بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري
كانت الصراعات وما زالت إحدى أهم فعاليات النشاط البشري عبر مسيرة التاريخ كله، منذ فجر الخليقة وحتى يومنا هذا، ومن النادر أنْ تمر فترة زمنية من دون حدوث نزاعات أو اندلاع صراعات أو اشتعال حروب بين الجماعات البشرية، لسبب من الأسباب، حول أرض أو جغرافيا أو رمزيات روحية ودينية..
وقد شكلت الصراعات البشرية جزءاً أساسياً من مسيرة تاريخ هذه البشرية في كل أدوارها ومستويات علاقاتها مع محيطها، وتعددت أسبابها ومسبباتها بين السياسية والاقتصادية والاجتماعية..
ومع ذلك، يبرز دور العوامل الجغرافية والديموغرافية والتاريخية كمحركات ومنطلقات جوهرية لهذه الصراعات الناشبة.. فالجغرافيا تؤثر من خلال ما في الأرض والطبيعة من خيرات وموارد وثروات والاختلاف ومن ثم الصراع يندلع على توزيع الموارد والحدود الطبيعية، بينما الديموغرافيا ترتبط بالكثافة السكانية والتنوع العرقي وغير العرقي، وأما التاريخ فهو يحمل بين طياته إرثاً من النزاعات السابقة التي تشكل الهويات والمطالبات..
نعم، إن الحروب والنزاعات التي شكلت وجه البشرية منذ فجر التاريخ لم تكن مجرد أحداث عشوائية أو نتاج طموحات فردية للقادة فحسب، بل هي نتاج تفاعلات معقدة وعميقة لقوى كبرى غير مرئية في كثير من الأحيان.. وإذا ما نظرنا إلى الصراع كمسرحية، فإن الجغرافيا هي خشبة المسرح التي لا يمكن تغييرها، والتاريخ هو النص الذي يملي الحوارات والمظالم القديمة، والديموغرافيا هي توزيع الممثلين وكثافتهم وحركتهم على هذا المسرح.
الجغرافيا كمسرح طبيعي للصراع
لقد شكلت الجغرافيا الإطار المادي الذي دارت وما زالت تدور فيه وحوله الكثير من أحداث الصراعات والمنازعات.. وهنا يمكن القول بأن الجغرافيا ليست فقط مجرد خلفية سلبية، بل هي عامل أساسي وفعال ما فتئ يؤثر في بناء استراتيجيات الأطراف المتحاربة وتكتيكاتها ونتائج صراعاتها.
وتعد الموارد الطبيعية أحد المحركات الأساسية للصراعات عبر التاريخ.. فتنافس المجتمعات البشرية على الموارد المحدودة -كالمياه والأراضي الخصبة والمعادن الثمينة والطاقة والمواد الخام الأخرى- يشكل عاملاً صراعياً جوهرياً دائماً ومستمراً.. وهنا تشير دراسات عديدة إلى أن 40% من الصراعات الداخلية منذ عام 1950 كانت مرتبطة بالموارد الطبيعية المخزنة في باطن الأرض كالبترول والمعادن وغيرها.
فمثلاً تقدم الصراعات في منطقة دارفور بالسودان نموذجاً معاصراً لهذه الديناميكية، حيث تفاقم النزاع بسبب التصحر، وتدهور الأراضي، وتناقص الموارد المائية، الأمر الذي عمّق التنافس بين المجتمعات الرعوية والزراعية. وبالمثل، لعب النفط دوراً محورياً في صراعات عدة في الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث تحولت الثروة النفطية من مصدر للتنمية (أي من نعمة يفترض أن يكون لها انعكاسات إيجابية على صعيد حياة الفرد) إلى مورد للنزاع والاستقطاب (أي إلى نقمة على رؤوس الناس).
إذاً هي بشكل عام حروب الموارد:
1- حروب الطاقة: حيث شكل النفط والغاز العصب الرئيسي للحروب في القرن العشرين والحادي والعشرين. ولهذا تعتبر السيطرة على حقول الإنتاج وخطوط الأنابيب وممرات النقل (مثل مضيق هرمز ومضيق ملقا) مسألة حياة أو موت خاصة بالنسبة للدول الصناعية الكبرى.
2- حروب المياه: حيث يتوقع الخبراء أن تكون حروب المستقبل زرقاء، وليست سوداء (النفط). وقد لاحظنا كيف أن بناء السدود في دول المنبع (كما في حالة سد النهضة أو السدود التركية على دجلة والفرات) حلق ويخلق توتراً وجودياً مع دول المصب، مما يحول الجغرافيا النهرية إلى ساحة صراع محتمل.
