الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في نيويورك.. فلسطين أكثر حضوراً شعبياً وسياسياً
بقلم ابتسام الشامي
واصل رئيس بلدية مدينة نيويورك الأمريكية مراكمة المزيد من الإنجازات السياسية، وكشفت الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي عن تحولات عميقة لا ترتبط بموقف قواعده الشعبية من القضايا الداخلية فحسب وانما في الأساس من موقفها من العلاقات الأمريكية الإسرائيلية ومستقبلها.
زلزال نيويورك
رفعت الانتخابات التمهيدية للحزب للديمقراطي في ولاية نيويورك منسوب القلق في تل أبيب، فالنتائج التي أفضت الى تحقيق عمدة المدينة زهران ممداني انتصاراً سياسياً وصفه الإعلام الأمريكي بالزلزال، قرأها كيان العدو بوصفها مؤشراً جديداً على تراجع مستوى تأييده في الأوساط الشعبية الأمريكية عموماً، والفئات الشبابية على وجه التحديد، عندما نجح ثلاثة مرشحين أيدهم ممداني في الانتخابات التمهيدية من الإطاحة بعضوين حاليين في الكونغرس ومرشح مفضل لدى المؤسسة السياسية. علماً أن الفائزين الثلاثة يرتبطون سياسياً بمنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، التي تدعم التأمين الصحي الشامل ووقف الدعم الأمريكي للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة.
اهمية فوز “براد لاندر” و”كلير فالديس”، و”داريا ليزا أفيلا شوفالييه”، بدلالاته السياسية لا تكمن فحسب في نتائجه المرشحة لأن تتكرر في ولايات أخرى، وانما في مكانه أيضاً، إذ تُعدُّ مدينة نيويورك أكبر تجمع يهودي في العالم خارج كيان العدو، حيث يقطنها أكثر من مليون يهودي، بنسبة تتراوح بين 12٪ إلى 15٪ من إجمالي سكان المدينة. وبهذا المعنى فإن العاصمة الاقتصادية للولايات المتحدة، والمركز المالي والتجاري الأبرز في العالم، تكشف انتخاباتها عن تراجع ملموس في تأييد أوساطها الشعبية لتل أبيب، وهو تراجع يقترن بتحول تاريخي في تعاطف الأمريكيين مع الفلسطينيين، على حساب الحلفاء التقليديين، أي الإسرائيليين، وذلك بفعل التداعيات الإنسانية للحروب العدوانية لكيان العدو على قطاع غزة، ولبنان واليمن والجمهورية الإسلامية الإيرانية، ورفضا للتغطية الأمريكية لهذه الحروب والانخراط المباشر فيها، كما في الحرب الأخيرة على إيران.
تراجع التأييد العام لإسرائيل
وبما هي كاشفة لتراجع التأييد الشعبي الأمريكي لدولة الاحتلال، توقفت معظم القراءات السياسية عند مؤشرات الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في مدينة نيويورك، وفي هذا الإطار، رأت صحيفة “نيويورك تايمز” أن نتائجها تكشف عن “مرحلة جديدة من التشكيك داخل الحزب الديمقراطي تجاه إسرائيل وسياساتها”. وبحسب الصحيفة، فإن استطلاعات الرأي تظهر أن الناخبين الديمقراطيين باتوا “أكثر ميلاً إلى انتقاد إسرائيل وحكومتها” من دعمها، في تحول كبير بالمواقف السياسية داخل الولايات المتحدة.
وإذ أوضحت الصحيفة الأمريكية أن كثيراً من المسؤولين الديمقراطيين ما زالوا يدعمون “إسرائيل”، إلا أن تركيبة الحزب داخل الكونغرس المقبل “قد تكون الأكثر تشكيكاً في طبيعة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948”.
بدورها، وصفت منظمة “أمريكان بريوريتيز” نتائج الانتخابات بأنها تعكس تحولاً في توجهات السياسة الخارجية لدى القاعدة الديمقراطية. وقالت المنظمة الأمريكية المستقلة التي تدعم سياسات مؤيدة لفلسطين وتعمل على مواجهة نفوذ لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC) في مذكرة، إن “المرشحين الذين يتبنون مواقف ومبادئ واضحة بشأن إسرائيل وفلسطين يعكسون الآراء السائدة لدى الناخبين الديمقراطيين. أما المؤسسة السياسية وقادة الحزب فقد أصبحوا اليوم أبعد عن التيار السائد”.
العلاقات الأمريكية الإسرائيلية مرشحة للتغير
وفي سياق متصل بقراءة نتائج الانتخابات، وما يمكن ان يؤسس عليها لتغيير حقيقي مرتبط بالعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، قال دانيال بيس، وهو عمدة ضاحية إيفانستون في شيكاغو، والذي عارضته جماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل “أيباك” في حملته الانتخابية للكونغرس، قال إن “المطلب الحقيقي هو المحاسبة”. وأضاف: “إن تقديم مساعدات عسكرية غير مشروطة سياسة غريبة من أي دولة تجاه دولة أخرى”.
وهو ما كرره أيضاً عضو مجلس الشيوخ عن ولاية كاليفورنيا والمرشح لخلافة النائبة نانسي بيلوسي في دائرتها الانتخابية في سان فرانسيسكو سكوت واينر الذي علق على نتائج الانتخابات بالقول “أعتقد أن عهد المساعدات غير المشروطة قد ولى”.
وكلام واينر عن المساعدات الأمريكية غير المشروطة لتل أبيب ليس جديداً، إذ سبق أن أعرب عن اعتقاده تصريحه بأن “إسرائيل” ارتكبت إبادة جماعية في غزة. وقال “سنشهد المزيد من الأصوات اليهودية التقدمية في الكونغرس التي لن تتسامح مع سلوك نتنياهو”. ومن التصريحات الأمريكية اللافتة في التأكيد ان العلاقات الأمريكية الإسرائيلية في جانبها العسكري لن تبقى على ما هي عليه، ما قاله فيليب إتش. غوردون، حول أن “الرأي العام بشأن إسرائيل قد تغير بشكل لم يكن أحد ليتخيله قبل سنوات، بل حتى قبل أشهر أو سنوات”. لكن الحكومة الإسرائيلية لطالما افترضت أن الدعم الأمريكي مضمون. وقال: “ربما فات الأوان، لقد اعتبروا ذلك أمراً مفروغاً منه لفترة طويلة”. وتوقع مستشار الأمن القومي لنائبة الرئيس كامالا هاريس، أن تكون حزمة المساعدات العسكرية البالغة قيمتها 38 مليار دولار، والتي كانت إدارة أوباما قد أقرتها لمصلحة “إسرائيل” على مدى عشر سنوات – تنتهي مدتها في 2028 – هي الأخيرة من نوعها. وقال: “قبل عامين، كان هذا الأمر بديهياً، أما الآن، فأعتقد أنه من المرجح جداً ألا يجري تجديده على الإطلاق”. لكن قطع العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بتقديره ليس أمراً حتمياً بأي حال من الأحوال.
خاتمة
تأتي نتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية نيويورك، لتؤكد تدهور المكانة الإسرائيلية في الأوساط الشعبية الأمريكية، فقد أظهرت أحدث الإحصاءات، التي نُشرت لأول مرة في إطار تعاون بين “معهد الدراسات الاستراتيجية” في واشنطن، و”مركز بيو للأبحاث” أن 80٪ من الديمقراطيين لديهم رأي سلبي إلى حد ما أو سلبي للغاية تجاه “إسرائيل”، مقابل 41٪ من الجمهوريين، في حين تبدو الآراء السلبية بين الناخبين الشباب المقربين من الحزب الديمقراطي، أكثر حدة، إذ أعرب 85٪ من الفئة العمرية 18-29 عاماً و83٪ من الفئة العمرية 30-49 عاماً عن رأي سلبي تجاه “إسرائيل”.
