فضاءات فكرية

الهوياتُ المُغلقة والحَاجةُ للحِوار نَحو فضاءٍ تَصالُحي يُعانقُ التّنوع

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

أُواجَه أحياناً بسؤال: من أين أنت؟!.. وقد يبدو السؤال للوهلة الأولى عادياً أو طبيعياً، ولكن لدى التأمل فيه قليلاً لا حاجة بنا للتأكيد على أنه سؤال هوياتي يبحث صاحبة عن معرفة خلفية لبيئة أو انتماء يلامس شعوراً.. وربما لا يخص السؤال مجتمعاً بذاته، ولكنه في مجتمعنا العربي تحوّل ليكون تعبيراً عن انتماء مطلوب ومرغوب، بات يطغى فكراً وسلوكاً، ويتقوم بمستويات عدة للانتماء التنوعي، متساوقاً مع معايير ومحددات قارّة في النفوس، تقارب السؤال من زوايا ذاتية خاصة.

نعم، قد يُطرح السؤال أحياناً بدافع حقيقي لا نوايا قصدية فيه، بهدف التواصل والتعارف والتعرف على التنوع الغني في المجتمع العربي، لكن هذا الدافع غالباً ما يُطمس تحت وطأة التوترات السياسية والتناقضات الاجتماعية المخفية تحت أقنعة عديدة.

نقول هذا الكلام من واقع الخبرة الاجتماعية، حيث يقدّم السؤال نموذجاً مثيراً ومقلقاً، كاشفاً عن خلل عميق في رؤيتنا للآخر، وانطباعاتنا عنه، ومعايير الهوية والانتماء التي نرغبها له، ونقيسه من خلالها أو بناءً عليها.. حيث أنه بدلاً من الاهتمام بإنجازات الفرد العلمية أو المهنية أو مسيرته الإنتاجية، وسيرورته كذات فردية نافعة للغير، يتحولُ “السؤالُ-الحوار” فوراً نحو تحديد الهوية الانتمائية الضيقة الأولى للفرد (طائفته، عشيرته، منطقته)، بل والبحث عن مآلاتها ومدى قربها من معايير الذات الخاصة للسائل، وكأنَّ هذه العناوين هي الميزان الوحيد لتقييم الإنسان، وتحديد علاقتنا ببعضنا بعضاً في هذا العالم الكبير والضخم والمعولم في كل مواقعه ومستوياته ومواقعه..!!.

إن هذا النمط أو الشكل من الوعي التأملي والتفكيري بالآخر المختلف والمغاير، لا يعكس فقط خلفية السائل الفكرية ووعيه الحقيقي، بل يكشف عن هيمنة ثقافة مجتمعية سائدة (هوية عرفية تقليدية راسخة) لا تتعامل مع الفرد من حيث أنه ذات مفكرة واعية مسؤولة، أو كائن حرّ عاقل ومنتج كما قلنا، بل تتعامل معه للأسف ككائن تابع لهوية جماعية ومستلب لضوابط اجتماعية راسخة الجذور، ثابتة غير سيّالة.. بحيث أن الانتماء هنا يُختزل إلى روابط ما قبل وطنية، ما يعزز الانقسامات، ويُقصي فكرة المواطنة القائمة على المساواة والقيمة الإنسانية المشتركة.

إنّ هذه العقلية التصنيفية الاستبعادية المغروسة في تربة تاريخنا الاجتماعي العربي والإسلامي عموماً، ربما تكون من أحد الأسباب لما نعانيه من حالة ضعف وجودي وعجز حضاري مقيم منذ قرون وقرون، نتيجة هذا الارتباك والخلل في بنية الفرد النفسية وبالتالي السلوكية، ليس لكون تلك العقلية قائمة ومهيمنة، بل لأنها باتت مرجعية شبه وحيدة للقياس والمعايرة والارتباط والتعاملات والانتماءات؛ بما يدفعنا للقول بأنها أضحت من العقبات التي ما زالت تحولُ دون بناء مجتمع موحّد حولَ خيارات وطنية مستقبلية تتعلقُ بوجود الفرد الراهن والمستقبلي في تنميته العقلية والعلمية، وازدهار حياته، وتأمين وجوده الرغيد والسعيد.. ولربما باتَ من الصعوبة بمكان بناء مجتمع قادر على استيعاب تنوعه وطاقاته بسلاسة وسلامة في مشروع تنموي علمي شامل في ظل بقاء كلّ فرد للأسف سجين هويته الأولية، منغلقاً على تصوراته المسبقة، بعيداً عن تقييم الآخر بناءً على علمه أو وعيه أو إسهامه في الحياة.

