خسائر الولايات المتحدة تتكشف.. تجديد الحرب على إيران وصفة للمزيد منها
بقلم ابتسام الشامي
بينما يواصل الرئيس الأمريكي مناوراته السياسية لدفع إيران إلى تقديم تنازلات بعد فشل حربه العسكرية في إخضاعها، تتكشف المزيد من الحقائق حول الخسائر التي منيت بها الولايات المتحدة الأمريكية جراء الحرب، ما يفسر امتناعه حتى الآن عن اتخاذ قرار العودة إليها على الرغم من تهديده المتواصل بها.
تهديد متواصل بالحرب
منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في الثامن من نيسان الماضي، لم يغادر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دائرة تهديد الجمهورية الإسلامية في إيران بحرب جديدة تستهدف قدراتها الاقتصادية والعسكرية. وخلال الأيام الماضية أعلن أنه كان قاب قوسين أو أدنى من إعطاء الضوء الأخضر لبدء عملية عسكرية جديدة، قبل أن يؤجل “هجوماً عسكرياً كان مخططاً ضد إيران، وذلك استجابة لطلب من قادة السعودية، وقطر، والإمارات”، مشيراً في بيان له أن طلب زعماء الخليج “جاء لإعطاء فرصة لمفاوضات جادة تهدف للتوصل إلى اتفاق يضمن عدم امتلاك إيران لأسلحة نووية”، ولم يفوت الرئيس الأمريكي المناسبة لإعادة التحذير من أنه “أصدر توجيهاته للجيش الأمريكي بالاستعداد لشن هجوم شامل في أي لحظة إذا لم تسفر هذه المفاوضات عن نتيجة مقبولة”. ولئن اعتبرت تهديدات ترامب جزءاً من أدوات الضغط – ضمن أدوات أخرى بما في ذلك الحصار البحري – على طهران في إطار مسار إسلام أباد السياسي، فإن الكثير من المؤشرات تفيد أن ساكن البيت الأبيض بات يتهيب بالفعل العودة إلى الحرب، وفي حسابته والمحيطين به، تتقدم كلفة الحرب الماضية وتداعياتها الخارجية والداخلية لاسيما ما يرتبط بتراجع نسب تأييده في الأوساط الشعبية، وفشل الحرب الجديدة كما سابقتها في تحقيق هدف الإخضاع، المتمثل بتجريد الجمهورية الإسلامية من عناصر قوتها وتصفير برنامجها النووي. ومع إصرار طهران على تحصيل حقوقها وترجمة إنجازاتها العسكرية في مواجهة العدوان في الميدان السياسي يتعمق مأزق الرئيس الأمريكي، في ظل جدول زمني ضاغط لا يتيح أمامه الكثير من الخيارات، وهو ما لفت إليه المعلق العسكري في صحيفة هآرتس عاموس هرئيل، في إشارته إلى أن “الوضع الآن لا يزال كما كان في بداية نيسان الماضي، وترامب ليس متحمساً للعودة إلى حرب شاملة في إيران، النظام في طهران يرصد هذا وبذلك يمتنع عن تنازلات في المفاوضات بوساطة باكستان، والجمود المستمر في المحادثات من شأنه أن يتسبب في النهاية باستئناف الحرب خلافاً لغرائز الرئيس”. وإذ لفت الكاتب إلى أن الحكومة الإسرائيلية “معنية بالعودة إلى الحرب وتعتزم المشاركة فيها، وهي تتصرف كأن هذا القرار- قرار الحرب – قد اتخذ وسينفذ قريباً”، إلا أنه يؤكد الرئيس الأمريكي “يأمل أن الأمور ستنتهي بشكل مختلف هذه المرة عن الهجوم السابق. وفعلياً، خمسة أسابيع ونصف الأسبوع من الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية لم تؤد إلى تراجع إيران. وعدم النجاح هذا هو الذي ردع ترامب عن العودة إلى القتال حتى الآن”. مضيفاً أنه “في هذه الأثناء الساعة تدق. تبقّى ثلاثة أسابيع حتى بدء المونديال. وواضح أن ترامب، الذي يعاني من استطلاعات كارثية وارتفاع التضخم الاقتصادي في بلاده، يخشى خوض حرب بلا فائدة في الخليج بعدما أمل بتحقيق مكاسب سياسية داخلية” وشدد هرئيل أنه “كلما مرّ الوقت يتضح أن الحرب الحالية في إيران هي رهان أمريكي – إسرائيلي متطرف، استند إلى خطط عسكرية ليست مخبوزة وإلى آمال مفندة”.
