فضاءات فكرية

أسبابُ خروج العَرب من التّاريخ ومأزق الإرادة العقيمة

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

وإذا كان ثمة ما يمكن وصفه بــ “مأساة الراهن العربي” الممتلئ عن آخره بالفشل والاندحار والهزيمة، فإنَّ جوهرها لا يكمنُ في ندرة الموارد أو شحّ الإمكانات وقلتها، بل في مفارقة صارخة ودامغة هي: أنه مع الوفرة النادرة في عناصر القوة الجيوسياسية والمادية الطبيعية والبشرية لبلداننا، نجد أن هناك عجزاً مزمناً ومستفحلاً في أصل الإرادة السياسية والوجودية لنخبها وقياداتها، بما يجعلها في ذيل الأمم على مستوى الفاعلية السياسية والعلمية والاقتصادية.

إنها مفارقةُ أمة وبلدان عربية تمتلكُ من المقوّمات ما كان يفترض أن يؤهلها ليكون لها دورٌ وحضورٌ نوعي حيوي وفاعلية رئيسية في إدارة شؤونها بنفسها دون الحاجة لوكيل أو راعٍ أو حامٍ، وصياغة نظامها الإقليمي ومستقبلها ونهضتها بذاتها، لكنها مع ذلك ظلّت وتظل – في معظم مواقعها وشؤونها الكبرى وأزماتها المصيرية – تتوسلُ حمايتها وتستجدي من الخارج شروط بقائها الأساسية أمناً واقتصاداً وعلماً ومعرفة؛ فأمنها للأسف ليس نتاجاً لقدراتها الكبيرة، وغذاؤها مستورد، في وقت كانَ ينبغي أن تكون مكتفية ذاتياً، كقاعدة وركيزة لاستقلالها الاقتصادي، أما سلاحها فتخصص له مئات مليارات الدولارات سنوياً لشرائه من أمريكا والغرب، ولا يحقق لها أدنى درجات الحماية والسيادة الوطنية..!!.

وهذا الواقع المزري لبلداننا لا يمكن اختزاله في كونه مجرد تعثّر إداري أو قصور في أساليب إدارة السياسة؛ بل هو – في عمقه – تعبيرٌ جلي عن خلل بنيوي يقترب من المفهوم الذي طرحه المفكر الراحل الدكتور فوزي منصور بـــ “الخروج من التاريخ”.. والمقصود بهذه العبارة ليس الغياب القسري أو التهميش الخارجي بقدر ما هو تراجع طوعي إرادي عن موقع الفعل الحضاري الفاعل، حيث تختار الأمة – بمكوناتها ونخبها – أن تتنازل عن دورها في تقرير مصيرها، تاركةً زمامه لقوى خارجية ترسم وتنسج -في دهاليز صراعاتها واستراتيجياتها- خرائط المستقبل العربي بعيداً عن أهله وأصحابه.. إنها أزمة إرادة تتجلى في استقالة السياسة العربية من مسؤوليتها ودورها الريادي، وتحولها إلى مجرد إدارة للتبعية والاستلاب والإمعية للآخر الخارجي، حيث تتحول الثروات الهائلة والموارد الضخمة -التي كان يجب أن تكون رافعة للتحرر والنهوض والحضور- إلى مجرد لشراء الحمايات الخارجية، وأدوات لتعميق هذا الارتهان الإذلالي، فتُسخّر لشراء الولاءات الخارجية أو تُستنزف في صراعات بالوكالة، بدلاً من أن تستثمر في بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية وعسكرية تحمي القرار الوطني وتحرّره من هيمنة الإرادات الأخرى.

نعم هذا المأزق يستند بلا مواربة إلى التاريخ والواقع والفكر العربي نفسه.. والأمر ليس له علاقة فقط بمؤامرات خارجية وحدها، وهو ليس قدرًا إلهيًا.. إنه نتاج تراكم داخلي وخارجي، لكن الداء الأعمق داخلي.

إن جذور هذا الخلل العميق لا تنمو في فراغ، بل تتغذى من واقع سياسي واجتماعي عربي هش ومترهل، يمكن رصد أعراضه في ثلاث ظواهر متداخلة:

أولاً، استقالة الإرادة السياسية من دورها الفاعل والمبادر، وتحولها إلى حالة من الرضا بالمقام السلبي “المُتَلقي” للأوامر والنماذج الجاهزة، مما أدى إلى فقدان القدرة على الابتكار في الحلول واقتراح البدائل الاستراتيجية.

وثانياً، ضمور دور المؤسسات الوطنية الجامعة، لتحل محلها دوائر ضيقة تحكمها اعتبارات البقاء في السلطة، وهو ما يحول السياسة إلى لعبة محصورة لا تستطيع إنتاج رؤية كلية تتسع لأبعاد التحديات.

وثالثاً، تحول الثروة، كما أشرنا، من أداة تحرر إلى عامل جديد في إعادة إنتاج التبعية؛ حيث تُصدّر الثروة العربية في صورة فوائض مالية، لتعود بعد ذلك في هيئة قروض مشروطة سياسياً، أو عقود استهلاكية فاخرة، أو صفقات أسلحة تأتي معها إملاءات أمنية تحد من خيارات الدول المستقبلية..

وهذا ما كشفته وتكشفه الحرب الدائرة حالياً (العدوان الصهيو-أمريكي على إيران) من أن العرب باتوا خارج التأثير والحضور، ولم يعودوا فاعلين في تاريخ العالم.. بل هم مجرد هوامش ومطايا وقرابين على مذبح الإمبريالية العالمية.. والسبب الجوهري هو أنهم لا هاجس لهم سوى السلطة، والبقاء الأعمى في الحكم، ومنع الناس من المشاركة في صنع مصيرها وقرارها..

ومن هذه الزاوية، لا يبقى السؤال عن كيفية صناعة القرار المصيري في العالم العربي مجرد سؤال إجرائي أو إداري، بل يتحول إلى سؤال جوهري يتعلق ببنية الدولة نفسها وطبيعة تكوينها. ففي كثير من النظم العربية، لا يصدر القرار الاستراتيجي عن مؤسسات وطنية راسخة، موسوعية الأفق، قادرة على استيعاب الخبرات وتمثيل المصالح المختلفة، بل يتشكل داخل دوائر ضيقة جداً، تتحكم فيها اعتبارات البقاء في السلطة وتمريرها، وتغيب عنها اعتبارات النهوض بالأمة ومواجهة التحديات الكبرى. وهذا ما يجعل السياسة أسيرة لهواجس أمنية قصيرة المدى، تتعامل مع المستقبل وكأنه امتداد للحظة الراهنة، وتتعامل مع الشعب وكأنه خدم وحشم ومجرد جمهور متفرج لا شريك في القرار. هنا يكمن الخلل.. إنه الاستبداد القائم والمهيمن والذي يفضي دوماً إلى تغليب منطق السلطة على منطق الوعي والمسؤولية والتاريخ، فتصبح الدولة، في هذه الحالة، حارسة لاستمراريتها الذاتية وامتيازاتها، لا أداة جامعة لبناء مجتمع قوي ومتماسك قادر على مواجهة تحديات العصر.

مأزق الإرادة العقيمة: الجانب النفسي الحضاري

هنا يأتي قلب الموضوع: “الإرادة العقيمة”.. فنحن لسنا عديمي الإرادة. بالعكس نريد النهضة والإشراق الحضاري والتأثير في العصر بشدة.. نحلم بالقيم النهضوية والحقوقية، ونتطلع لبناء دول مواطنة حقيقية، وندعو للتضامن والوحدة العربية.. لكن هذه الإرادة عقيمة، لا تنتج حضارة، وبالأساس لا تبني دولة مواطنة واحدة..!!.. وقد فسر مالك بن نبي ذلك بـما أسماه “القابلية للاستعمار” كحالة داخلية: انهيار القيم، تفكك الروابط، تكلس العقل، “ذهان السهولة” (الاستهانة بالواقع). والاستعمار لم يخلق هذا؛ بل وجد أرضًا خصبة معدّة وجاهزة مسبقاً لتأثيراته وتدخلاته وتحكمه وهيمنته واستغلاله.. واليوم، بعد الاستقلال، استمر الاستعمار الداخلي القائم والمتمحور حول نخب سياسية تابعة مرتهنة تستعمر شعوبها بالفساد والقمع والعنف العاري.

إن الإرادة ليست عقيمة بالفطرة؛ هي عقيمة لأننا لم نُروِها بالعقل والعمل.. والغرب – كما نعلم – تقدم لأنه حرّر إرادته من الاستبداد والارتهان للأوهام والبقاء أسير الماضي، ونحن نستطيع.. لكن الثمن: مواجهة أنفسنا بصدق، لا بالبكاء على الأطلال أو لوم الآخر.

فلا بد من تحرير العقل من خلال إحياء الاجتهاد، ونقد التراث والحداثة معًا، وبناء مقومات تعليم علمي حقيقي لا حفظي تلقيني.. ولا بد من مشاركة الشعب من خلال بناء دول مواطنة لا تستبعد الناس، بل تجعلهم شركاء في القرار.. ولا بد من تنمية ذاتية تفك الارتباط الجزئي بالنظام العالمي، كما قال سمير أمين، وبناء اقتصاد منتج لا ريعي.. وهذ كله من متطلبات الرجوع للتاريخ والحضور فيه.

إننا نعتقد أن الأمم لا تخرج من التاريخ لأنها هُزمت في معركة ما من هنا وهناك، فالهزيمة قد تكون دافعاً للنهضة والإصلاح، كما حصل في تجارب أمم كثيرة؛ بل تخرج الأمم من التاريخ لأنها ترضى – كما قلنا – بأن تبقى ساكنة وفي حالة عطالة، وأن تُدار من خارجها، وأن ترى في حالة العجز وضعف الإرادة حالة طبيعية، وفي الارتهان السياسي والاقتصادي قدراً لا فكاك منه. إنها تستسلم لمنطق “قاع التاريخ”، حيث تسقط عن جدول الفاعلين وتتحول إلى موضوع في التاريخ تُصنع فيه القرارات، لا إلى فاعل يصنعها. لذلك، لن يبرأ الجسد العربي من علله المزمنة وأمراضه المستعضية ما دام القرار المصيري مرتهناً لقلة ومحبوساً في عقل فرد أو في دوائر أمنية ضيقة، أو في حسابات بقاء سلطوي تتعارض مع مصالح الأمة العليا.

إن المخرج من هذا المأزق لا يمكن أن يتحقق إلا باستعادة دور المؤسسة الوطنية الرشيدة، القادرة على الموازنة بين الموارد والكرامة، وبين القوة والاستقلال، وبين التحالف والمصلحة الوطنية. وحده هذا النوع من المؤسسات يستطيع أن يعيد للسياسة معناها التاريخي الأصيل: أي كونها فعلاً في العالم، لا رد فعل عليه، وكونها قدرة على بناء المستقبل، لا مجرد إدارة للحاضر بأدوات الماضي.

لهذا ومن باب الأمل وجب القول والتأكيد على خروجنا من التاريخ هو خروج مؤقت آني وليس نهاية ختامية حاسمة، بل يجب أن يتحول إلى دعوة للعودة. وهو يمكن أن يتحول إلى إرادة مثمرة إذا أيقظنا “المعامل الحضاري” فينا. فالتاريخ يصبر على الشعوب، لكنه لا يرحم من يديرون ظهورهم له. وقد آن لنا أن نواجهه بوجوه مفتوحة، وإرادة لا تُعقمها الأوهام. نقول هذا الكلام ونحن نعرف أن الخطر الحقيقي، لا يكمن في تعثر عسكري أو انتكاسة دبلوماسية أو فشل في مشاريع، بل في أن تستقيل الأمة من حقها في صناعة قرارها ومصيرها، واستكانتها وتضعيفها لذاتها، وحين يحدث ذلك، لا يصبح السؤال كيف نخسر معركة، بل كيف نقبل الإقامة في “قاع التاريخ” من غير مقاومة.. وهذه، في حقيقتها، هي المأساة الكبرى: أن تتوفر أسباب النهوض، وأن يغيب القرار الذي يحولها إلى فعل مثمر ومنتج…!!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *