استنفار يمني واسع انتصاراً لكتاب الله.. واستعداداً لأي تصعيد في المنطقة
بقلم نوال النونو
برز موقفان للشعب اليمني خلال الأيام الماضية فيما يتعلق بتطورات الأحداث على الصعيد الإقليمي والدولي، فالأول يتمثل بالاستعداد والجهوزية الكاملة لأي تصعيد أمريكي جديد في المنطقة، بينما يتمثل الموقف الثاني في الإعلان الصريح لرفض الاساءات المتكررة للقرآن الكريم في الولايات المتحدة الأمريكية.
في الموقف الأول، توقع زعيم أنصار الله السيد عبد الملك الحوثي عودة التصعيد الأمريكي الصهيوني من جديد على إيران والمحور، لافتاً إلى أن هناك مؤشرات تدل على ذلك، مؤكداً أن الشعب اليمني جاهز لكل التطورات، ولا سيما على المستوى العسكري.
وقال السيد الحوثي في هذا الجانب: “هناك مؤشرات على التحضير الأمريكي للتصعيد بعد أن فشل في الجولة السابقة، معبراً عن أسفه لأن الترتيبات الأمريكية في التحضير لهذا التصعيد قائمة على استغلال بعض البلدان العربية، موضحاً أن بعض الأنظمة والحكومات لم تستفد من الدروس أثناء الجولة الماضية، رغم ما كانت هناك من نتائج وتأثيرات لاحتضانها القواعد الأمريكية التي تعتدي على الجمهورية الإسلامية في إيران، لافتاً إلى أنها تحمّل نفسها المزيد من الأعباء المالية من أجل حماية القواعد الأمريكية وحماية العدو الإسرائيلي أيضاً”.
ونبه إلى أن أي تصعيد جديد سيكون له تأثيراته الخطيرة على المنطقة بشكل عام، وأكثر من ذلك على العالم، داعياً الأمة إلى أن تعي من هو العدو ومن هو الصديق، مشيراً إلى أن أمريكا والعدو الإسرائيلي هما الجهات الغريبة المعتدية على هذه الأمة بكل الاعتبارات، وأنهما أتيا للاحتلال، وللظلم، وللإجرام، ولاستهداف هذه الأمة، وللسيطرة على هذه البلدان، ولاستعباد هذه الشعوب، وبكل عدوان وإجرام ومؤامرات.
ويمثل هذا الإعلان رسالة ردع واضحة للقوى المعادية، مفادها أن اليمن ليس طرفاً هامشياً في المعادلة الإقليمية، وإنما فاعل مؤثر يمتلك القدرة على التأثير في موازين القوى، مستنداً إلى خبرات متراكمة في المواجهة العسكرية، وقدرات صاروخية وبحرية متطورة، وبنية مجتمعية متماسكة حول القيادة.
وتشمل الجهوزية اليمنية ثلاثة مستويات رئيسية: المستوى الشعبي الذي يتجلى في المظاهرات المليونية والفعاليات التعبوية، مما يعكس التلاحم بين القيادة والشعب واستعداداً جماهيرياً غير مسبوق، والمستوى العسكري الذي يشمل التدريب والتأهيل على كل المستويات، مما يشير إلى بناء قدرات قتالية متقدمة واستعداداً لمواجهة أي طارئ، والمستوى السياسي الذي يتجلى في المواقف المبدئية الواضحة، دالاً على الثبات على المبادئ وعدم المساومة على الثوابت.
سخط كبير ضد الإساءة لكتاب الله
أما في الموقف الثاني، فقد تجلى الغضب الشعبي اليماني من خلال الخروج في مسيرات مليونية بالعاصمة صنعاء وعدد من المحافظات اليمنية انتصارا لكتاب الله ضد الاساءات الأمريكية المتكررة. وحمل المحتشدون الغاضبون المصحف الشريف عالياً، مرددين هتافات الولاء والبراء من أعداء الله، ومحذرين العدو الأمريكي الإسرائيلي من عواقب إساءاته المتكررة لأقدس المقدسات الإسلامية.
وردد المحتشدون عبارات (أمريكا أكبر شيطان.. وسنهزمها بالقرآن) (القرآن كتاب الله.. لن ينجو أعداء الله، مؤكدين على الجهوزية التامة تجاه أي تطورات أو تصعيد جديد لأمريكا وكيان العدو الإسرائيلي يستهدف منطقتنا وأمتنا الإسلامية، مشددة على أنّ الشعب بهويته الإيمانية حاضر في ميدان الجهاد ولن يتخاذل أمام الهجمة الكافرة الأمريكية الإسرائيلية ضد الإسلام والمسلمين.
ويمثل السخط اليمني المتعالي تجاه الإساءات المتكررة للقرآن الكريم في أمريكا حالة استثنائية من الغضب الشعبي، تتجاوز حدود الاحتجاج العادي إلى مستوى الاستنفار الديني والثقافي.
ويعود ذلك إلى عدة أسباب: أولاً، لأن القرآن الكريم هو أقدس المقدسات الإسلامية، والإساءة إليه تمثل اعتداءً على هوية الأمة، ثانياً، لأن الإساءات لم تكن حادثة عابرة بقدر ما أصبحت نمطاً متكرراً يعكس عداءً منظماً ضد الإسلام، وثالثاً، بسبب غياب ردود فعل دولية رادعة تجاه هذه الإساءات مما زاد من حدة الغضب.
ويتجسد السخط اليمني في ثلاث مظاهر رئيسية: التعبئة الجماهيرية من خلال خروج ملايين اليمنيين في مظاهرات حاشدة تعبيراً عن الرفض الشعبي القاطع للإساءات، والموقف الرسمي المتمثل في بيانات واستنكارات متتالية، مما يثبت تبني القيادة للموقف الشعبي، والمقاطعة الاقتصادية من خلال دعوات لمقاطعة المنتجات الأمريكية، ترجمة للغضب إلى أفعال ملموسة.
ومن منظور ديني، تمثل الإساءة للقرآن الكريم اعتداءً على كيان الأمة الإسلامية بأسرها، واليمن (يمن الإيمان والحكمة) كان ولا يزال في طليعة المدافعين عن المقدسات الإسلامية، مستنداً إلى هويته الإيمانية الراسخة.
ومن منظور سياسي، تكشف الإساءات المتكررة عن نمط من العداء المنظم ضد الإسلام في الغرب، وتحديداً في الولايات المتحدة، حيث تستخدم هذه الممارسات كأداة ضغط واستفزاز ضد المجتمعات المسلمة.
ولا يمكن فصل الإعلان عن الجهوزية الكاملة عن الموقف من الإساءات للقرآن الكريم، فكلاهما وجهان لعملة واحدة، فالوجه الأول يتمثل في الاستعداد العسكري لمواجهة أي عدوان خارجي، والوجه الثاني يتمثل في الاستنفار الديني للدفاع عن المقدسات الإسلامية، وهذا الترابط يثبت الرؤية الاستراتيجية المتكاملة لليمن التي ترى أن المعركة مع الأعداء هي معركة وجود وهوية، وليست مجرد صراع حدود أو نفوذ.
ويقدم اليمن نموذجاً فريداً في تبني قضايا الأمة، متجاوزاً الاعتبارات الإقليمية الضيقة، ولهذا فإن القيادة اليمنية تعتبر أن أي تصعيد جديد سيجعل اليمن في موقع المتقدم، وهنا ستكون المعركة استثنائية عما سبقها، فالأدوات المستخدمة في الضغط على الأمريكيين والصهاينة ستكون من وجهة نظرنا أكبر مما مضى، وستكون مفاجأة لهم تماماً.
وبناء على ما سبق، فإن اليمن يعنيه تماماً التصعيد في المنطقة، وهو جزء من محور المقاومة، وقد أثبت انحيازه المباشر والمشاركة العسكرية اسناداً لإيران، وهو يجدد موقفه في التأكيد على الاشتراك في المعركة مع إيران ضد الأمريكيين والصهاينة، وبالتأكيد أن لديه أوراق قوة سيلجأ إلى استخدامها إذا ما توسعت الحرب ودخلت طوراً جديداً من المواجهة.