إيران تستعيد قدراتها الصاروخية
ما انطوى عليه كلام المعلق العسكري الاسرائيلي عن ورطة الرئيس الأمريكي في الحرب على إيران بفعل تقديرات خاطئة عن قدرتها على الصمود والمواجهة، تؤكده أيضاً الخسائر الأمريكية الكبيرة التي منيت بها واشنطن بفعل صمود إيران في مواجهة العدوان الإسرائيلي الأمريكي المشترك. وهو ما وثّقته مجلة فورين بوليسي، مشيرة إلى أن ما أسمته الهجوم على إيران، حقق فحسب “قتل قادة بارزين، بمن فيهم المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، وتدمير قوات جوية وبحرية إيرانية، وتراجع قدرة إيران على إطلاق الصواريخ”. ولكن في مقابل هذه “الانجازات” تضيف المجلة الأمريكية “النظام لا يزال قائماً، ولكن بقيادة جديدة أكثر شباباً ورغبة في الانتقام”. واستشهدت بتقييمات الاستخبارات الأمريكية التي تفيد أن إيران لا تزال تحتفظ بـ 70٪ من مخزونها الصاروخي الذي كانت تمتلكه قبل الحرب، و70٪ من منصات إطلاقها المتنقلة، فضلاً عن قدرتها التشغيلية للوصول إلى أكثر من 90٪ من مواقعها الصاروخية على طول مضيق هرمز”. وبحسب المجلة فإن هذه المعلومة الأخيرة تعني أن إيران قادرة على مواصلة تعطيل حركة المرور عبر أهم ممر مائي في العالم في أي وقت في المستقبل. كما أن “طهران لا تزال قادرة على مهاجمة إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة في الخليج بالصواريخ”. والأمر الأكثر إثارة للدهشة بالنسبة لمجلة فورين بوليسي هو أن “إيران ما زالت تمتلك مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب، وإذا كان أحد أهداف الحرب هو ضمان عدم تمكن طهران مطلقاً من تطوير قنبلة نووية، فإن هذا الهدف ببساطة لم يتحقق”.
الخسائر العسكرية
وفي سياق متصل بإحصاء خسائر الولايات المتحدة الأمريكية التي تقوض خيارات الرئيس في التعامل مع الصمود العسكري والسياسي الإيراني، كشفت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، أن تقييمات صادرة عن وزارة الحرب الأمريكية “البنتاغون” أظهرت أن الجيش الأمريكي استهلك جزءاً كبيراً من مخزونه من الصواريخ الاعتراضية خلال المواجهة الأخيرة مع إيران، بمعدل يفوق ما استخدمته “إسرائيل” نفسها. ونقلت الصحيفة الأمريكية عن مسؤولين أمريكيين أن الولايات المتحدة أطلقت أكثر من 200 صاروخ دفاعي من منظومة “ثاد” لحماية “إسرائيل”، وهو ما يعادل تقريباً نصف إجمالي المخزون المتوافر لدى البنتاغون من هذا النوع من الصواريخ. وأوضحت التقييمات الأمريكية أن واشنطن تحملت العبء الأكبر في عمليات الدفاع الصاروخي خلال المواجهة، في وقت اعتمدت فيه “إسرائيل” بدرجة كبيرة على الدعم العسكري الأمريكي للتصدي للهجمات الإيرانية.
وبحسب ثلاثة مسؤولين أمريكيين تحدثوا للصحيفة، فإن القوات الأمريكية اضطلعت بالدور الرئيسي في اعتراض الصواريخ الباليستية الإيرانية خلال عملية “الغضب الملحمي” الأمر الذي أثار مخاوف داخل الأوساط العسكرية الأمريكية بشأن مدى جاهزية الجيش الأمريكي لتنفيذ التزاماته الدفاعية في مناطق أخرى حول العالم. مشيرة إلى أن الولايات المتحدة استخدمت كذلك أكثر من 100 صاروخ اعتراضي من طرازي “ستاندرد 3” و”ستاندرد 6″، أُطلقت من سفن حربية أمريكية منتشرة في شرق البحر المتوسط.
وفي قراءتها لتداعيات هذا الأمر، تشير صحيفة واشنطن بوست إلى أن “تراجع المخزون الأمريكي من الصواريخ الاعتراضية أثار قلق حلفاء واشنطن في آسيا، خصوصاً اليابان وكوريا الجنوبية، اللتين تعتمدان على المظلة الدفاعية الأمريكية في مواجهة التهديدات المحتملة من كوريا الشمالية والصين”. علماً أنه “في حال طُلب من الولايات المتحدة التدخل في جبهة أخرى – تايوان مثلاً – فستدخل المعركة وهي تعاني من نقص حاد في القدرات” وفق ما توضحه مجلة فورين بوليسي.
أزمة الطاقة
وإلى الخسائر العسكرية وتأثير ذلك في مساندة الحلفاء أو مواجهة التحديات، تشير المجلة الأمريكية أيضاً إلى الخسائر البشرية الناتجة عن الحرب، بوصفها من الخسائر المؤثرة في القرار الأمريكي لجهة استئناف الحرب، وتتحدث عن مقتل وجرح ما يفوق الأربعمئة جندي أمريكي، وسط أسئلة عوائل هؤلاء عن جدوى الحرب.
وفضلاً عن الخسائر المذكورة تعتبر الولايات المتحدة متسببة بأزمة الطاقة التي أطلت مرخية بثقلها على الاقتصاد العالمي بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي، حيث ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة بنحو النصف مقارنة بهذا الوقت من العام الماضي، في حين قفزت أسعار الديزل بنسبة 59٪.
وتوضح مجلة فورين بوليسي، أن السبب الجلي وراء أزمة الطاقة هو الحرب، إذ أدى “إغلاق مضيق هرمز إلى تقليص المعروض في سوق كانت تعاني من فائض كبير في السابق”.
خاتمة
إزاء ما تقدم فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يملك خياراً عسكرياً فعالاً لإنهاء الحرب على إيران، ولا هو قادر على القبول بشروطها لاتفاق سياسي، وجل ما يمكنه فعله في هذه المرحلة إلى إطلاق الأكاذيب والمزيد من المناورات السياسية التي لا تزيده وبلاده إلا غرقاً في وهم الاستسلام الإيراني.
