اليمن يقترب من حسم خياراته.. تحرك رسمي وشعبي لإنهاء العدوان والحصار والاحتلال
بقلم نوال النونو
يدخل اليمن مرحلة جديدة من المواجهة مع المملكة العربية السعودية، فخلال الأسبوع الماضي كثفت الجهات الرسمية والشعبية تحركاتها التعبوية استعداداً لبدء المعركة التي لم تتضح معالمها بعد.
ويعاني اليمنيون منذ أكثر من عقد من عدوان وحصار واحتلال سعودي لبعض المحافظات اليمنية، وخلال هذه السنوات تسببت القيود المفروضة على المطارات والموانئ والمنافذ البرية في تفاقم الأزمة الإنسانية والمعيشية، فيما حُرم ملايين اليمنيين من الاستفادة من ثروات بلادهم النفطية والغازية، ما أثر سلباً على مستوى الخدمات والأوضاع الاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد.
في المقابل، تعيش المحافظات الجنوبية والشرقية اليمنية تحت سيطرة حكومة يمنية موالية للاحتلال السعودي، وتحولت عدن وبقية المحافظات المحتلة إلى ساحات للأزمات المتلاحقة، في ظل الانهيار المستمر للكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، وارتفاع الأسعار، وتنامي الاغتيالات والصراعات بين الفصائل المسلحة المتنازعة على النفوذ والثروة، إضافة إلى تصاعد الاحتجاجات الشعبية الرافضة لهذا الواقع.
وفي ظل تعثر المسار التفاوضي واستمرار الحصار والاحتلال، جاء بيان زعيم أنصار الله السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي بمناسبة العام الهجري الجديد ليضع إطاراً سياسياً واستراتيجياً للمرحلة المقبلة، من خلال الدعوة إلى تضافر الجهود الرسمية والشعبية لإنهاء العدوان والحصار والاحتلال واستعادة الحقوق الوطنية والثروات السيادية.
ويكشف مضمون البيان عن انتقال الخطاب الرسمي من التركيز على إدارة حالة “اللا سلم واللا حرب” إلى التأكيد على ضرورة معالجة جذور الأزمة المتمثلة في الاحتلال والسيطرة على الثروات الوطنية والحصار الاقتصادي، كما حمل البيان رسائل مباشرة مفادها أن استمرار الوضع القائم لم يعد مقبولاً، وأن الخيارات المقبلة ستُبنى على أساس انتزاع الحقوق وليس انتظار الاستجابة لها.
قوات التعبئة العامة ترفع مستوى الجهوزية
وفي سياق الضغط اليمني، أعلنت قوات التعبئة العامة الاثنين الماضي في بيان لها الجهوزية الكاملة لتنفيذ توجيهات القيادة وإسناد القوات المسلحة في أي مواجهة محتملة.
وتبرز أهمية البيان في تأكيده بأن قوات التعبئة تمتلك مئات الآلاف من العناصر المدربة والمنظمة ضمن مئات الألوية التعبوية الشعبية، مع استمرار برامج التدريب والتأهيل ورفع الجاهزية والتنسيق المباشر مع القوات المسلحة اليمنية، كما دعا البيان إلى النفير العام، وتحصين الجبهة الداخلية، وتوسيع المشاركة في الدورات العسكرية المفتوحة، بما يعكس توجهاً نحو رفع مستوى الاستعداد الشعبي والعسكري تحسباً لأي تطورات مقبلة في مسار المواجهة مع السعودية وتحالف العدوان.
ولم يقتصر التأييد على الجانب التعبوي والعسكري، وإنما امتد إلى مختلف مؤسسات الدولة في العاصمة صنعاء، فقد أعلنت حكومة التغيير والبناء تأييدها الكامل لدعوة السيد عبد الملك الحوثي، مؤكدة جاهزيتها لتوفير متطلبات المرحلة وخدمة القوات المسلحة وقوات التعبئة العامة، ومفوضة السيد الحوثي باتخاذ الخيارات التي تقتضيها المرحلة، كما صدرت مواقف مماثلة عن مجلس النواب ومجلس الشورى، أكدت جميعها دعم التوجه الرامي إلى إنهاء العدوان والحصار والاحتلال واستعادة السيادة الوطنية والثروات المنهوبة، وهو ما يؤكد وجود توافق رسمي واسع حول طبيعة المرحلة المقبلة وأهدافها.
استنفار شعبي وقبلي كبير
وبموازاة المواقف الرسمية، تشهد الساحة اليمنية حالة استنفار شعبي وقبلي متصاعدة، تتمثل في الوقفات الجماهيرية والأنشطة التعبوية والدعوات إلى الالتحاق بدورات الإعداد والتأهيل العسكري.
وتشير هذه التحركات إلى أن صنعاء تسعى إلى بناء معادلة تقوم على تكامل الدورين الرسمي والشعبي، بحيث تتحول الجبهة الداخلية إلى عنصر فاعل في أي مواجهة محتملة، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو السياسي.
وتكشف المؤشرات الحالية أن صنعاء تعتبر السنوات الماضية مرحلة استنفدت أغراضها السياسية والتفاوضية، وأن استمرار الحصار والاحتلال ونهب الثروات لم يعد قابلاً للاستمرار من دون كلفة، كما تثبت هذه التحركات قناعة متزايدة بأن امتلاك أوراق القوة العسكرية والاقتصادية، إلى جانب الالتفاف الشعبي، يمنح اليمن قدرة أكبر على فرض معادلات جديدة في المرحلة المقبلة.
وما يؤكد جدية اليمن في الانتقال لهذه المرحلة من المواجهة مع السعودية هو الاتصال الذي أجراه نائب وزير الخارجية في حكومة صنعاء عبد الواحد أبو رأس مع السفير الروسي لدى اليمن يفغيني كودروف، وقد أكد أبو رأس أن اليمن عقد العزم على إنهاء العدوان والاحتلال والحصار المستمر منذ ٢٦ مارس ٢٠١٥، بغية إنهاء معاناة الشعب اليمني وانتزاع حقوقه المشروعة في الحياة الكريمة والعيش بسلام.
ويؤكد نائب مدير دائرة التوجيه المعنوي بصنعاء العميد عبد الله بن عامر أن القيادة اليمنية تدرك تفاصيل الأوضاع المعيشية والاقتصادية وتأثير الحصار على حياة المواطنين، مؤكداً أن الوقت قد حان لاتخاذ إجراءات عملية في مواجهة هذه التحديات، داعياً قوى العدوان أن تدرك حجم الالتفاف الشعبي الكبير خلف أي توجه يستهدف انتزاع حقوق الشعب اليمني، سواء ما يتعلق بالجانب الاقتصادي الذي يمس حياة كل مواطن يمني، أو ما يرتبط بطرد قوى الاحتلال من مختلف الجغرافيا اليمنية، والوصول بالبلاد إلى مرحلة من الاستقرار تتمكن فيها الدولة اليمنية من التعبير عن ذاتها وتحقيق تطلعات الشعب في مختلف المجالات.
ويمتلك اليمن رصيداً كافياً من التجربة العسكرية؛ فخلال معركة اسناد غزة، تمكنت القوات المسلحة اليمنية من فرض حصار خانق على كيان العدو الإسرائيلي، وتكبد ميناء (أم الرشراش) خسائر اقتصادية باهظة، ما أدى إلى إفلاسه، ولذا لن يكون اليمن عاجزاً عن فرض حصار مماثل لميناء جدة على سبيل المثال، كما أن الصواريخ الفرط صوتية التي عجز الكيان عن التصدي لها ستكون فاعلة ومؤثرة على منشآت العدو الاقتصادية، ولهذا يؤكد اليمنيون أن الحصار والاحتلال لن يستمر إلى ما لا نهاية، وأن ثروات اليمن النفطية والغازية يجب أن تعود إلى أصحابها، مع التعويض الكامل لما خسره اليمن طيلة سنوات العدوان، وهو حق مشروع تكفله كل القوانين والمبادئ الإنسانية والدينية.
