عاصفة الضّياع
بقلم غسان عبد الله
… وأودّعُ الصّحراءَ، صحراءَ ذنوبي، متّجهاً إلى الشطآنِ، فالروح استعادت لونها القدسيّ، أذكر أنني، خبّأتها يوماً بلبّ الليلِ، أذكر أنّني واجهتها بحقيقةِ الذنوبِ، في وضح النّهارْ أعدو.. وتسبقني المسافة والطريق طويلةٌ والبحر يخفي ماءهُ.. خلف الجبالْ.
وأشمُّ منْ خلف السّتارِ، ملوحة الأيّامِ والأوقاتُ رَطّبها النّدى، وكأنّني – والريح تصرخ – /والسماء كئيبة/ ضيّعتُ خارطة الطّريق وربّما الأمطارُ أتلفتِ الزروع، وغيّرتْ /بهجومها المجنون/ شكلَ الأرجوانِ، وأفسدتْ ما نظمتهُ الأرضُ، والحّراسُ، يقتلعون أعمدة الرّخامْ.
واللّيلُ لا يخفي الحقيقةَ خلفَ أسوار الظلامِ، فللنهارِ الشّمسُ والإشراقُ والفجرُ النديُّ، كأنّ مزرعةَ الشّموع، تزفُّ أغنيةَ الصّباح، وللصباحِ رسالةُ الأملِ الكبير، وللعصافيرِ استراحاتُ المدى. وأريدُ أن أتسلّقَ الجدران، فاللّونُ الرّماديُّ العقيمُ أضاف للقلبِ السقيمِ العُقْمَ، والعاشقُ في ليالي السَّحَرِ، يحتمي بمدينةِ الأحلام، والأسوارُ عرّاها الخريفُ، ولا بديلَ لفرحةٍ، ترجوها شفةُ السّؤالْ. وأريدُ أن ألقى الجدارَ بلونهِ الأصليِّ أمحو كلَّ ما كتبتْ ذنوبي على صفحاتهِ.. أحميهِ منْ زيفِ الشعاراتِ المليئة، بالعواطف والعظاتْ..
أرداني حبُّ التوبة، والروضةُ الروحية، والطّريقُ، والبعدُ، يرفلُ، والشرايين استعادتْ سيلها، والروحُ بارقةُ التأمّل، والسّماءُ شديدةُ الدّوران، والأشواقُ أغنيةُ العصافير، التي رحلتْ إلى المدن البعيدةِ، تحتمي بمدينةِ الصفصافِ، شتّتها صهيلُ الرّيح، راحلةُ المدى وملاحمُ التبديل؛ يأسرها الضّياعْ. سأودِّع الشّطآن، متّجهاً إلى الصّحراء، متّكئاً على أضلاعِ مَنْ جرفتهُمْ الأحلامُ، والشّمسُ المضيئة، ربّما تحنو على جسدي، وتمنحُهْ النّقاءْ. وأودّع الشهداءَ، حيثُ تجمّعوا، وأخيطُ مِنْ جنح الظلامِ قصيدتي، وأقولُ للشّعراء: إنّ الّليلَ، لا يخشى سوى مُرِّ القصائدِ، والدّماءَ يردّها سيْل الدّماءْ.
لا بدّ منْ شَجرٍ من توبة.. يُغطّي عراءَ الغاباتِ، فالصّيفُ، الشّتاءُ، الرّيحُ، عاصفةُ الشّمال، تمزّقُ الأثوابَ، عّنْ ملامحِ الطبيعةِ، والحياءُ يغور في جوفِ العراءْ. وكأنّما الأيّامُ تورقُ بالشّموس، وأنّ أسماءَ العاشقين، ترسمُ اللوحاتِ، لكلِّ الأسماء، وروضُ الروحِ يعتذر.. والمنفى يردّ الاعتذارْ.
