نتنياهو وآيزنكوت في مأزق متبادل.. هل تقود الأزمة إلى انتخابات جديدة؟
بقلم د. محمد الايوبي
صباح اليوم التالي للاقتراع، بدا المشهد “الإسرائيلي” كأنه لوحة معلّقة بين نتيجتين: رقم يقول إن بنيامين نتنياهو تقدّم، ورقم آخر يقول إنه لم يفز. فقد حصل معسكره على 53 مقعداً مقابل 48 لمعسكر غادي آيزنكوت، لكنه في الوقت نفسه خسر أحد عشر مقعداً من قوة ائتلافه البرلمانية السابق، وظل على مسافة ثمانية مقاعد من العتبة السحرية.
وفي المقابل، لم يخسر آيزنكوت المعركة، لكنه لم يربحها أيضاً؛ فهو يحتاج إلى ثلاثة عشر مقعداً إضافياً إذا أراد حكومة بلا الأحزاب العربية. وبين الرقمين، ارتفعت القوائم العربية إلى 19 مقعداً في سابقة هي الأولى في تاريخ الكنيست، وبلغت نسبة التصويت 77.7%، وهي الأعلى منذ عقود. فمن ربح الانتخابات إذن؟ الجواب المباشر: لا أحد. والجواب الأعمق: من سيُدفع ثمن هذا “لا أحد”؟.
كيف خسر نتنياهو على الرغم من تقدمه؟
التوزيع التفصيلي يكشف هشاشة “التقدم” الذي يتحدث عنه الليكود. فمعسكر نتنياهو يتشكل من الليكود (26)، وشاس (7)، ويهدوت هتوراه (7)، وعوتسما يهوديت (7)، والصهيونية الدينية (6). أي أن 27 مقعداً من أصل 53 – أكثر من نصف المعسكر – تعود إلى أحزاب دينية وحريدية ومتطرفة، وليس إلى الليكود نفسه. وهذا يعني أن نتنياهو لم يعد زعيم كتلة يمينية متنوعة، بل زعيم ائتلاف تقوده حاجاته إلى أحزاب تضع شروطها قبل برنامجه. وهو يحتاج إلى ثمانية مقاعد إضافية، لكن الأحزاب اليمينية الصغيرة التي كان يراهن عليها فشلت في تجاوز نسبة الحسم، ما يعني أن خياراته الحسابية ضاقت إلى حدّ الاختناق.
والمفارقة أن نتنياهو حقق أكبر عدد من المقاعد بين الأحزاب المنفردة، لكن هذا لا يمنحه تفويضاً. فتشكيل الحكومة في “إسرائيل” لا يُحسم بعدد مقاعد الحزب الأول، بل بقدرة المرشح على جمع 61 توقيعاً. وهنا يظهر الفارق بين “الفوز الانتخابي” و”الفوز الحكومي”: الأول يقاس بالصندوق، والثاني يقاس بالتفاوض. ونتنياهو، الذي بنى حملته على أنه “الرجل الوحيد القادر”، يجد نفسه الآن رهينة أحزاب لا يستطيع التخلي عنها ولا يستطيع الاعتماد عليها وحدها.
آيزنكوت: الفائز الذي لا يستطيع الحكم
على الجانب الآخر، يبدو آيزنكوت في موقع أقرب إلى المفارقة: فقد خاض الانتخابات ضد نتنياهو، ونجح في تقليص الفارق إلى خمسة مقاعد، لكنه لم يحصل على ما يكفي للحكم. فمعسكره يضم “يشار” (21)، و “بياحد” (12)، والديمقراطيين (8)، و”يسرائيل بيتينو” (7) – أي 48 مقعداً -. ويحتاج إلى ثلاثة عشر مقعداً إضافياً، وهي متوفرة حسابياً في المقاعد العربية (19)، لكنها محجوبة سياسياً.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية. فالقائمة العربية الموحدة “راعم” بقيادة منصور عباس أبدت انفتاحاً واستعداداً للعمل مع تكتل آيزنكوت، وعرضت القائمة المشتركة توفير “شبكة أمان” من الخارج لإسقاط حكومة نتنياهو. واستطلاع لمركز “أكورد” في الجامعة العبرية أظهر أن 61% من ناخبي معسكر المعارضة يؤيدون تشكيل حكومة بالتعاون مع “راعم”. لكن آيزنكوت لم يُبدِ علناً أي استعداد حتى لمجرد بحث هذا الاحتمال، مكتفياً بالحفاظ على مسافة، بينما يرفض أفيغدور ليبرمان وجدعون ساعر أي حكومة تعتمد أيديولوجياً أو سياسياً على كتل عربية.