كما ويشكل الموقع الجغرافي للدول عاملاً حاسماً في تحديد مدى تعرضها للصراعات والحروب.. فالدول ذات المواقع الاستراتيجية عند مفترقات طرق تجارية أو حدودية تتعرض غالباً لتدخلات خارجية ونزاعات إقليمية. وتُظهر دراسة التاريخ أن المناطق الجسرية الواصلة بين حضارات كبرى – كالبلقان والقوقاز وبلاد الشام – شهدت صراعات متكررة بسبب موقعها الاستراتيجي. وكمثال قريب معاصر، تعكس حالة أوكرانيا هذه الديناميكية بوضوح، حيث أصبح موقعها كمنطقة حدودية بين نفوذ روسيا والغرب مصدراً للصراع الجيوسياسي المتجدد.. وبالمثل، يظل مضيق هرمز وبحر الصين الجنوبي بؤراً للتوتر الدولي بسبب أهميتهما الحيوية للتجارة العالمية.
أيضاً تؤثر التضاريس بشكل عميق في طبيعة الصراعات وأساليبها وأدواتها.. فالجبال والغابات الكثيفة والصحاري تشكل ملاذات للمقاومين والمتمردين، كما حدث في حرب فيتنام حيث استُغلت التضاريس الصعبة لمواجهة القوات الأمريكية، أو في أفغانستان التي استعصت على غزاة كثر بفضل تضاريسها الجبلية الوعرة.
في المقابل، سهّلت السهول المفتوحة غزوات الجيوش النظامية وحركتها، كما شهدنا عبر تاريخ الإمبراطوريات الكبرى. كما شكلت المسطحات المائية -أنهاراً وبحاراً- حواجز طبيعية أو جسوراً للتواصل، وكان السيطرة عليها عاملاً استراتيجياً في صراعات لا حصر لها.
ويمثل التاريخ مخزون الذاكرة الجماعية الذي تستمد منه المجتمعات هوياتها ومخاوفها وتطلعاتها، وتستند عليه في مواجهاتها وصراعاتها ربما كدافع ومحرض.. وتلعب الروايات التاريخية والتجارب المتراكمة دوراً حاسماً في تشكيل تصورات المجتمعات عن نفسها وعن الآخرين، مما يؤثر في احتمالات الصراع أو التعاون.
وتمتد آثار الصراعات التاريخية عبر أجيال متعاقبة، حيث تتحول إلى جزء من الهوية الجماعية، وتُستدعى لتبرير مواقف وصراعات راهنة معاصرة.. فالنزاع العربي الإسرائيلي، على سبيل المثال، يتغذى على روايات تاريخية حول ملكية الأرض والهويات الوطنية، وهو صراع امتد ويمتد ويتعمق في التاريخ والجغرافيا، وسيبقى مشتعلاً ما لم يحل بشكل شامل وعادل.. كما أن ذكرى الحروب الصليبية لا تزال حاضرة في الخطاب السياسي والديني في بعض مناطق الشرق الأوسط، وحتى في الذاكرة الخلفية البعيدة للحضارة الغربية.
وفي أوروبا، شكلت ذاكرة الحربين العالميتين عاملاً محورياً في بناء مشروع الاتحاد الأوروبي كوسيلة لمنع تكرار الصراعات الدموية. لكن في الوقت نفسه، تظل الخلافات التاريخية بين دول مثل اليونان وتركيا حول قبرص، أو بين اليابان وجيرانها حول تفسير أحداث الحرب العالمية الثانية، مصادر للتوتر المستمر.
حول الحدود المصطنعة وإرث الاستعمار:
لقد لاحظنا كيف أن التقسيم الاستعماري للعالم خلّف – خصوصاً في إفريقيا والشرق الأوسط – حدوداً سياسية تجاوزت الانتماءات الإثنية والدينية والثقافية، ما ولّد بذور صراعات متفجرة دائمة ومستمرة. فعندما رسمت القوى الاستعمارية حدود سايكس-بيكو عام 1916، قسمت مناطق مترابطة تاريخياً، وخلقت كيانات سياسية هشة استمرت في الصراع على الهوية والشرعية وحتى على الموارد. وفي إفريقيا، ورثت معظم الدول حدوداً استعمارية قسمت جماعات إثنية بين دول متعددة، أو جمعت جماعات متنافسة في دولة واحدة، مما أسفر عن صراعات أهلية عديدة كما حدث في رواندا وجنوب السودان والكونغو الديمقراطية.
الديمغرافيا.. ديناميكيات السكان وعوامل الصراع:
تشكل التركيبة السكانية وتغيراتها أحد العوامل الحاسمة في تشكيل الصراعات، حيث تتفاعل عوامل كالتوزيع الإثني والديني، والهجرة، والتركيبة العمرية، والكثافة السكانية، مع العوامل الجغرافية والتاريخية لإنتاج بيئات صراعية أو مستقرة.
فعلى صعيد التنوع الإثني والديني والصراعات الهوياتية، نلاحظ أن التنوع الإثني والديني في منطقة، والذي يفترض أن يكون مصدر ثراءً ثقافياً وتنوع قيمي حقيقي، يصبح أيضاً مصدراً للصراع والخلاف، خاصة عندما تترافق الانقسامات الهوياتية مع تفاوتات اقتصادية أو سياسية. وتظهر الدراسات أن المجتمعات المنقسمة إثنياً أو دينياً تكون أكثر عرضة للصراعات، خاصة في غياب مؤسسات سياسية شاملة تضمن المشاركة العادلة للجميع.. حيث يكون هذا الانقسام باباً لدخول وتدخل الآخرين تحقيقاً لمصالحهم الخاصة.
وقد قدمت لنا حروب البلقان في تسعينيات القرن العشرين نموذجاً صارخاً لكيفية تحول التعايش الإثني التاريخي إلى صراع دموي تحت ضغوط سياسية واقتصادية. كما تظهر التوترات في ميانمار بين البوذيين والروهينغيا المسلمين كيف يمكن للاستبعاد السياسي والتمييز الاقتصادي أن يحولا الاختلاف الديني والإثني إلى صراع عنيف.. كما أظهرت لنا الكثير من الحروب العربية الداخلية في لبنان والعراق وسوريا صوراً متعددة ببنية ذاتية صراعية واحدة، عن مدى تغلغل حالة الانقسام الإثني والهويات الفرعية الخاصة في تلك المجتمعات، ووجود إمكانية دائمة للتفجر والصراعات واشتعال الحروب.. مع أن الحل والعلاج واضح وصريح، وهو بناء الدول المدنية، دول المواطنة والحقوق.
التحولات الديمغرافية والضغوط التنافسية
تولد التحولات الديمغرافية السريعة ضغوطاً على الموارد والخدمات والفرص، مما قد يخلق بيئة خصبة للصراعات. فالنمو السكاني السريع في ظل موارد محدودة، كما في بعض مناطق الساحل الإفريقي، يفاقم التنافس على الأرض والمياه والمراعي، ويغذي الصراعات بين الجماعات. كما تؤثر الهجرات الداخلية والخارجية في التركيبة الديمغرافية للمناطق، مما قد يخلق توترات بين السكان الأصليين والوافدين. وهذا ما نراه في صراعات عدة في إفريقيا حول الأراضي بين المجتمعات الرعوية المستقرة والمجتمعات الزراعية، حيث تفاقمت هذه الصراعات بسبب تغير أنماط الهجرة والتغير المناخي.
وتعد التركيبة العمرية للسكان عاملاً ديمغرافياً مهماً في فهم الصراعات.. فالمجتمعات ذات النسبة العالية من الشباب (ظاهرة “الانتفاخ الشبابي”) تكون أكثر عرضة للاضطرابات والصراعات، خاصة عندما لا تقترن هذه النسبة بفرص اقتصادية وتعليمية مناسبة. تشير دراسات عديدة إلى وجود علاقة إحصائية بين ارتفاع نسبة الشباب في المجتمع واحتمالات اندلاع صراعات عنيفة.
وما زالت منطقة الشرق الأوسط تقدم لنا نموذجاً معقداً للتفاعل بين الجغرافيا والتاريخ والديمغرافيا في إنتاج بيئة صراعية مزمنة وشبه مستعصية على العلاج الحقيقي.. فمن الناحية الجغرافية، يجمع المنطقة موقع استراتيجي بين قارات العالم القديم، وثروات نفطية هائلة، وموارد مائية شحيحة تتشاركها عدة دول.
وتاريخياً، تتداخل في المنطقة رواسب صراعات قديمة وحديثة: من الإمبراطوريات التاريخية إلى الاستعمار الأوروبي، وصراعات تأسيس الدولة القومية، والنزاع العربي الإسرائيلي.. وعلى الصعيد الديمغرافي، تتنوع المنطقة إثنياً ودينياً بين قوميات عديدة: من عرب وأكراد وفرس وأتراك، وسنة وشيعة ومسيحيين ويهود، مع تفاوتات اقتصادية حادة وتزايد سكاني سريع في بعض مناطقها.
ويتجلى تفاعل هذه العوامل في الصراع السوري، حيث تفاعلت الانقسامات الإثنية والدينية مع إرث تاريخي من الاستبداد السياسي الطويل، وضغوط ديمغرافية كالجفاف والهجرة الداخلية، وموقع جيوسياسي إقليمي ودولي حساس، لينتج أحد أكثر الصراعات تعقيداً ودماراً في القرن الحادي والعشرين..
إن الصراعات البشرية نادراً ما تكون نتيجة عامل واحد، بل هي حصيلة تفاعل معقد بين عوامل جغرافية وتاريخية وديمغرافية تخلق بيئات صراعية. ولكن بشكل عام لا يمكن فهم معظم الصراعات والنزاعات خاصة فيما يسمى بالعالم الثالث دون العودة إلى الحقبة الاستعمارية.. حيث أن الاستعمار لم يكتفِ فقط بنهب الموارد والثروات والقدرات الذاتية لتلك البلدان، بل تلاعب بالأنسجة الاجتماعية، وسحق أساسات التوافقات الاجتماعية التاريخية فيها. ومصادر التاريخ تذكر لنا كيف قام المستعمرون في كثير من الأحيان بتمكين أقلية عرقية أو دينية أو حتى سياسية ما لاستلام الحكم والتحكم بالناس والموارد، مما كرّس الانقسامات وخلق طبقات من الحقد التاريخي انفجرت فور خروج المستعمر.. وللأسف هذا التاريخ المسموم يجعل بناء عملية بناء الثقة مستحيلاً تقريباً.
ومن خلال هذا التحليل، يمكن استخلاص الاستنتاجات التالية:
1. الطبيعة التكاملية للعوامل: تعمل الجغرافيا والتاريخ والديمغرافيا كعناصر متكاملة في تشكيل الصراعات، حيث تحدد الجغرافيا الإمكانيات والقيود المادية، ويوفر التاريخ الإطار المرجعي للتفسير والشرعنة، وتشكل الديمغرافيا الديناميكيات البشرية الفاعلة.
2. الدور التفاعلي وليس الحتمي: لا تحدد هذه العوامل الصراعات بشكل حتمي، بل تخلق ظروفاً مواتية لاندلاعها، وعادة ما تحتاج إلى محرضات ومحفزات سياسية أو اقتصادية مباشرة لتحويل الإمكانية إلى واقع.
3. أهمية الفهم الشامل: يتطلب حل الصراعات المستدام فهماً شاملاً للعوامل الجغرافية والتاريخية والديمغرافية الكامنة، وليس فقط المعالجة السياسية أو العسكرية المباشرة.
4. ضرورة المقاربات المتكاملة للسلام: يجب أن تستند جهود بناء السلام إلى مقاربات تعالج التفاعل بين هذه العوامل، من خلال:
– القيام بجملة ترتيبات إقليمية تأخذ في الاعتبار الحقائق الجغرافية والتداخلات السكانية.
– مصالحات تاريخية تعترف بالمظالم المتراكمة وتعزز روايات مشتركة.
– سياسات ديمغرافية تعالج التفاوتات بين الجماعات وتوفر فرصاً للشباب.
– إدارة مستدامة للموارد الطبيعية تضمن العدالة بين الأجيال والجماعات.
5. التعلم من التاريخ دون الخضوع له: يتطلب التعامل مع التاريخ توازناً دقيقاً بين الاعتراف بالمظالم التاريخية وعدم الاستعباد لها، والانتقال من ثقافة الضحية إلى ثقافة المسؤولية المشتركة.
إننا نعتقد أن الصراعات البشرية المستمرة بأشكال متعددة، بقدر ما هي مدمرة، فهي تعكس أيضاً تعقيد الوجود الإنساني، وتشابك علاقته بالزمان والمكان والآخر.. وفهم هذا التعقيد ليس مجرد تمرين أكاديمي، بل ضرورة عملية لأي جهد جاد لبناء عالم أكثر سلاماً واستقراراً، ونفعاً لبعضه بعضاً.. أخيراً، وجب القول بأن الحلول السياسية السطحية التي تتجاهل حقائق الخرائط، وجراح الذاكرة، وأرقام السكان، محكوم عليها دوماً بالفشل.. والسلام المستدام يتطلب إعادة هندسة لتلك العوامل: ترويض الجغرافيا، التصالح مع التاريخ، واستثمار الديموغرافيا. وهذا ما يجب على الساسة وأصحاب القرار فعله وسلوك طريقه، لأن الصراع لا يؤدي إلا إلى مزيد من الخراب والدمار، ومنع إشادة عمران السلام الإنساني..