إعرف عدوك

تطور مفهوم الحوثيين الأمني بعد السابع من تشرين الأول 2023

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

لقد تغيرت الحركة في جوهرها وأنشطتها وطريقة إدراكها لمصالحها. نتجت هذه التغييرات عن اضطرابات داخلية وصدمات في بيئتها الاستراتيجية: سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، والحملة التي قادتها السعودية ضدهم عام 2015، والحروب الإقليمية التي أعقبت هجوم حماس على إسرائيل في 7ت1 2023. تقدم هذه المقالة أطروحة حول كيفية نظر الحوثيين إلى أمنهم، وتجادل بأن الفترة التي تلي ت1 2023 تُشكل فصلاً جديداً في هذا السياق. يُعد فهم الرؤية الاستراتيجية للحوثيين أمراً بالغ الأهمية لتقييم نواياهم تجاه إسرائيل على المدى القريب والمتوسط، وللحد من مخاطر المفاجأة الاستراتيجية، ولإعادة بناء الردع بعد هجماتهم الأخيرة على إسرائيل، والتي لم تُقابل بأي رد.

كيف يُفكر الحوثيون؟ لقد انشغل الباحثون بهذا السؤال لأكثر من عقد. عملياً، يعتمد الحوثيون على مزيج من السياسة الواقعية مع الإسلام الزيدي المتطرف، المعادي للغرب والسامية. مع ذلك، لم يُكتب الكثير عن كيفية مفهوم الحركة للتهديدات وإدارتها للمخاطر، أو كيف تطور مفهومها الأمني منذ ت1 2023.

حتى ت1 2023، كان هذا المفهوم قائماً على هزيمة أعداء الحركة في الحرب الأهلية اليمنية، ثم ابتزازهم، مع الحفاظ على مسافة بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل. غيّر هجوم حماس في 7 ت1 2023، وحملة الحوثيين في البحر الأحمر التي تلته، الإطار المرجعي، إذ بدأت الحركة ترى مصالحها وتهديداتها ممتدة إلى ما هو أبعد من شبه الجزيرة العربية.

المفهوم الأمني قبل ت1 2023: التركيز على شبه الجزيرة العربية

أ) الأهداف الرئيسية

في ت1 2023، كان الحوثيون أقوياء ظاهرياً، لكنهم هشّون داخلياً. استندت قوتهم الرئيسية إلى نجاحهم في إضعاف التحالف الذي شُنّ ضدهم قبل ثماني سنوات، بقيادة السعودية. استثمر التحالف عشرات المليارات من الدولارات سنوياً، وتكبّد خسائر فادحة في صورته في محاولة لهزيمة الحوثيين، لكنه في الواقع وصل إلى طريق مسدود منذ عام 2019

في عام 2023، تم التوصل إلى هدنة غير رسمية بعد انتهاء وقف إطلاق النار المؤقت الرسمي، لكن الحوثيين تجنبوا التوصل إلى اتفاق نهائي، معتقدين أن الوقت في صالحهم. أرادت الرياض وحلفاؤها إنهاء الحملة، وتزايدت هذه الرغبة مع مرور الوقت، مما سمح للحوثيين بضبط مستوى العنف ومواصلة رفع ثمن الاتفاق، بهدف انتزاع تنازلات في المجالين اللذين يعانون فيهما من ضعف: الاقتصاد والدبلوماسية.

كان النهج المتبع تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل نهجاً تجنبياً. فالحركة الحوثية، التي ترفع شعارات “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل”، لم تقاتل أياً منهما فعلياً. بحلول عام 2018، توغل الحوثيون في عمق الأراضي السعودية، بل وحتى في أبو ظبي، وبحلول عام 2021، كانوا قد نشروا أنظمة زعموا أنها قادرة على ضرب إسرائيل على مدى يزيد عن 1800 كيلومتر. من المنطقي افتراض أن الحوثيين كانوا قادرين بالفعل على ضرب المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة آنذاك، لكنهم لم يفعلوا ذلك إلا مرة واحدة – عندما هاجموا سفينة تابعة للبحرية الأمريكية عام 2016 – ثم توقفوا بعد رد سريع ومباشر. كان تجنب هذه المواجهات خياراً مدروساً: فقد أعطت الحركة الأولوية لأهداف التحالف، وردعها حجم الضرر الذي يمكن أن تُلحقه بها القوات العسكرية والاستخباراتية.

