إيران تُطالب بِسيادة لبنان… والسُلطة اللبنانية تُهرول نحو التَّطبيع
بقلم زينب عدنان زراقط
لا أيُّها الرئيس، لبنان ليس تحت الوصاية الإيرانية، ولن يكون. لكنّ رفض الوصاية لا يكون بالتغاضي عن العدوان، ولا بتبرئة المحتل، ولا بتحويل من يطالب بوقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي إلى متهم بالتدخل في الشؤون اللبنانية!.
بين مسار تفاوضي لبناني منح إسرائيل عملياً امتيازات إضافية تحت عنوان وقف إطلاق النار، وبينَ مسار إيراني أمريكي أعاد تثبيت الانسحاب الإسرائيلي ووقف الحرب كشرطين لا يمكن تجاوزهما، هل كان المطلوب إدارة الاحتلال بشروط إسرائيلية جديدة – تُشرّعُها الدولة اللبنانية -، أم فرض انسحابه واستعادة قواعد الاشتباك – من مُنطلق قوة المقاومةِ – التي جرى التفريط بها؟.
حين يكون الصديق حارس السيادة وتكون الدولة مصدر الغدر
إلى حضرة رئيس الجمهورية اللبنانية، جوزيف عون، الذي تُثبت أوراق القيد أنه من أبناء الجنوب؛ ذلك الجنوب الذي سُفكت دماءُ أبنائه على امتداد الحرب، وتعرّض أهله وقراه وأبناؤه لأبشع أشكال العدوان وجرائم الإبادةِ. ومع ذلك، لم يُسمع له طوال تلك الحرب صوتٌ يدين العدوان بكلمة واحدة، أو يوجّه تهديداً للعدو الذي انتهك مختلف أشكال السيادة اللبنانية واستباحها. بل اكتفى بمناشدات خجولة “من العدو نفسه” لمنح لبنان بعض حقوقه والجلوس وللتفاوض!.
فشتّان بين وفدٍ إيرانيٍّ يفاوض الولايات المتحدة من موقع القوّة والاقتدار والتحدّي، فارضاً شروطه، وفي مقدّمتها وقف الحرب على لبنان والانسحاب الكامل، مستنداً إلى تضحيات شهداء “ميناء 168” من أطفال المدرسة الذين قُتلوا ظلماً بالصواريخ الأمريكية، وبين وفدٍ لبنانيٍّ اجتمع بالعدو الإسرائيلي، لا ليفاوضه، بل ليُصادق على استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، ويمنح غطاءً لاستمرار احتلال القرى الحدودية الجنوبية.
والأشدّ إثارةً للاستغراب، أنه سعى عبر مسار وُصف بأنه “فخٌّ” نُصب تحت عنوان “السلام”، إلى فتح الباب أمام التطبيع المباشر مع الكيان الإسرائيلي، من خلال المفاوضات المباشرة والمصافحة ووضع اليد باليد، فيما كانت دماء الشهداء لا تزال تنزف أمام الأعين، وكانت آثار العدوان والدمار شاخصة في كل مكان.
1- تنازُلات – تطبيع – مُساومة على الوطن
فبينما انشغل الخطاب الرسمي بتسويق المسار التفاوضي اللبناني – الإسرائيلي بوصفه الطريق الوحيد نحو الاستقرار، كانت الوقائع تسير في اتجاه مختلف تماماًُ، إسرائيل حصلت على ما عجزت عن فرضه بالقوة العسكرية، من “حرية عمل” مفتوحة إلى غياب أي التزام واضح بالانسحاب، فيما جرى تقديم هذه النتائج على أنها إنجازات سياسية!.
إنه وفدٌ تُملَى عليه الشروط إسرائيلياً فينفّذها، وليس وفداً يفرض شروطه أو يدافع عن حقوق بلاده. ولم يكن شعاره شهداء الجيش اللبناني، ولا شهداء قوى الأمن، ولا مجاهدي المقاومة الإسلامية، ولا الأسرى، ولا آلاف الشهداء المدنيين الذين قارب عددهم الأربعة آلاف، بل كان شعاره التخلي عن مقتضيات الدفاع عن الوطن والانخراط في مسار التفريط بالحقوق الوطنية. إنهم، رعاةُ سلامٍ مع العدو الإسرائيلي، لا حملةُ مشروعٍ لاستعادة الأرض وحماية السيادة.