والمفارقة أن المعارضة التي بنت حملتها على “إسقاط نتنياهو” هي نفسها التي ترفض الأداة التي قد تُسقطه. فآيزنكوت لا يستطيع الحكم من دون العرب، ولا يستطيع الاعتماد عليهم من دون أن يُتهم بـ “الانقلاب على الإرادة اليهودية”. وهذه ليست أزمة تكتيكية، بل أزمة بنيوية: فمن يريد إزاحة نتنياهو يحتاج إلى أصوات يُرفض الاعتراف بشرعيتها السياسية. والنتيجة أن آيزنكوت، على الرغم من تقدمه، يبقى محاصراً بين حساباته الانتخابية وقناعاته السياسية.
الأحزاب العربية: 19 مقعداً تصنع التاريخ ولا تصنع حكومة
وصول القوائم العربية إلى 19 مقعداً ليس حدثاً هامشياً؛ فهو يغيّر قواعد اللعبة حسابياً، لكنه لا يغيّرها سياسياً. فارتفاع التمثيل العربي إلى هذه النسبة، في كنيست لا يمتلك فيه أي معسكر أغلبية، يمنح هذه القوائم وزناً تفاوضياً يصعب تجاهله. وقد بدأ منصور عباس يطرح نفسه “صانع ملوك”، بعد تجربة سابقة حين أصبح أول حزب عربي ينضم إلى حكومة “إسرائيلية” بين 2021 و2022. وفي المقابل، ترفض الجبهة العربية للتغيير المشاركة المباشرة في حكومة، لكنها مستعدة لمنح “شبكة أمان” من الخارج.
لكن هذا الوزن الحسابي يصطدم بجدار سياسي. فبعض شركاء آيزنكوت يرفضون التعاون مع الأحزاب العربية، ونتنياهو نفسه حذّر الناخبين اليهود من أن “التصويت للمعارضة قد يجلب العرب إلى الحكومة”. وهكذا يجد العرب في الداخل أنفسهم أمام معادلة قاسية: أصواتهم قد تكون حاسمة في منع نتنياهو من الحكم، لكنها لا تُترجم إلى شراكة فعلية، بل إلى “شبكة أمان” تُستخدم ثم تُنسى. والأخطر أن هذا الوضع يُعيد إنتاج المعادلة القديمة: أن يُحتاج إلى الأصوات العربية انتخابياً، وأن يُستبعد أصحابها سياسياً. وهذا لا يعني أن منع نتنياهو من تشكيل الحكومة سيكون بلا أثر؛ لكنه يعني أن هذا المنع لا يُغيّر بالضرورة نهج الدولة تجاه الفلسطينيين، ولا يمسّ جوهر سياسات الاحتلال.
حكومة الوحدة: المخرج الذي يخشاه الطرفان
وسط هذا الانسداد، تعود فرضية حكومة الوحدة إلى الواجهة. واستطلاع نشر في 16 أكتوبر أظهر أن 55% من “الإسرائيليين” يفضّلون حكومة وحدة على انتخابات جديدة في حال عدم حصول أغلبية واضحة. و”واشنطن بوست” كشفت أن مقربين من ترامب ناقشوا، بصورة غير معلنة، احتمالية حكومة تناوب بين نتنياهو وآيزنكوت، حتى لو حلّ معسكر نتنياهو خلف معسكر آيزنكوت. كما نقلت عن مسؤول في الليكود أن نتنياهو قد يُلزم آيزنكوت بالانضمام إلى حكومة وحدة إذا عادت الحرب ضد إيران، وهو طرح يستثني تحالفاً كبيراً مماثلاً الأحزاب العربية.