والنتيجة هي أننا أمام مجتمعات ممزقة، متشظية، تتعاطى مع بعضها بخلفيات تناحرية، ويعيش ناسها ضمن جزر شبه معزولة، تفتقر إلى الثقة المتبادلة، وتغيب فيها وعنها ثقافة الاعتراف بالآخر المختلف.. فإذا كنا نتعامل مع أشقائنا في الوطن والدين بهذه العقلية الانفعالية الضيقة، فكيفَ لنا أن نستغرب سوء تفاهم الآخرين (المختلفين عنا أساساً) معنا أو دفاعهم عن مصالحهم؟!..

هذه الإشكالية، في رأيي، ليست وليدة الاستعمار أو المؤامرات الخارجية، بل هي جزء من بنيتنا الاجتماعية والثقافية التاريخية التقليدية التي سبقت العصر الحديث بقرون طويلة عديدة.. إنها نابعة من مجتمعات لم تتجاوز بعدُ روابطها القبلية، ولا نمطية تفكيرها القبائلية، والطائفية العفنة، والتي لا تزال مهيمنة في الجوهر رغم مظاهر الحداثة الشكلية التي قد تلبسها..!!. وبلا شك أن الاستعمار قدّم لها أسباب البقاء والتجذر، ورعى فيها بذور التعصب والتشرذم والانقسام..!!.

وفي ظل غياب إرادة حقيقية للتغيير الإيجابي المنتج، يبقى الخطر أن تظل مجتمعاتنا رهينة هذه الانتماءات المتخلفة، تحكمها العصبيات الضيقة، حتى وإن ارتفعت الشهادات العلمية لأفرادها، لأنَّ العلم وحده لا يبني وعياً مدنياً ووطنياً حقيقياً في ظل بنية اجتماعية عصابية، مأزومة ومريضة.. والسؤال هنا: كيف يمكننا تجاوز منطق الانغلاق والاستقطاب الهوياتي الحاد نحو فضاء إنساني أرحب، وإدارة تنوعنا بوعي ومسؤولية وحكمة؟!..

في الواقع، تبرز الهوية، في جوهرها، كإجابة عن السؤال الوجودي: “من أنا؟”.. ويفترض ألا تكون كياناً ثابتاً مُعلّباً، بل عملية ديناميكية مستمرة من البناء وإعادة التشكل في السيرورة التاريخية.

تتشكّل الهوية من خلال تفاعل معقد بين: المكونات الذاتية مثل اللغة، الدين، التاريخ المشترك، الثقافة، القيم، والتجارب الشخصية.. والسياق الخارجي الموضوعي كالبيئة الاجتماعية، والتفاعل مع “الآخر” المختلف، والتحولات السياسية والاقتصادية.

وعلى هذا، فإن للهوية مستويات متداخلة: هوية فردية (شخصية)، وهويات جماعية (قومية، دينية، ثقافية، مهنية…)، وهوية إنسانية جامعة.. والخطر لا يكمن في الانتماء لهذه الجماعات، فهذا أمر طبيعي في ظل جغرافيا المكان والزمان، وتعدديات الانتماء البشري في أعراقه وقومياته وأديانه وثقافاته وحضاراته وووإلخ، بل يكمن في تحول هذا الانتماء الخاص إلى قفص مغلق يتحرك فيها المرء بين جدران الوهم وسجون اليقين.. بحيث يتم تعريف الذات فقط من خلال نقاء مزعوم وتميز عن الآخر، الذي يتحول بدوره إلى صورة نمطية ثابتة، غالباً ما تكون سلبية..

