قراءة في أبعاد زيارة وزير الخارجية الموريتاني إلى دمشق
بقلم توفيق المديني
قام وزير الشؤون الخارجية والتعاون الموريتاني محمد سالم ولد مرزوك الذي كان يرافقه الدبلوماسي الموريتاني الدولي الكبير إسماعيل ولد الشيخ أحمد، بزيارة رسمية إلى دمشق يوم الثلاثاء 23حزيران/يونيو 2026، قادماً من العاصمة الأردنية عمان التي استضافت، الاثنين، اجتماعين الأول لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، والثاني تشاوري لوزراء خارجية الدول العربية..
كان في استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، وذلك في قصر الشعب بدمشق. ووفقاً لوكالة الأنباء السورية (سانا)، تناولت المباحثات آفاق تطوير العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات.
وتُعدُّ هذه الزيارة الأولى لمسؤول موريتاني رفيع المستوى إلى سوريا منذ عام 2011، ما يمنحها أهمية خاصة بعد نحو 15 عاماً من غياب الزيارات الرسمية رفيعة المستوى بين دمشق ونواكشوط. وتعود آخر زيارة لوزير خارجية موريتاني إلى دمشق إلى عام 2011، وأجرتها آنذاك الناهة بنت مكناس، قبل أن تتجمد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين جراء تفجر الحرب الأهلية في سوريا. وكانت موريتانيا من الدول السباقة إلى إرسال سفير لها إلى دمشق بعد إسقاط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر2024.
وتشهد العلاقات السورية -الموريتانية تطوراً لافتاً يعود في جانبٍ كبيرٍ منه، إلى دور السفير الموريتاني الجديد، الطالب المختار محمد المجتبي، الذي يتمتع بعلاقات مباشرة مع الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني. وقد أجرى السفير الموريتاني بدمشق خلال الفترة الماضية، مجموعة لقاءات جيدة مع وزراء الخارجية والدفاع والثقافة، ونشاطاته الدبلوماسية تكاد تكون يومية. فضلاً عن أنَّ الحكومة السورية تتمتع حالياً بعلاقات جيدة مع جميع البلدان المغاربية، باستثناء تونس التي يرتبط موقفها بسياسات الرئيس قيس سعيد شخصياً، وما كان محظوراً خلال فترة النظام السابق، أصبح متاحاً لتطوير العلاقات على جميع الصعد، فأعاد المغرب افتتاح سفارته في دمشق، وزار الوزير السوري أسعد الشيباني الرباط ويوم الثلاثاء الماشي استقبلت دمشق وزير الخارجية الموريتاني.
ماهي أبعاد الحركة الدبلوماسية النشطة لموريتانيا؟
يتابع الخبراء في الشؤون المغاربية تواصل التحركات الدبلوماسية النشطة التي تقوم بها موريتانيا على الصعيدين العربي والإسلامي لحشد الدعم الإقليمي والدولي لمرشحها لمنصب الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، في سباقٍ مبكرٍ لخلافة الأمين العام الحالي التشادي حسين إبراهيم طه، الذي تنتهي ولايته في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، وسط مؤشراتٍ على سعي نواكشوط لاستثمار علاقاتها العربية والإفريقية الواسعة لتعزيز حظوظ مرشحها في قيادة ثاني أكبر منظمةٍ دوليةٍ بعد الأمم المتحدة من حيث عدد الدول الأعضاء.
وكانت الرئاسة الموريتانية قد أعلنت في نيسان/ أبريل الماضي ترشيح إسماعيل ولد الشيخ أحمد للمنصب، لتبدأ منذ ذلك الحين اتصالاتٍ سياسيةٍ ودبلوماسيةٍ مع عددٍ من العواصم الإفريقية والعربية والإسلامية. ويرى متابعون أنَّ نواكشوط تراهنُ على شبكة علاقاتها المتوازنة داخل القارة الإفريقية والعالم العربي، فضلا عن السمعة الدبلوماسية التي يتمتع بها مرشحها، من أجل تعزيز فرص الفوز بالمنصب.
ما هي منظمة التعاون الإسلامي؟
تأسست منظمة التعاون الإسلامي عام 1969 عقب إحراق المسجد الأقصى، وهي ثاني أكبر منظمة حكومية دولية بعد الأمم المتحدة، وتضم في عضويتها سبعا وخمسين (57) دولة عضواً موزعةً على أربعِ قاراتٍ، ما يجعلها أكبر تجمع للدول الإسلامية في العالم. وتضطلع المنظمة بأدوارٍ سياسيةٍ ودبلوماسيةٍ وإنسانيةٍ متعددةٍ، تتصدرها القضية الفلسطينية، إلى جانب ملفات التنمية والتعاون الاقتصادي والثقافي والعلمي بين الدول الأعضاء. تعتبر المنظمة الصوت الجامع للعالم الإسلامي الذي يضمن ويحمي مصالحه في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
ويُعَدُّ منصب الأمين العام أحد أبرز المناصب الدبلوماسية في العالم الإسلامي، إذ يتولى صاحبه إدارة أعمال المنظمة والتنسيق بين أعضائها وتمثيلها في المحافل الدولية. منظمة التعاون الإسلامي لديها مؤسسات تنفذ برامجها حيث أن المقر الرئيسي في جدة في المملكة العربية السعودية. ولدى منظمة التعاون الإسلامي عدَّة مؤسسات.
القمة الإسلامية
تَضُمُّ القمة الإسلامية ملوك ورؤساء الدول وحكومات الدول الأعضاء، وهي السلطة العليا لمنظمة التعاون الإسلامي. وتعقد مرَّة كل ثلاث سنواتٍ للتداولِ واتخاذِ القراراتِ السياسيةِ وتوفيرِ الإرشادِ بشأن القضايا المتعلقة بتحقيق الأهداف والنظر في المسائل الأخرى التي تهم الدول الأعضاء والأمة.
مجلس وزراء الخارجية
يجتمع مجلس وزراء الخارجية بصفة دورية مرة كل سنة ويدرس سبل تنفيذ السياسة العامة للمنظمة وذلك من خلال اتخاذ القرارات والمقررات بشأن مسائل تحظى بالاهتمام المشترك لنيل الأهداف وتنفيذ السياسة العامة للمنظمة، واستعراض ما يتم إحرازه من تقدم في تنفيذ القرارات والمقررات الصادرة عن مؤتمرات القمة الإسلامية ومجالس وزراء الخارجية السابقة، ومن ثم يقوم المجلس بدراسة وقبول البرنامج.
الأمانة العامة
تعتبر الأمانة العامة الجهاز التنفيذي للمنظمة وتتولى تنفيذ القرارات الصادرة عن هيئات صنع القرار للمنظمة. تتكون الأمانة العامة من أقسام متعددة تعمل على تعزيز العمليات اليومية للمنظمة وتتضمن: أ (شؤون فلسطين والقدس). ب (قسم الشؤون السياسية والأقليات المسلمة). ت (قسم الشؤون الاقتصادية). ث (قسم العلوم والتكنولوجيا حول البيئة والصحة والتعليم العالي). د (قسم التعاون الدولي والشؤون الإنسانية). ذ (القسم الإداري والمالي). ر (مديرية الثقافة الاجتماعية وشؤون الأسرة). ز (قسم الشؤون القانونية). س (قسم المعلومات العامة والتواصل). ش (قسم المعلومات والتكنولوجيا). ص (قسم المؤتمرات). ض (قسم البروتوكول والعلاقات العامة).
من هو المرشح الموريتاني لمنصب الأمين العام؟
يُعَدُّ إسماعيل ولد الشيخ أحمد من أبرز الدبلوماسيين الموريتانيين خلال العقد الأخير، فقد وُلِدَ عام 1960بمنطقة “بيلا” التي أصبحت اليوم جزءاً من العاصمة الموريتانية، حيث تربَّى في أسرة اهتمت بتعليمه وتربيته وفقا للتقاليد الموريتانية، مشفوعةً بتعليمٍ عصريٍّ في فرنسا. فدرس في جامعة مونبلييه بفرنسا حتى نال شهادة البكالوريوس في الاقتصاد، وانتقل إلى جامعة مانشستر بالمملكة المتحدة وحصل على شهادة الماجستير في تنمية الموارد البشرية، ثم التحق بكلية ماستريخت للدراسات العليا بهولندا فحاز شهادة متقدمة في الاقتصاد وتحليل السياسات الاجتماعية. وهو يتقن العربية والفرنسية والإنجليزية.
عمل ولد الشيخ أحمد بعد تخرجه موظفاً بمفوضية الأمن الغذائي في موريتانيا لمدة سنتين، قبل أن ينتقل للعمل في وظائف مختلفة بهيئات تابعة للأمم المتحدة، منها تعيينه مطلع عام 2014 في منصب نائب مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا. تقلد – من خلال عمله في الأمم المتحدة على مدى 28 عاماً – العديد من الوظائف والمسؤوليات في مجال التنمية والمساعدة، وتنقل بين مناصب ومهمات أممية في أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، ما أكسبه شبكة واسعة من العلاقات داخل المنظمات الدولية والإقليمية.
وخلال الفترة (2008-2012) شغل منصب المنسق المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا قبل أن يتولى المهمة نفسها في اليمن (2012-2014). وفي مطلع عام 2014، عين نائباً لمبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا، ثم اختاره الأمين العام للأمم المتحدة في ديسمبر/كانون الأول من نفس السنة ليكون مبعوثه الخاص لتنسيق جهود مكافحة فيروس “إيبولا” الذي اجتاح دولاً عديدة في غرب القارة الأفريقية.
هل تنجح موريتانيا بفوز مرشحها؟
تخوض الديبلوماسية الموريتانية حراكاً دبلوماسياً كبيراً على الصعيدين العربي والإسلامي، من أجل أن يفوز مرشحها الدبلوماسي الدولي العريق إسماعيل ولد الشيخ أحمد بمنصب الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي. ويأتي هذا الترشيح في ظِلِّ حضورٍ دبلوماسيٍّ متزايدٍ لموريتانيا خلال السنوات الأخيرة، خاصةً بعد تولي الرئيس محمد ولد الغزواني رئاسة الاتحاد الإفريقي في 2024، وما رافق ذلك من تعزيزٍ لمكانة نواكشوط داخل المنظمات الإقليمية والقارية.
ومع بقاء عدَّةِ أشهرٍ على انتهاءِ ولاية الأمين العام الحالي التشادي حسين إبراهيم طه، يتوقع أنْ تشهدَ المرحلة المقبلة حراكاً دبلوماسياً مكثفاً بين الدول الأعضاء، في ظلِّ سَعْيِ أكثر من عاصمةٍ لتأمين مواقع مؤثرة داخل المنظمة، بينما تبدو موريتانيا حتى الآن من أوائل الدول التي بدأت حملة منظمة ومبكرة لحشد التأييد لمرشحها.
على الرغم من الدعم الذي بدأت موريتانيا تحشده لمرشحها إسماعيل ولد الشيخ أحمد، فإنَّ معركة الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي لا تزال مفتوحةً على احتمالاتٍ عدَّةٍ. فالمنظمة التي تضم 57 دولة عضواً تخضع فيها التعيينات الكبرى لحساباتِ التوازنِ بين المجموعاتِ العربيةِ والإفريقيةِ والآسيويةِ، فضلاً عن ثقل الدول المؤثرة وفي مقدمتها السعودية، الدولة المضيفة لمقر المنظمة.
ويبدو أنَّ نواكشوط تسعى إلى خلقِ أمرٍ واقعٍ دبلوماسيٍّ عبر جمع أكبرِ عددٍ من التأييد قبل ظهورِ أيِّ منافسٍ محتملٍ، وهو ما يُفَسِّرُ التحركات المبكرة للرئيس محمد ولد الغزواني ووزير خارجيته في عدد من العواصم الإفريقية والعربية والإسلامية. وحتى الآن، لم يُعلنْ رسمياً عن أيِّ مرشحٍ آخرٍ، غير أنَّ الأشهرَ الفاصلةَ عن انتهاءِ ولاية الأمين العام الحالي حسين إبراهيم طه قد تشهدُ دُخُولَ أسماءٍ جديدةٍ إلى السباقِ، خصوصاً إذا رأتْ بعضَ العواصمِ الإسلاميةِ الكبرى أنَّ المنصبَ يستحقُ منافسةً أوسع.
خاتمة
تُعَدُّ الدبلوماسية الموريتانية نشطةً في مجال فوز مرشحها بمنصب الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي، فهي تُقِيمُ علاقات جيدة مع جميع الدول المغاربية والمشرقية، من دون أن تدخل في صراع المحاور الإقليمية المتنقلة والمتقلبة في عموم المنطقة العربية. فنواكشوط لم تنخرطْ في محورٍ إقليميٍّ مع الجزائر وإيران وروسيا في مقابل محورٍ خليجيٍّ يضُمُّ المغرب أيضاً والولايات المتحدة.
وعلى الرغم من أنَّ موريتانيا تكتسي أهمية استراتيجية بالنسبة لإيران التي استطاعت أن تتغلغل في أفريقيا الغربية في السنوات الأخيرة، وموقع موريتانيا يساعدها على دعم هذا النفوذ، فإنَّ
نواكشوط تتعامل مع المسعى الإيراني لتوطيد العلاقات معها بحذرٍ شديدٍ، لسببين رئيسيين، أولهما أنَّ إيران على عداءٍ قويٍّ مع المغرب بسبب التطبيع مع الكيان الصهيوني والموقف من الصحراء الغربية، ونواكشوط معنية بعلاقاتٍ مستقرةٍ مع الرباط، وثانيهما حالة العداء بين إيران والدول الخليجية الذين هم حلفاء للرئيس الموريتاني ولد الغزواني وداعمون له.
كما أنَّ موريتانيا معنيةٌ بالعلاقات مع الجزائر لسببين إثنين: الأول أنْ تكون العلاقات متوازنةً مع علاقات موريتانيا مع المغرب، والثاني لجهة العلاقات الثنائية وخصوصاً منها الجانبان الأمني والاقتصادي، أمَّا أنْ تكون العلاقات مدخلاً لدخول موريتانيا في محاور إقليميةٍ، فهو ما لا يمكن لنواكشوط أنْ تَقْدِمَ عليه لظروفها الخاصةِ ولأهميةِ علاقاتها مع جميعِ الأطرافِ.
واستطاعتْ نواكشوط الحفاظ على علاقاتٍ دبلوماسيةٍ مستقرةٍ مع طهران، دون أنْ يؤثر ذلك على علاقتها مع حليفها الرئيسي السعودية. ومع أنَّه لا وجود لأرقام دقيقة حول حجم التعاون بين الجانبين، إلا أنَّ مسؤولي البلدين يؤكدون، في مناسباتٍ متواترةٍ، أنَّ علاقاتهما الثنائية قويةٌ وتتجه نحو مزيدٍ من التطوّر.
ولا شك أنَّ هذه السياسة الخارجية المتوازنة مع مختلف الدول العربية والإسلامية، تَخْدِمُ مصلحة موريتانيا، لكي يفوز مرشحها الدبلوماسي الدولي العريق إسماعيل ولد الشيخ أحمد بمنصب الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.