وبعد هذا التورط السياسي الذي اقترنَ بمسارٍ تزامن مع سفك الدماء وتدمير قرى الجنوب والبقاع والضاحية، ومع مآسي فقدان الأحبة وإبادة عائلات بأكملها، يُؤخذ على السلطة اللبنانية أنها لم تقل كلمة حق في وجه العدوان، وأنها استهانت بالحدِّ من الاعتداءات الإسرائيلية، كما هان عليها ما قُدّم من تضحيات جسام وما بُذل من غالٍ ونفيس دفاعاً عن لبنان، وهي تضحيات لا يعوضها شيء، ولو افتُديت بملء الأرض ذهباً.
وبناءً عليه، إنَّ هذه السلطة اللبنانية تتحمّل مسؤولية سياسية وأخلاقية عمّا جرى، وتُعتبر شريكاً في النتائج التي ترتبت على استمرار العدوان، وأن ذمم القائمين عليها مثقلة بدماء الضحايا الذين سقطوا – وما زالوا يرتقون – نتيجة الغدر والاعتداءات المتواصلة.
2- إنكار دور إيران بفرض وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي
الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي وضعت لبنان في مقدمة أولوياتها التفاوضية مع الولايات المتحدة الأمريكية واعتبرته بنداً أول في أي تفاهم محتمل، فجعلت إنهاء الحرب على لبنان وضمان الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب مدخلاً إلزامياً لأي اتفاق، وقدّمت الملف اللبناني على سائر الملفات الأخرى، قبل الحديث عن مضيق هرمز، وقبل العقوبات والحصار والأصول المجمدة، بل وحتى قبل الملف النووي نفسه، منحت لبنان الأولوية الأولى، وجعلته المفتاح الذي يبدأ منه أي تفاهم سياسي أو أمني في المنطقة.
وعلى الرغم من ذلك، جاء موقف رئيس الجمهورية اللبنانية، ليصنّف الدور الإيراني في خانة التدخل الخارجي، على الرُغم من أن إعادة طرح قضية وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي جاءت نتيجة هذا المسار تحديداً.
إنَّ هذه المواقف المتكررة للرئيس جوزيف عون، من سقطةٍ إلى هاوية، عثرةٍ تلو الأُخرى، كشفت بصورة نهائية طبيعة الخيارات التي تبناها، وبترت ما تبقى من الرهانات المعقودة عليه، وورقتهُ السياسية قد احترقت بالكامل.
المكاسب الإسرائيلية من مفاوضات الدولة اللبنانية
وبدل أن تتسلح الدولة اللبنانية بالموقف الإيراني الذي وضع لبنان في صدارة الأولويات التفاوضية وفرض وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي كبند أول على طاولة المفاوضات الأمريكية – الإيرانية وتتحصّن بعناصر القوة التي وفرتها المقاومة من صمودها وتضحياتها في الميدان، اختارت المضي في مسار التنازلات. فلم تستثمر هذا الزخم السياسي ولا هذه الأوراق التفاوضية، ولم تتعامل معها باعتبارها فرصة لانتزاع الحقوق اللبنانية من موقع القوة، بل فضّلت التفاوض تحت سقف الشروط والضغوط الإسرائيلية والأمريكية. وكانت النتيجة، أن انتهى المسار إلى منح إسرائيل امتيازات إضافية وتكريس مطالب سعت إلى انتزاعها منذ بداية الحرب، بعدما عجزت عن فرضها كاملةً بالقوة العسكرية.
أولاً: حرية العمل الإسرائيلية… التنازل الأول
تمثلت النتيجة الأولى في البيان الصادر عن جلسة المفاوضات الأخيرة بين لبنان والكيان الصهيوني، منح إسرائيل ما سُمّي “حرية العمل”، أي حق الدفاع عن النفس بصورة حصرية. ويشمل هذا الحق مواجهة أي تهديد قائم أو وشيك أو محتمل، وهو ما كانت إسرائيل تطالب به منذ البداية. ويرى أصحاب هذا الرأي أن السلطة اللبنانية كرّست هذا المبدأ رسمياً من خلال قبول النص وعدم إصدار أي بيان ينفيه.