وبناءً على ذلك، كان موقف الحوثيين داخل “محور المقاومة” الذي تقوده إيران ضعيفاً نسبياً. تدفقت الأسلحة والمكونات والخبرات من الحرس الثوري وحزب الله إلى اليمن، لكن دعم الحوثيين للمحور كان في معظمه خطاباً. لم تُسجّل أيّ عمليات مشتركة، كإطلاق صواريخ منسقة ضد عدو مشترك، قبل عام 2023. وكانت العضوية في المحور منخفضة التكلفة وأقلّ إلزاماً.

ب) الحرب الاقتصادية

1- الدفاع

أظهر الحوثيون أيضاً براعةً في استغلال المنظمات الدولية لصالحهم. فمن خلال تقديم حركتهم كهيئة سياسية دينية أصيلة، صوّرت المنظمات غير الحكومية المتعاطفة معهم محاولات قمعها على أنها اعتداءات على حرية التعبير. وخلال حروب آذار في العقد الأول من الألفية الثانية، وصفت منظمات حقوق الإنسان حملة الحكومة ضد الحركة الناشئة بأنها انتهاكات: فقد اكتسب الصحفي الذي أدانتْه المحاكم اليمنية عام 2008 بتهمة التعاون مع قيادة الحوثيين في ثورات آذار، شهرةً خارج اليمن كمعارض مضطهد، حتى أنه نال جائزة منظمة العفو الدولية للصحافة الحقوقية المهددة. وبعد سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، عاد للظهور كعضو في اللجنة الثورية الحوثية

طوال فترة الحرب الأهلية في اليمن، تكرر نمط مماثل: حمّل القطاع الإنساني التحالفَ المسؤوليةَ عن انهيار الاقتصاد اليمني، وهو ما انعكس عملياً في ضغوط دولية مكثفة على التحالف لتجنب مهاجمة الموانئ التي يسيطر عليها الحوثيون. ومع اقتراب التحالف من السيطرة على الحديدة عام 2018، ساهمت معارضة وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية في حرمانه من النفوذ السياسي اللازم لإتمام المهمة وقطع هذا الشريان الحيوي عن الحوثيين.

2- الهجوم 

أصبحت موانئ البحر الأحمر، التي كانت حتى عام 2023 بمثابة ركيزة أساسية لدخل الحوثيين وأداة نفوذ على الحكومة المعترف بها، أصولاً ثابتة وعرضة للخطر، يمكن لإسرائيل والولايات المتحدة مهاجمتها متى شاءتا. ونتيجة لذلك، ازداد التركيز على الإنتاج المحلي. ففي خطاب ألقاه في أيار 2026، زعم زعيم الحوثيين، عبد الملك الحوثي، أن اليمن كان ينتج احتياجاته الأساسية بنفسه إلى أن تضررت هذه الصناعات بشدة جراء الواردات. وندد بـ”النزعة الغريبة لرجال الأعمال لاستيراد كل شيء، حتى أدق التفاصيل، بطريقة مذهلة”

بالنسبة لاقتصاد يعاني من الخلل والفساد والعقوبات، يبدو أن هدف الاكتفاء الذاتي هذا – من المنتجات الزراعية إلى النعال والمواقد – لا يحظى بفرصة كبيرة للنجاح. ومع ذلك، يسعى الحوثيون بالفعل إلى تصوير التكاليف الباهظة التي يتحملها المستهلكون على أنها ثمن مقاطعة البضائع الأجنبية باسم “التحرير”

3- التماسك الداخلي؟

على الصعيد الداخلي، لا توجد استطلاعات رأي حديثة تُشير إلى اتجاهات في الدعم الشعبي لنظام الحوثيين. ويبدو أن الحوثيين يعتمدون على مزيج من التلقين الأيديولوجي لأيديولوجية الولاء المطلق للعبد، وقمع المعارضين أو من لا يتفقون مع خطهم، ومحاولات حشد الرأي العام حول قضايا تُعتبر رائجة في اليمن، مثل القضية الفلسطينية والاستقلال الاقتصادي. ومع ذلك، ونظراً للتدهور الاقتصادي والفساد، ومجموعة من المظالم الأخرى التي تُقوّض الدعم الشعبي عموماً، لا يبدو أن الحوثيين قد حسّنوا مكانتهم بشكل ملحوظ بين الشعب اليمني. قد يُسهم الاحتكاك مع الأعداء الخارجيين في إضفاء الشرعية على النظام لفترة معينة، ولكن لا يوجد ما يضمن استمرار جرّ اليمن إلى الصراع للحفاظ على هذا التأثير على المدى الطويل.

لا يملك الحوثيون حلاً حقيقياً لمأزقهم الداخلي، بل توازناً مستمراً يتعين عليهم إدارته: الحفاظ على انضباط الرأي العام مع وضع المشروع الأيديولوجي فوق المصلحة العامة. ويبقى المجال الداخلي نقطة ضعفهم الرئيسية، حتى وإن لم تظهر معارضة موحدة وواضحة بعد.

خلاصة

إلى جانب الاستنتاجات المتعلقة بكيفية تطور (بل وانعكاس) التصور الأمني للحوثيين استجابةً للتغيرات الإقليمية، يجدر أيضاً دراسة تداعيات ذلك على المستقبل. لا يُتوقع أن يتخلى الحوثيون عن نظرتهم الشاملة للتهديدات والفرص ويعودوا إلى نظرة أضيق. مع ذلك، سيستمر تصورهم الأمني في التطور مع تطور الأحداث، وينبغي لإسرائيل أن تواصل مراقبة نواياهم عن كثب (إضافةً إلى قدراتهم) كوسيلة للحد من مخاطر المفاجأة الاستراتيجية

تتبلور خمسة استخلاصات رئيسية من التحليل السابق:

1- التحديات في الساحة الداخلية: لا تزال الجبهة الداخلية نقطة ضعف الحوثيين، ومن المرجح أن تبقى كذلك في المستقبل المنظور. سيحاولون إدارة هذا الوضع من خلال القمع والتعبئة، بدلاً من الشرعية التي تنبع من الحكم الرشيد.

2- بنية الحركة – سلاح ذو حدين: يسمح الهيكل المرن والديناميكي للحركة بالتكيف السريع مع التغيرات، لكن افتقاره إلى هيكل متين قد يعرضه أيضاً للتفكك المفاجئ أو الانهيار تحت ضغط الأزمات المتوازية.

3- يعتمد الهدوء مع السعودية على الولايات المتحدة: فالهدوء على جبهة الحوثيين والسعودية يعتمد على الردع الأمريكي، وإلى حد أقل، الردع الإسرائيلي، وليس على ضبط النفس من جانب الحوثيين. وقد يؤدي انخفاض التدخل الأمريكي والإسرائيلي إلى إضعاف هذا الردع، وإجبار الرياض على الاختيار بين تجدد الصراع أو التسوية بشروط الحوثيين.

4- قد يكون تراجع تدخل الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية تطوراً إيجابياً، لكن يجب التحقق منه: فمن المرجح أن تكون أنشطة الإغاثة في اليمن قد ساهمت في تفاقم الضرر أكثر من الوقاية، نظراً لمساهمتها غير المباشرة في استقرار اقتصاد الحوثيين. ويجب فحص أي ادعاءات من هذه المنظمات – سواء بشأن خفض النشاط أو بشأن كارثة إنسانية وشيكة – بشكل مستقل، نظراً لتاريخها من الشفافية المحدودة والتحذيرات المبالغ فيها وغير المؤكدة.

 5- الاعتماد على عُمان كعنق زجاجة: تُعد عُمان قناة رئيسية للحوثيين لتهدئة الأوضاع في لحظات الضعف. إن الإضرار بالعلاقة بين الحوثيين وعُمان سيحرم الحوثيين من الأداة الرئيسية للخروج من الصراعات بشروط مواتية لهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *