصحيفة أن تشمل الأهداف البنية التحتية للطاقة في إيران، والمنشآت النووية، وترسانة الصواريخ والطائرات المسيّرة. أما عن الأهداف المتوخاة من تجديد العدوان، فيرى مسؤولون أن “جولة أخرى واسعة من الهجمات قد تدفع الاقتصاد الإيراني إلى حافة الانهيار، وتجبر البلاد على تقديم تنازلات دبلوماسية بعد نحو ثمانية أشهر من الصراع”.
إخفاقات الحرب الماضية
وبينما يتركز النقاش الإعلامي والسياسي في الولايات المتحدة وكيان العدو حول موعد استئناف العدوان، والتسويق الدعائي أن ضربة جديدة لإيران أشد قوة مما سبق يمكن أن تخضعها وتفرض عليها تنازلات على طاولة التفاوض، تذهب بعض المقاربات الاستراتيجية إلى قراءة نتائج الجولة الماضية من الحرب بوصفها فشلاً مؤثراً في صورة القوة الأمريكية وما تفرضه من هيمنة ونفوذ على العالم. في هذا السياق، يرى الكاتب في مجلة فورين أفيرز “ويليام إتش. مكرافن” أن الحرب على إيران لم تكن المرّة الأولى التي يفشل فيها صنّاع القرار الأمريكيون في إدراك حدود القوة الأمريكية. لكن “استخدام إدارة ترامب القوة العسكرية ضد الجمهورية الإسلامية منذ 28 شباط يقدم مثالاً صارخاً بصورة خاصة على خطأ لطالما ميز الاستراتيجية الأمريكية في العقود الأخيرة. فقد شُنت الحرب من دون مبرّر واضح، وبمجموعة من الأهداف المتغيرة باستمرار، بدءاً من تغيير النظام في طهران والقضاء على طموحاتها النووية، وصولاً، في الآونة الأخيرة، إلى إعادة فتح مضيق هرمز، الذي لم يُغلق أصلاً إلا بعد بدء الحرب. ولم تكن النتائج، كما هو متوقّع، سيئة للمصالح الأمريكية والشرق الأوسط على حدّ سواء”.
وبعد سرد محطات من تاريخ التدخلات العسكرية الأمريكية في دول العالم، يتحدث الكاتب بما يمكن وصفه استنتاجات وعِبَر من الحرب على إيران، عما يقيد القوة الأمريكية، ويقول إن “المؤسسة العسكرية الأمريكية اليوم هي أفضل قوة مسلحة وأكثرها احترافاً في تاريخ العالم، لكن هذا لا يعني أن بإمكاننا تجاهل حدود قوتنا. وأضاف “ستقيّدنا الجغرافيا. فمهما بلغت التطوّرات التكنولوجية، ستظلّ الجغرافيا عاملاً حاسماً في تحديد نتائج أي مواجهة. ويدرك كل قائد عسكري أن طبيعة الأرض تحدد كيفية قتال العدو، وأماكن تمركز قواته، وكيفية إمداد جنوده. فالمحيطات والأنهار تشكل حواجز طبيعية أمام القوات المتقدمة، كما أنّ طبيعة الأرض والممرات المائية تحد من قدرة القوات المهاجمة على المناورة، والسيطرة على الأرض، وإعادة الإمداد، وبسط القوة. وستقيّدنا أيضاً إرادة العدو. فهناك “عملاق نائم” في كل مجتمع، سينهض من سباته ويقاتل بشراسة، مدفوعاً بإحساسه بعدالة قضيته، أو برغبته في البقاء، أو بكليهما. فالغزاة والمعتدون وأولئك الذين يوجّهون الضربة الأولى يثيرون جميعاً رد فعل غريزياً وعميقاً لدى الشعوب التي يسعون إلى استرضائها. كذلك ستقيّدنا ممانعتنا لنشر قوات برية. فلا أحد في أمريكا يريد أن يفقد شبابنا وشباتنا في ساحة معركة أجنبية. وستقيّدنا حدود الوقت. وهذا ليس قيداً يقتصر على الولايات المتحدة، لكننا نبدو أكثر معاناة منه مقارنة بمعظم الدول. وإذ يُقال إن الروس مستعدّون لأكل العشب قبل الاستسلام. فإن سمعة الولايات المتحدة، هي أنّنا سنسأم القتال عاجلاً أم آجلاً وننسحب، وينبع جزء كبير من هذه السمعة من حقيقة أن نظامنا الديمقراطي يتطلب دعماً شعبياً للحفاظ على انخراط عسكري طويل الأمد. وحتى عندما يكون هناك سبب مقنع لإرسال شبابنا وشباتنا إلى المعركة، فإن التكلفة بالأرواح والأموال قد تتجاوز سريعاً إحساسنا الجماعي بضرورة خوض القتال”.
وليس بعيداً عن هذا التقدير، يتوقف كينيث بولاك، نائب رئيس السياسات في معهد الشرق الأوسط، في مقالة له في مجلة فورين بوليسي عند التحولات التي أحدثتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مشيراً إلى ان تلك التحولات تتجاوز ساحات القتال، إذ تهدد بإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط والعالم، بما في ذلك تعزيز قدرة طهران على تهديد خصومها على الرغم من الخسائر التي تكبدتها. وأضاف قائلاً إن الحرب على إيران قد تشكل نقطة تحول تاريخية تعيد رسم قواعد الجغرافيا السياسية، محذراً من أن نتائجها الإستراتيجية طويلة الأمد ربما تكون أكثر خطورة من تداعياتها العسكرية المباشرة. وبحسب الكاتب، وهو محلل عسكري سابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، فإن الحرب أظهرت فعالية أنظمة الدفاع الغربية في اعتراض معظم الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، لكن تسرُّب نسبة محدودة منها كان كافياً لإلحاق أضرار كبيرة، وإثارة مخاوف اقتصادية ونفسية في دول الخليج.
أما بشأن ما يصفه الكاتب بالتحول الإيراني بفعل نتائج الحرب، فإنه لا يستبعد أن تعزز الحرب نفوذ طهران بدلاً من تقويضه، وذلك بعد أن تعلمت أن تهديد مضيق هرمز واستهداف حلفاء واشنطن يمكن أن يفرض كلفة اقتصادية ونفسية كبيرة على كل الأطراف. ويرى بولاك أن صعود من وصفهم بالمتشددين داخل الجمهورية الإسلامية، قد يجعل التوصل إلى اتفاق نووي أكثر صعوبة، خصوصاً إذا اقتنعوا بأن امتلاك السلاح النووي وحده هو الذي سيمنع هجمات مستقبلية. مشيراً إلى أن الدعم الروسي والصيني قد يساعد إيران على إعادة بناء ترسانتها وتحسينها. لذلك، فإن إنهاء الحرب دون ردع قدرتها على تعطيل الملاحة وتهديد الخليج قد يجعلها أكثر تأثيراً إقليمياً ودولياً، على الرغم من خسائرها العسكرية.
خاتمة
قد تلجأ الولايات المتحدة الأمريكية وكيان العدو مجدداً إلى الحرب ضد إيران، لكن نتائجها ليست مضمونة. وإذا كانت واشنطن قد نجحت في تسويق الحرب الماضية بوصفها ضرورة للقضاء على قدرات إيران النووية والصاروخية، فإن تكرار الرئيس الأمريكي تبجحاته بشأن الانجازات المدّعاة للحرب، يطرح الكثير من علامات الاستفهام حول ضرورتها، مع ارتفاع مستوى المخاطر من تداعياتها على مستقبل الوجود الأمريكي في المنطقة، وما يتركه ذلك من تأثير في الملفات التي تضعها في دائرة أمنها القومي.