ويُستدل أيضاً بخطاب رئيس الجمهورية الذي أشار إلى جزء من النص المتعلق بعدم استهداف المنشآت الحكومية، متجاهلاً الجزء الذي يمنح إسرائيل هذه الصلاحية الواسعة. وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ضوء استمرار الاستهداف الإسرائيلي لمنشآت حكومية ومدنية وعسكرية، الأمر الذي يجعل التوقيع على هذا النص بمثابة منح غطاء سياسي وقانوني لهذه الممارسات.
ثالثاً: الانسحاب الإسرائيلي… من التزام واضح إلى غياب كامل للجدول الزمني
ففي حين كان اتفاق عام 2024 يتضمن مهلة زمنية محددة للانسحاب وآليات لمتابعة الانتهاكات، لم يعد هناك في الصيغة الجديدة أي التزام إسرائيلي واضح أو جدول زمني ملزم. كما أن الآلية الدولية التي كانت توثّق الانتهاكات لم تعد قادرة على توصيف السلوك الإسرائيلي بوصفه خرقاً للاتفاق، بعد ظهور ترتيبات جديدة غيّرت قواعد التعامل مع الملف. وفي هذا السياق، بات استمرار الوجود الإسرائيلي جنوب الليطاني يُقدَّم بوصفه أمراً طبيعياً، بعدما جرى عملياً إسقاط إلزامية الانسحاب.
رابعاً: المناطق التجريبية… تكريس للاحتلال أم خطوة انتقالية؟
يُنظر إلى الطرح المتعلق بالمناطق التجريبية باعتباره أحد أكثر البنود إثارة للجدل. ففكرة أن ينسحب الاحتلال من جزء من الأرض فقط لاختبار قدرة الدولة صاحبة الأرض على إدارتها تُعد، وفق هذا التقييم، سابقة سياسية تمس جوهر السيادة الوطنية. ومن هذا المنطلق يُطرح السؤال: هل يمكن لأي دولة ذات سيادة أن تقبل بأن يحدّد المحتل شروط انسحابه وفق تقييمه لأداء السلطة المحلية؟.
خامساً: اتفاق الهدنة أم تمهيد للتطبيع؟
يشكل مفهوم “اتفاق الهدنة” محوراً أساسياً في الجدل الدائر. فوفق هذا الطرح، هناك فارق جوهري بين الهدنة وإنهاء حالة الحرب وإنهاء حالة العداء والسلام. فالهدنة تعني وقف الأعمال العدائية مع بقاء حالة الحرب قائمة، بينما يؤدي الانتقال إلى مفاهيم أخرى إلى نتائج قانونية وسياسية مختلفة تماماً. بيدَ أنَّ “إنهاء حالة العداء” يفتح الباب أمام خطوات تطبيعيه تشمل إلغاء قوانين المقاطعة وتقييد الخطاب المعادي لإسرائيل.
ختاماً، لا يزال الوضع الأمني حذراً في لبنان، ولا سيما في قرى الجنوب، وتحديداً في المناطق الحدودية التي يتمركز فيها الجيش الإسرائيلي. وتكمن الإشكالية الأخطر في التناقض القائم بين مسارين؛ أحدهما هو المسار الذي أعاد الاعتبار فعلياً لمفهوم وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي، وهو المسار الناتج عن التفاهم الأمريكي الإيراني، والآخر يتمثل في غدر السلطة اللبنانية وتنازلاتها التي كرّست حرية العمل للإسرائيلي وأضعفت مطالب الانسحاب.
فعجباً، إيران التي لم تطرح شروطاً تتعلق بالسلاح أو بالنظام السياسي اللبناني أو بالعلاقات الداخلية، بل ركزت على وقف الحرب وضمان الانسحاب الإسرائيلي، تُتهم بالوصاية، بينما الدولة اللبنانية التي تمنح العدو الإسرائيلي حرية العمل في لبنان، وتسمح باستباحة سيادته، ولا تفرض عليه جدولاً زمنياً للانسحاب، وتمهّد للتطبيع معه، ألا يحق أن تُدان بالعمالةِ؟.