لكن هذا السيناريو يصطدم بعقبتين. الأولى أن آيزنكوت أعلن رفضه القاطع المشاركة في حكومة يرأسها نتنياهو، وقال إنه “سيستقيل خلال ساعة” إذا تحقق ذلك، قبل أن يخفف لهجته لاحقاً. والثانية أن سابقة 2020 تحضر بقوة: فبيني غانتس، الجنرال المتقاعد مثله، خاض الانتخابات ضد نتنياهو ثم وافق على التناوب، فانهار الائتلاف قبل انتقال السلطة بعد عام واحد، وسط اتهامات لنتنياهو بأنه أسقط الحكومة لمنع غانتس من تولي المنصب. والنتيجة أن حكومة الوحدة تبقى ممكنة كأهون الشرّين، لكنها ليست مرجّحة كخيار أول؛ فالثقة المفقودة بين الرجلين ليست عارضاً شخصياً، بل بنية علاقة.
الطريق المسدود: لماذا تبدو الانتخابات الجديدة الأقرب؟
إذا فشل المرشح المكلف في تشكيل ائتلاف خلال 28 يوماً، مع إمكانية تمديد 14 يوماً، فإن الكنيست ينحل تلقائياً وتذهب “إسرائيل” إلى انتخابات جديدة. وبينما يقول كثيرون إن هذا السيناريو “الأقرب إلى التحقق”، فإن الأهم هو ما يعنيه: بقاء نتنياهو رئيساً لحكومة تصريف أعمال، بصلاحيات محدودة، لكنها كافية لإدارة الملفات اليومية والاستعدادات الأمنية. وهذا يعني أن الأزمة لا تُحلّ، بل تُؤجَّل، وأن “إسرائيل” قد تعود إلى صناديق الاقتراع بعد أربع انتخابات سابقة بين 2019 و2021، في تكرار يُشير إلى أن الخلل ليس في النتائج، بل في بنية النظام نفسه.
وفي هذا السياق، تُجمل “أكسيوس” الصورة بعبارة واحدة: “نتنياهو خسر 11 مقعداً من قوة ائتلافه البرلمانية، على الرغم من تقدمه على المعارضة”. وهذا يعني أن مشكلته ليست مع آيزنكوت فقط، بل مع قاعدته نفسها. فائتلافه السابق كان يضم 64 مقعداً، واليوم يضم 53. والفرق ليس رقماً؛ إنه إشارة إلى أن اليمين لم يعد قادراً على تجديد ائتلافه القديم، وأن أي حكومة جديدة ستكون أضيق وأكثر هشاشة.
مأزق متبادل لا حلّ له
نتنياهو وآيزنكوت لا يواجهان أزمة انتخابية، بل أزمة شرعية. فالأول يملك أكبر حزب، لكنه لا يملك أغلبية. والثاني يملك فرصة تاريخية، لكنه لا يملك الجرأة على استثمارها. وبينهما، تقف الأحزاب العربية بوزنها الجديد، لكنها تبقى خارج معادلة الحكم الفعلي. وحكومة الوحدة، التي تبدو المخرج الأكثر عقلانية، تظل رهينة سابقة 2020 وانعدام الثقة. والانتخابات الجديدة، التي تبدو النتيجة الأكثر ترجيحاً، ليست حلاً بل إعادة إنتاج للأزمة.
والسؤال الأعمق ليس “من سيشكل الحكومة؟”، بل “هل يمكن تشكيل حكومة مستقرة في نظام لا ينتج أغلبية إلا عبر استبعاد خُمس المواطنين؟”. فـ “إسرائيل”، التي تصف نفسها بأنها “الدولة اليهودية الديمقراطية”، تجد نفسها اليوم أمام معادلة تكشف حدودها: لا يمكنها أن تحكم باليهودية وحدها، ولا أن تحكم بالديمقراطية وحدها، ولا أن تُنتج أغلبية من دون أن تُقرر، في كل مرة، من تُخرجه من المعادلة. والانتخابات القادمة، إذا جاءت، لن تُغيّر هذه المعادلة؛ ستُعيد فقط ترتيب من يدفع ثمنها.
