فضاءات فكرية

الوطنُ بين الفردِ والمؤسسة نقدُ الزّعامة المُلهَمة وتأسيس المَواطنة الفَاعلة

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

والمواطنة ليست مجرد صفة قانونية تُمنح للفرد بحكم الولادة أو التجنيس، بل هي علاقة سياسية حقوقية حيّة متجددة بين الفرد ودولته، تقوم على مجموعة حقوق وواجبات متبادلة، وعلى شعور داخلي بالانتماء والمسؤولية تجاه الجماعة الوطنية؛ وبالتالي حين تغيب هذه الفكرة أو تتراجع، يتحول الوطن إلى مجرد جغرافيا تُدار من الأعلى بنخبوية مكلفة، وينزوي الفرد إلى موقع المتفرج والمنفعل السلبي الذي يتلقى القرارات ولا يصنعها، فتضعف الشرعية ويتراجع الإحساس بالانتماء، لتبدأ تداعيات الانهيار في العلاقة مع الدولة نتيجة شعور الفرد بالعزل والإقصاء والتهميش.

وحضور الفرد – المواطن في الشأن العام لا يتحقق بالشعارات والعواطف الوطنية الفارغة، بل عبر قنوات مؤسسية حقيقية من برلمان منتخب بصلاحيات فعلية، وأحزاب سياسية قادرة على تمثيل المصالح وتأطير النقاش، ونقابات وجمعيات مدنية تعبّر عن مصالح المهنيين والمناطق والفئات الاجتماعية، ومجالس محلية منتخبة تمكّن المواطن من المشاركة في القرار القريب منه. هذه المؤسسات هي المدرسة الأولى للمواطنة، يتعلم فيها الفرد أن صوته يُحسب، وأن المشاركة ليست ترفاً بل ضرورة للحضور النوعي الفاعل. كما أن المواطنة لا تنحصر في المجال السياسي، بل تمتد إلى الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في العمل، وفي التعليم، وفي الصحة، وفي الإعلام، وفي حماية البيئة.. فالمواطن الفاعل هو من يساهم في بناء مدرسة أفضل، وحي أفضل وأرقى، واقتصاد أكثر عدالة، لا من ينتظر الدولة وحدها لتفعل كل شيء، وهو يقف متفرجاً كذات منفعلة لا إرادة لها.

ومع ذلك، فإن المواطنة الفاعلة لا تُبنى إلا في ظل سيادة القانون واستقلال القضاء وحرية التعبير والتداول السلمي للسلطة، وحماية الحقوق الأساسية من التعليم والصحة والسكن والكرامة. فحين يشعر المواطن أن مؤسسات بلده تحميه وتستمع إليه وتستجيب لمطالبه المشروعة، فإنه يندفع للمشاركة، ويصبح شريكاً في بناء وطنه لا خصماً عليه. أما حين تُغلق القنوات أو تُهمّش المؤسسات، فإن المواطنة تتحول إلى عبء، ويبحث الفرد عن ولاءات بديلة. وبهذا المعنى، فإن بناء الوطن ليس مشروعاً فوقياً، بل عملية يومية متواصلة يشترك فيها المواطن والمؤسسة والدولة، وتظل المواطنة الفاعلة هي الركيزة التي لا يقوم وطن ولا يزدهر شعب إلا عليها.

إذاً إن وجود الفرد كذات حرة فاعلة هو أساس الوطن ودعامته الجوهرية، أما الافتراضَ القائل بأنَّ الوطن (أي وطن) إذا خلا من زعيمٍ فخيم وقائد ملهم، يصبح والعدم سواء، فهذا افتراض ينتمي بالكامل إلى عالم ما قبل اختراع الدولة بالمفهوم القانوني الحديث الذي تفجرت عنه تحولات عصور الأنوار وما بعدها من سيرورات معرفية وفلسفية وسياسية واجتماعية وعلمية.. وهذا التصور ما قبل حداثي وما قبل وطني، لا ينبع من فكر سياسي عقلاني خلاق ومبدع، بل من حالة مستعصية من الكهنوت السياسي المغلق، حيث يُقدَّم الزعيم لا كمسؤول عن إدارة شؤون الدولة (استناداً للقانون والدستور طبعاً، لا لمزاجه ومصالحه)، بل ككائن مقدس تتجسدُ فيه إرادة الجماعة كلها. وهذه العقيدة الفاسدة الموروثة من عهود التخلف التاريخي تُسوَّق للناس على أنها حقيقة بديهية، بينما هي في جوهرها محاولة لإحلال الشخص محل المؤسسة، ولإحلال الولاء الفردي محل المواطنة القانونية، ولإحلال الانتماء الهوياتي التاريخي محل الانتماء الوطني.

وفي هذا التصور، يُريد الزعيم – وإرادته علية فوقية نخبوية – أن يُنظر إليه كما لو كان يقول: “أنا الوطن والوطن أنا”. إنها صيغة تتجاوز حدود التمثيل السياسي المشروع، لتدخل في منطقة التقديس والتجديف معاً. فالزعيم هنا لا يمثل الوطن، بل يحلّ فيه ويحلّه فيه، حتى يصبح الوطن مجرّد امتداد لشخصه، وشخصه مجرد تجسيد لوهمٍ اسمه “الوطن”. وهذه الصيغة تذكّرنا بمصير الحلاج الذي قُتل مصلوباً بتهمة التجديف في الذات الإلهية، حين قال ما قاله في مقام الألوهية. لكن الفارق أن الحلاج كان يتحدث يومها عن علاقة الإنسان بالله، أما هنا فالحديث عن علاقة الإنسان بالوطن، وهو ما يجعلُ التجديف سياسياً هذه المرة، لا دينياً فحسب. وهو أخطر بكثير لأنه تجديف سياسي بحقوق الناس، وازدراء لقوانين البلدان والتلاعب بمقدراتها وخدمة المصالح الخاصة للذات السياسية العليا..!!.

إن هذا النمط من التفكير لا يقتصر على كونه خطأً نظرياً، بل هو خطر عملي على مجمل حياة ومسيرة أي وطن. فهو يُفرغ الدولة (أية دولة) من معناها القانوني المفترض أنه يقوم على الحقوق والواجبات، ويُحلّ محلها شخصاً يُعتبر مصدر كل شيء: الشرعية، والقرار، والمستقبل.

وحين يصبح الوطن مرتهناً بوجود زعيم بعينه، فإن غيابه -لأي سبب- يُصبح كارثة وجودية، لا مجرد تغيير سياسي. وهكذا يُختزل الوطن في فرد، وتُختزل الدولة في شخص، ويُختزل الشعب في جمهور. وهذا هو جوهر الكهنوت السياسي: أن تُقدَّم السلطة كأنها مقدسة، وأن يُقدَّم الزعيم كأنه الوطن نفسه، لا كمسؤول مؤقت عنه.

ونحن هنا لا نتكلم من فراغ، فالأمثلة على ما تقدم كبيرة وواسعة، خاصة في عالمنا العربي الذي ما زال خاضعاً لنمط مغلق من التجربة السياسية التي تدور فيها الدول في فلك القيادة الملهمة والزعامة العليا بوصفها جوهر الحكم ومركزه، حتى بات الفرد القائد أو الملك أو الزعيم الملهم هو محور النظام السياسي ومعيار شرعيته، فمن الزعيم التاريخي الذي يُقدَّم بوصفه “قائداً ملهماً” وبانياً للأمة، إلى الملك الذي تُصاغ حوله رواية “الزعامة العليا” التي تجعل من شخصه ضامناً لوحدة البلاد واستقرارها، إلى الرئيس الذي يُمنح صفات شبه أسطورية في الخطاب الرسمي والإعلامي.. وفي كل هذه النماذج، يُلاحظ أن الأنظمة المغلقة تعيد إنتاج الفكرة نفسها: أن الحكم ليس مؤسسات وقوانين وإجراءات، بل شخص وفرد و”زعيم” يمتلك الحكمة والبصيرة والقدرة على القيادة.

وهذا النمط ليس مجرد انعكاس لثقافة سياسية سائدة، بل هو أيضاً نتاج بنية مؤسسية مصممة لإفراغ المؤسسات من مضمونها. فالبرلمان، حين يوجد، يتحول إلى غرفة تصديق على قرارات القائد والزعامة العليا؛ والحزب الحاكم (القائد للدولة والمجتمع) يصبح أداة لتنظيم الولاء لا لصناعة السياسات؛ والقضاء يفقد استقلاله حين يتعلق الأمر بمصالح الزعيم أو أسرته أو دوائر نفوذه. وحتى الإعلام والخطاب الديني والتعليم، تُوظَّف جميعها لبناء صورة الزعيم الملهم الذي لا يُسأل ولا يُحاسب (كونه فوق القانون بل هو القانون)، والذي يُفترض أنه يعرف ما لا يعرفه الشعب، وأنه الأب الحاني والراعي الحكيم. وبهذا تتحول “القيادة الملهمة” من صفة قيادية إلى أيديولوجيا سياسية تُبرر احتكار السلطة وتُطيل أمدها.

ومع ذلك، فإن هذه الصورة ليست ثابتة ولا مطلقة. فالتاريخ العربي الحديث والمعاصر يعج بأمثلة على “زعماء ملهمين” انتهوا إلى الفشل أو الإطاحة أو الانهيار، لأن الكاريزما وحدها لا تصنع دولة، ولأن الزعامة العليا -حين تُبنى على شخص واحد- تصبح هشة أمام الموت أو المرض أو الأزمات الكبرى.. كما أن المجتمعات العربية نفسها لم تتوقف عن إنتاج أصوات تطالب بالدولة المدنية والمؤسسات والدستور، وبتحويل المواطن من رعية تابع إلى شريك حقيقي. والدرس الأهم أن الوطن الذي يقوم على فرد لا على مؤسسات، سرعان ما يتحول إلى وطن قابل للانهيار والتفكك مع أول غياب لذلك الفرد، في حين أن الأوطان التي تقوم على المواطنة والقانون والمؤسسات تبقى قادرة على تجاوز غياب أي قائد، ومواجهة أي تحديات داخلية أو خارجية. ولهذا فإن الخروج من دائرة “الزعيم الملهم” ليس ترفاً فكرياً تنظيرياً، بل ضرورة للبقاء والحضور، وشرط لازم لبناء دولة حديثة يكون فيها الحُكم للشعب وللمؤسسات، لا للأفراد ولو كانوا (ولن يكونوا) ملهمين وزعماء حقيقيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *