واشنطن تعيد تدوير نموذج الضفة في بيروت… تفكيك المقاومة تحت راية الدولة
بقلم د. محمد الايوبي
ليست المشكلة في أن تُرفع شعارات “الدولة” و”السيادة” و”حصرية السلاح”، فهذه المفاهيم تشكل في أي بلد طبيعي جزءاً من العقد الوطني الجامع، بل تكمن المشكلة في الجهة التي ترفعها، والتوقيت الذي تُرفع فيه، والوظيفة السياسية والأمنية التي يراد لها أن تؤديها.
حين تأتي هذه العناوين من واشنطن و “تل أبيب”، بالتزامن مع استمرار الحرب المفتوحة على لبنان، يصبح السؤال مشروعاً: هل المطلوب فعلاً بناء دولة لبنانية قوية، أم إعادة هندسة لبنان بما يخدم الأمن “الإسرائيلي” أولاً وأخيراً؟,
في الظاهر، تبدو المفاوضات الجارية في واشنطن حول وقف إطلاق النار وتمديد التهدئة، جزءاً من مسار دبلوماسي يهدف إلى منع انفجار شامل في المنطقة. لكن في العمق، تكشف الوقائع أن ما يجري يتجاوز بكثير حدود البحث عن تهدئة ميدانية مؤقتة، ليدخل في إطار مشروع استراتيجي متكامل تسعى الولايات المتحدة من خلاله إلى إعادة إنتاج نموذج الضفة الغربية في لبنان، ولكن بصيغة أكثر تعقيداً وخطورة.
المشروع لا يقوم على إنهاء الحرب بقدر ما يقوم على إعادة تعريفها. فبدلاً من المواجهة العسكرية المفتوحة التي أثبتت محدودية قدرتها على حسم الصراع مع حزب الله، تتجه واشنطن و”إسرائيل” نحو حرب طويلة متعددة الأدوات، عنوانها الظاهر “بناء الدولة”، أما جوهرها الحقيقي فهو تفكيك بيئة المقاومة تدريجياً، وتحويل مؤسسات الدولة اللبنانية إلى أداة ضغط داخلية تؤدي، ببطء وتدرج، الوظيفة التي عجزت عنها الطائرات والصواريخ.
تفاوض مع الدولة… وحرب على المقاومة
منذ بداية المسار التفاوضي اللبناني – “الإسرائيلي”، بدا واضحاً أن هناك معادلتين تسيران بالتوازي: التفاوض مع الدولة اللبنانية، واستمرار الحرب على حزب الله. هذه القاعدة لم تتغير يوماً، بل أصبحت أكثر وضوحاً بعد جولات واشنطن الأخيرة.
فالتمديد المتكرر لوقف إطلاق النار لم يمنع “إسرائيل” من توسيع عملياتها في الجنوب والبقاع، ولم يحل دون استمرار الاستهدافات الأمنية والعسكرية داخل العمق اللبناني. وهذا يكشف أن مفهوم “وقف إطلاق النار” نفسه يختلف جذرياً بين الأطراف.
بالنسبة إلى “تل أبيب”، المطلوب هو وقف نار من طرف واحد تقريباً؛ أي تجميد قدرة المقاومة على الرد أو المبادرة، مع احتفاظ “الجيش الإسرائيلي” بحرية الحركة الكاملة تحت عنوان “إزالة التهديدات”. أما واشنطن، فهي معنية أساساً بمنع توسع الحرب نحو بيروت الكبرى أو نحو المصالح الغربية والإقليمية، فيما تجد السلطة اللبنانية نفسها عالقة بين ضغوط الخارج وتعقيدات الداخل. بهذا المعنى، لا تبدو التهدئة سوى إطار مؤقت لإدارة الصراع، لا لإنهائه. الحرب مستمرة ولكن بأشكال مختلفة: عسكرية حيناً، أمنية حيناً آخر، واقتصادية ومالية وسياسية طوال الوقت.
من دايتون إلى بيروت
حين أعادت الولايات المتحدة تشكيل الأجهزة الأمنية الفلسطينية بعد انتفاضة الأقصى واغتيال ياسر عرفات، لم يكن الهدف الحقيقي بناء “دولة فلسطينية” بقدر ما كان إنشاء بنية أمنية قادرة على ضبط الداخل الفلسطيني ومنع أي عودة للمقاومة المسلحة.
ظهر يومها الجنرال الأميركي كيث دايتون باعتباره مهندس العقيدة الأمنية الجديدة للسلطة الفلسطينية، وهي عقيدة تقوم على فكرة أساسية: تحويل المقاومة من “حركة تحرر” إلى “تهديد أمني”. ومنذ ذلك الوقت، تشكل نموذج كامل في الضفة الغربية قائم على التنسيق الأمني، وضبط المجتمع، وملاحقة البنى المسلحة، مقابل وعود سياسية واقتصادية لم يتحقق منها شيء تقريباً.
اليوم، تحاول واشنطن إعادة تدوير النموذج ذاته في لبنان، مع إدراكها الكامل للفوارق الجوهرية بين الساحتين.
الرهان الأمريكي يقوم على تقوية مؤسسات الدولة اللبنانية، وخصوصاً الجيش والقوى الأمنية، ليس بوصفها مؤسسات وطنية مستقلة، بل باعتبارها الإطار الذي يجب أن يحتكر القوة والسلاح والقرار الأمني. ومن هنا يصبح شعار “حصرية السلاح” جزءاً من مشروع أوسع يهدف إلى إنهاء أي بنية عسكرية مستقلة عن الدولة، وفي مقدمتها حزب الله.
لكن المسألة لا تتوقف عند هذا الحد. فالمطلوب أميركياً ليس مجرد نشر الجيش جنوب الليطاني أو تعزيز حضوره الأمني، بل إعادة صياغة دوره ووظيفته وعقيدته على نحو يجعله شريكاً فعلياً في استراتيجية احتواء المقاومة.
الدولة كأداة صراع
المفارقة الكبرى أن الولايات المتحدة تتحدث عن “تقوية الدولة اللبنانية” في الوقت الذي تستخدم فيه أدوات الضغط المالي والاقتصادي لإضعاف لبنان بأكمله.
فواشنطن تربط أي دعم اقتصادي أو إعادة إعمار أو تسهيلات مالية بشروط سياسية وأمنية واضحة. صندوق النقد الدولي، مؤتمرات المانحين، المساعدات العسكرية، وحتى إعادة إعمار الجنوب، كلها تتحول إلى أدوات ابتزاز سياسي هدفها دفع لبنان نحو خيارات محددة تتعلق بالسلاح والمقاومة والعلاقة مع “إسرائيل”.
هنا تحديداً تتقاطع التجربة اللبنانية مع تجربة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. ففي الحالتين، يجري استخدام الاقتصاد لإعادة تشكيل البيئة السياسية والاجتماعية.
في الضفة، جرى نقل المجتمع الفلسطيني من اقتصاد مقاوم إلى اقتصاد استهلاكي مرتبط بالقروض والمساعدات والوظائف المشروطة بالاستقرار الأمني. أما في لبنان، فتسعى واشنطن إلى استغلال الانهيار المالي غير المسبوق لفرض معادلة جديدة تقول للبنانيين: لا مساعدات من دون سيطرة كاملة للدولة، ولا سيطرة كاملة للدولة في ظل وجود سلاح خارجها.
لكن المشكلة التي تواجه هذا الطرح أن لبنان ليس الضفة الغربية، وحزب الله ليس مجرد تنظيم مسلح معزول شعبياً أو سياسياً.
لماذا يختلف لبنان عن الضفة؟
تدرك واشنطن و “تل أبيب” أن استنساخ التجربة الفلسطينية في لبنان ليس مهمة سهلة، ولهذا تحاولان العمل بتدرج شديد، وباستخدام أدوات متعددة في الوقت نفسه.
فالجيش اللبناني، بخلاف الأجهزة الأمنية الفلسطينية بعد أوسلو، يمتلك عقيدة وطنية تعتبر “إسرائيل” عدواً أساسياً، وليس شريكاً أمنياً محتملاً. كما أن تركيبته الداخلية والطبيعة الحساسة للتوازنات اللبنانية تجعل من الصعب تحويله إلى أداة مواجهة مباشرة مع حزب الله من دون مخاطر انفجار داخلي واسع.
إضافة إلى ذلك، يتمتع حزب الله بامتداد سياسي وشعبي وطائفي وعسكري يجعل عزله أو محاصرته أكثر تعقيداً بكثير مما كان عليه الوضع في الضفة الغربية. الحزب ليس مجرد فصيل مسلح، بل جزء من بنية اجتماعية وسياسية عميقة الجذور، وله حضور إقليمي يتجاوز الحدود اللبنانية.
الأهم من ذلك أن أي محاولة لفرض مواجهة داخلية مع الحزب لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي الأوسع، الممتد من غزة إلى العراق وسوريا واليمن وإيران. وهذا ما يجعل أي مشروع لتفكيك المقاومة في لبنان مشروعاً محفوفاً بإمكانية الانفجار الإقليمي.
التنسيق الأمني بنسخة لبنانية
على الرغم من هذه التعقيدات، فإن المؤشرات المتزايدة تكشف وجود اتجاه أمريكي – “إسرائيلي” واضح نحو بناء صيغة من “التنسيق الأمني” في لبنان، حتى وإن لم تحمل الاسم نفسه.
الحديث المتكرر عن لجان أمنية، وآليات مراقبة، وتعزيز دور الجيش، وتبادل المعلومات، وتوسيع صلاحيات قوات الطوارئ الدولية، كلها عناصر تصب في إطار واحد: خلق منظومة أمنية تجعل أي نشاط عسكري للمقاومة تحت رقابة وضغط دائمين.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بالسلاح، بل بوظيفة الدولة نفسها. فحين تتحول المؤسسات الرسمية إلى جزء من استراتيجية تستهدف مكوناً لبنانياً أساسياً، فإن البلاد تدخل تلقائياً في مسار انقسام خطير.
ولهذا يبدو بعض الخطاب اللبناني الداخلي شديد الخطورة حين يتعامل مع استمرار الاستهداف “الإسرائيلي” لبيئة المقاومة باعتباره “ثمناً مقبولاً” مقابل حماية بقية المناطق اللبنانية من الحرب. فهذه المقاربة تعيد إنتاج الانقسام الوطني نفسه الذي استُخدم تاريخياً لتفكيك المجتمعات وإدخالها في حروب أهلية طويلة.
الحرب الناعمة بديلاً عن الحرب الشاملة
بعد شهور طويلة من المواجهة، بات واضحاً أن “إسرائيل” لم تنجح في تحقيق أهدافها الكبرى بالقوة العسكرية وحدها. فالحزب ما زال قائماً، والبنية القتالية للمقاومة لم تنهَر، والبيئة الحاضنة ما زالت متماسكة رغم الكلفة الهائلة للحرب.
لهذا السبب، تبدو واشنطن و “تل أبيب” اليوم أكثر ميلاً إلى استراتيجية “التفكيك البطيء”. أي الجمع بين الضغط العسكري المحدود، والحصار الاقتصادي، والعزل السياسي، وإعادة تشكيل البيئة الداخلية اللبنانية تدريجياً. إنها حرب طويلة النفس، تقوم على استنزاف المقاومة بدل محاولة سحقها دفعة واحدة.
وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن “الدولة” و”السيادة” جزءاً من معركة المفاهيم والروايات، لا مجرد نقاش دستوري أو قانوني. فالمطلوب ليس فقط نزع السلاح، بل إعادة تعريف فكرة المقاومة نفسها داخل الوعي اللبناني، وتحويلها من عنصر قوة وردع إلى عبء أمني وسياسي واقتصادي.
لبنان أمام مفترق خطير
المعضلة الحقيقية أن جزءاً من النخبة اللبنانية يبدو مستعداً للسير في هذا المسار، انطلاقاً من اعتقاد أن أي تسوية مع الغرب والعرب تمر حتماً عبر إنهاء ملف السلاح.
لكن هذا الرهان يتجاهل حقيقة أساسية: أن التجارب السابقة أثبتت أن تقديم التنازلات الأمنية لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار أو السيادة أو الازدهار الاقتصادي.
السلطة الفلسطينية نفسها، التي ذهبت بعيداً في التنسيق الأمني وتفكيك البنى المسلحة، لم تحصل في المقابل على دولة مستقلة ولا على سيادة حقيقية، بل وجدت نفسها أمام احتلال أكثر تغولاً واستيطاناً.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان اليوم ليس فقط الحرب “الإسرائيلية”، بل الانزلاق نحو انقسام داخلي حول وظيفة الدولة ودورها وحدود علاقتها بالمقاومة.
فإذا جرى تحويل الصراع من مواجهة مع “إسرائيل” إلى مواجهة بين الدولة والمقاومة، فإن لبنان سيكون أمام لحظة شديدة الخطورة قد تهدد وحدته الداخلية نفسها.
بين الواقعية والانتحار السياسي
لا أحد ينكر أن لبنان يحتاج إلى دولة قوية وقادرة وعادلة، ولا أحد يستطيع تجاهل حجم الأزمات التي يعيشها البلد على المستويات كافة. لكن بناء الدولة لا يمكن أن يتم عبر استنساخ وصفات أمنية صيغت أساساً لخدمة الأمن “الإسرائيلي”.
كما أن معالجة ملف السلاح لا يمكن أن تتحول إلى مدخل لتفجير الداخل اللبناني أو إعادة إنتاج تجربة الضفة الغربية بكل ما حملته من انقسامات وإخفاقات.
المطلوب لبنانياً ليس إدارة الصراع الداخلي بالوكالة عن الخارج، بل بناء مقاربة وطنية شاملة تعترف بتعقيدات الواقع اللبناني والإقليمي، وتحاول إنتاج صيغة توازن جديدة تحمي الدولة ولا تدفع البلاد نحو الانهيار.
حتى الآن، ما زالت الفرصة قائمة لمنع الانزلاق إلى هذا السيناريو. فالحوار الداخلي، مهما كان هشاً، يبقى أقل كلفة بكثير من مشاريع التفكيك التي تُرسم في العواصم الخارجية.
أما الرهان على أن الضغط الأمريكي و”الإسرائيلي” قادر وحده على إنتاج “لبنان جديد”، فهو رهان يتجاهل طبيعة هذا البلد وتركيبته وتاريخه، كما يتجاهل حقيقة أثبتتها كل حروب المنطقة: أن المجتمعات لا تُهزم فقط بالقوة العسكرية، لكنها قد تنهار حين يُعاد تشكيل انقساماتها من الداخل تحت شعارات تبدو في ظاهرها وطنية، بينما تخفي في جوهرها مشروعاً آخر بالكامل.
في النهاية؛ لا تبدو المعركة الدائرة حول لبنان مجرد نزاع على سلاح أو خلاف على ترتيبات أمنية مؤقتة، بل صراع عميق على هوية البلد ووظيفته وموقعه في معادلات المنطقة. فواشنطن و “تل أبيب” لا تخوضان مواجهة عسكرية فحسب، بل تعملان على إعادة صياغة البيئة السياسية والأمنية اللبنانية بما يضمن إنتاج دولة منزوعة القدرة على الردع، ومجتمعاً مُثقلاً بالأزمات والانقسامات، ومقاومة محاصرة بين الضغط العسكري والخنق الاقتصادي والعزل الداخلي.
غير أن أخطر ما في هذا المسار، ليس فقط ما يُخطط له في الخارج، بل قابلية بعض الداخل اللبناني للتكيف معه تحت عناوين “الواقعية السياسية” و”الإنقاذ الاقتصادي” و”حصرية الدولة”. فالتجارب القريبة، من الضفة الغربية إلى أكثر من ساحة عربية، أثبتت أن الدول لا تُبنى حين تتحول مؤسساتها إلى أدوات في مشاريع الآخرين، وأن السيادة لا تُستعاد عبر تفكيك عناصر القوة الذاتية، بل عبر إنتاج معادلة وطنية تحمي الداخل من الانقسام وتحفظ البلد من التحول إلى ساحة مستباحة.
لبنان اليوم يقف أمام لحظة مفصلية: إما أن ينجح في إنتاج تسوية داخلية تُبقي الدولة جامعة لكل مكوناته وتحول دون الانزلاق إلى نموذج “التنسيق الأمني” المفتوح، وإما أن يدخل تدريجياً في مسار استنزاف طويل، عنوانه الظاهر بناء الدولة، بينما جوهره الحقيقي إعادة تشكيل لبنان وفق المقاييس الأمنية “الإسرائيلية”. وفي منطقة لم تنتهِ فيها الحروب بعد، قد يكون أخطر ما يمكن أن يفعله اللبنانيون هو التعامل مع هذا التحول بوصفه مجرد تفصيل تفاوضي عابر، فيما هو في الحقيقة معركة على مستقبل البلد بأكمله.