تتميز الهوية المغلقة بعدة سمات وخصائص، تجعل منها تربة خصبة للتحيّز الأعمى والاستقطاب التعصبي الحاد:

الجمود والثبات: حيث تنظر إلى الهوية ككيان مقدس ومكتمل لا يقبل التغيير أو التطور. الماضي هنا هو النموذج الأوحد، والحاضر مجرد انحدار.

الانكفاء والرفض: تُعرّف نفسها بشكل أساسي من خلال ما تختلف عنه، مما يخلق حواجز نفسية واجتماعية. “نحن” لا تُفهم إلا في مقابل “هم”.

الاستعلاء والنقاء الوهمي: تتبنى أسطورة التفوق والنقاء العرقي أو الثقافي، وتنفي أي قدر من التهجين أو التأثير المتبادل الذي طبع التاريخ البشري كله.

الخوف والقلق الوجودي: تنبع من شعور عميق بالتهديد، سواء كان حقيقيًا أو مُتخيلًا، من جانب الآخر المختلف. هذا الخوف يحوّل الحوار إلى تهديد، والاختلاف إلى خطر.

التسييس والتوظيف: تكون عرضة للاستغلال من قبل النخب السياسية أو الدينية المتطرفة، التي تستخدم خطاب الهوية كأداة لتعبئة المشاعر وجمع الأتباع، وتحويل الهوية إلى إيديولوجيا صراعية.

وهذا ما ينطبق أشد الانطباق على الهوية الدينية الصهيونية التي تؤمن بذاتها، وتنغلق عليها، وتعتقد بأنها نقية اصطفائية إلهية المبدأ والمنتهى..!!. وهذا الاعتقاد الهوياتي الخلاصي قاد الصهاينة للاستعلاء والاستعمار والهيمنة والبطش وقتل الآخر المختلف وشن الحروب واغتصاب الأراضي وووإلخ..

أما الهوية الصحية، أو المنفتحة، فهي التي تدركُ أنها جزءٌ من كلٍّ إنساني أكبر.. أي هي:

هوية متطورة: تتفاعل مع مستجدات العصر، وتستوعب خبراتها الجديدة، وتعيد تفسير تراثها بشكل خلاق. هي مثل النهر المتدفق، يجدد ماءه باستمرار.

هوية تركيبية: تعترف بتعدد طبقاتها وتناقضاتها الداخلية أحياناً. فالفرد يمكن أن يكون مسلماً وعربياً وليبرالياً وفناناً في آن واحد، دون أن ينفي أي من هذه المستويات الآخر.

هوية حوارية: تدرك أن معرفة الذات تكتمل وتتكامل من خلال اللقاء بالآخر المختلف، لا من خلال نفيه وإقصائه وجعْله مجرد حاشية أو تابع كما هي حالة الثقافة المركزية الغربية في تعاملها ومواجهتها لكل ثقافات العالم.. فالآخر هنا – بحسب ما يفترض المنطق الإنساني الطبيعي، السليم والمعافى والخالي من عُقد الاستعلاء والمركزية المتصنّعة – مرآة تُظهر للذات جوانب قد تكون غائبة عنها.

هوية متصالحة مع التنوع والتعدد: لا ترى في التنوع الثقافي أو الديني تهديداً، بل ثراءً إنسانياً وفرصة للتفاعل الغني المتبادل. تعترف بالمساحة المشتركة العالمية التي تجمع البشر رغم اختلافاتهم وتمايز انتماءاتهم وهوياتهم.

وفي ظل صراع الهويات المغلقة، يبرز الحوار ليس كمجرد تبادل للكلمات، بل كفنٍّ للعيش المشترك.. والحوار الحقيقي يتطلب الكثير من الشروط:

الاعتراف المتبادل كخطوة أولى أساسية، أي الاعتراف بوجود “الآخر” وبحقه في الاختلاف، وبإنسانيته الكاملة، وبقناعاته وأسس وعيه التكاملي.. هذا هو الجسر الذي لا يمكن تجاوزه أو غض النظر عنه..

– وأيضاً التواضع المعرفي من خلال الاقتناع بأن الحقيقة ليست حكراً على أحد، وأن رؤيتنا للعالم جزئية وقابلة للنقاش وليست نهائية تمامية.. هذا يخلق مساحة للاستماع الحقيقي..

والاستماع النشط، لأن الهدف من الحوار ليس إقناع الطرف الآخر فحسب، بل فهمه من الداخل، ورؤية العالم من منظوره. هنا يتحول الحوار من مناظرة إلى استكشاف مشترك.

والتركيز على القيم والمصالح المشتركة مثل السلام، والعدل، والكرامة الإنسانية، والحق في العيش الكريم. هذه القيم تشكل أرضية صلبة للحوار رغم الاختلافات في التفسيرات والتطبيقات.

والقدرة على نقد الذات، حيث أنّ الحوار الناجح يبدأ من خلال نقد المرء لهويته وتاريخه ومعتقداته، ومراجعة ما يعتقدها مسلماته.. وهذا لا يعني بطبيعة الحال التنازل عن الجوهر، بل تطهيره من الشوائب والعنف الرمزي الذي قد يكون علق به فكراً وعملاً. ولكن هل يمكن منع التحيز الأعمى والاستقطاب الحاد؟! الجواب ليس بنعم أو لا بسيطة، بل هو مسار معقد يتطلب جهوداً متضافرة على المستوى التربوي لبناء مناهج تعليمية تعزز التفكير النقدي الحر، وتعلم تاريخ الشعوب بتعقيداته وتفاعلاته، وتؤسس لثقافة احترام التنوع والآخر.. وتعليم الأطفال أن الهوية إضافة، لا طرح. كما يتطلب على المستوى الإعلامي والثقافي والاجتماعي العملي ضرورة محاربة الخطاب الإعلامي المُستفزّ الذي يغذي الصور النمطية عن الآخر، ودعم الأعمال الفكرية والفنية التي تقدم نماذج للتعايش وتصوير إنسانية الآخر.

إن المطلوب هنا خلق فضاءات للالتقاء المباشر بين الجماعات المختلفة (من خلال مشاريع مجتمعية، أنشطة رياضية، تعاون أكاديمي…). لأن الاحتكاك الإيجابي يذيب الجليد أكثر من أي خطاب.

وقد يعتقد البعض – ونحن منهم – أنه لا يمكن مساعدة الهوية على التحول للانفتاح إلا من خلال بناء أنظمة مدنية ديمقراطية تضمن المساواة في المواطنة لجميع الأفراد بغض النظر عن انتماءاتهم وخلفياتهم الهوياتية، وتجرّم خطاب الكراهية والإقصاء، وتعمل على توزيع عادل للثروة والفرص، وضمان المشاركة الفاعلة في القرار والمصير، لأن الظلم الاقتصادي هو وقود رئيسي للصراع الهوياتي.

إن الصراع اليوم ليس بين هوية وأخرى، بل بين منطقين: منطق الانغلاق الذي يحول الهوية إلى سجن وخندق للصراع والاحتراب، ومنطق الانفتاح الذي يحولها إلى جسر للتواصل وإثراء متبادل.

إن تحديات عصرنا المصيرية على هذه الأرض التي خلقنا الله تعالى عليها، وأعطانا فرصة العيش إلى حين منظور– تذكرنا بأن مصيرنا واحد، وأننا مسؤولون جميعاً عنه بوهي ومسؤولية.. وأن قوة المجتمعات لا تكمن في التفكير الواحدي الانقسامي القائم على نقاء هوياتها الوهمي، بل في قدرتها على استيعاب تنوعها الداخلي والتواصل مع العالم الخارجي.

إن الهوية المنفتحة ليست ضياعاً للذات، بل هي اكتشاف لها في مرآة الكون الواسع.. والحوار ليس تنازلًا، بل هو قوة للآخر قبل الذات.. وطريق المصالحة مع الآخر يبدأ بالمصالحة مع تعقيد ذواتنا، واعتناق فكرة بسيطة عميقة: أن نكون مختلفين، معاً. وهذه ليست يوتوبيا، بل ضرورة وجودية لإنسانيتنا المشتركة في عالم يزداد ترابطاً، وتزداد فيه حاجتنا إلى فهم بعضنا البعض أكثر من أي وقت مضى، لتكون علاقة الهويات ببعضها علاقة إيجابية تفاعلية خصبة منتجة، قائمة على الأخوّة والصداقة والتعايش والتسامح والبناء التشاركي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *