ما بينَ الدّين والعِلم والفَلسفة التكامل لا الصراع: نحو رؤية معرفية للعلاقة بين العلم والدين
بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري
هذا سؤال وجّهته لأحد كبار المختصين في مجال الفلسفة واللاهوت، وقد حاولتُ في بعض الدراسات والبحوث تسليط الضوء عليه، ومحاولة الإجابة على ما يثيره من إشكاليات فكرية عديدة وممتدة، في سياق التمهيد لمثل هذه الأسئلة المعرفية الكبرى التي أسميها بــ “أسئلة المعنى”.. يأتي هذا على خلفية المناخ الذي ولّدته العلوم المادية الحديثة، والذي برزت نتائجه ومؤثراته على صعيد ما يُقال دوماً بوجودِ مشكلةٍ وتناقضٍ عملي بينهما، أعني العلم والدّين..
إن مشكلة الخطاب الدينيّ (وليس الدّين) مع العلم، يمكن عزوها إلى إحساس متأصّل في المُؤَسّسة الدينيّة بأنّ العلم اقتطعَ أجزاءً من نطاق سُلطتها. وهذا الشعور له ما يبرره بطبيعة الحال لدى كثير من أهل الدين وعلمائه وجماعاته ومختلف تياراته.. ففي الماضي، كان الناس يتوجهون إلى الشيوخ ورجال الدين لعلاج أمراضهم العضوية، أما اليوم فإنهم يذهبون إلى الأطباء من أهل الاختصاص والخبرة.. من هذا المنظور، أثبت العلم جدارته في معالجة الأمراض الجسدية بشكل يفوق قدرة رجال الدين الذين كانت لهم هيمنة وسطوة على مجالات العلم المادية..
لقد كانت المؤسسة الدينية (في أي دين) تمارس – في العصور السابقة – سلطة شاملة على مواقع تفسير الطبيعة والكون والأخلاق والمعنى، ثم جاءت المنهجية العلمية الحديثة القائمة على (الملاحظة + التجربة + القابلية للتكذيب + التكرار)، واقتطعت من هذه السلطة كل ما يتعلق بالظواهر المادية القابلة للقياس والمعايرة.. بالتالي لم يعد الدين “مسؤولاً” عن شفاء الجسد، ولا عن تفسير حركة الكواكب، ولا عن أصل الأنواع.. وهذا الاقتطاع أنتج إحساساً متصاعداً بالتراجع، فنشأ التناقض الظاهري بين ما هو علمي وما هو ديني..!!. والخلاصة أن العلم أجبر الخطاب الديني على إعادة تعريف ذاته ودوره ووظيفته العامة، فلم يعد العلاج الجسدي ولا تفسير الظواهر المادية من اختصاص الدين، مما أدى إلى تراجع مساحة نفوذه وسلطته.
ولا يزال العلم يتحدى الدين في حقول عديدة كالفيزياء والأنثروبولوجيا والبيولوجيا والطب النفسي والجسدي، على الرغم من عجزه عن الإجابة عن آلاف الأسئلة حتى الآن..
وهنا السؤال: كيف يمكن، وبأدوات معرفية واضحة، أن نشرح للناس أن العلم والدين متكاملان وليسا في حالة تناقض أو صراع؟! وهذا السؤال يعكس إشكالية حقيقية شغلت الفكر الإنساني لقرون، إذ أن الصراع ليس بين العلم والدين كحقيقتين، بل بين المنهجية العلمية والخطاب الديني التاريخي الذي يفسر كل تقدم علمي على أنه انتقاص من سلطانه.
طبعاً تمثل هذه الأسئلة في جوهرها مشكلة مؤسّسية وخطابية أكثر منها مشكلة بين “العلم” و”الدين” ذاتهما.
ولتوضيح التكامل ورفع الالتباس، يمكن اقتراح الآلية المعرفية التالية، والتي تقوم على عدة مرتكزات ومبادئ واضحة:
المبدأ الأول- ترسيم حدود المنهج والمجال (مبدأ “عدم التداخل”):
الخطوة الأهم لحل أي نزاع هي ترسيم الحدود. يمكن تشبيه العلاقة بـ “لغتين مختلفتين تتحدثان عن حقيقتين مختلفتين”:
– فالعلم يجيب على سؤال “كيف؟”:
حيث أن العلم هو منهج لفهم آلية عمل الكون المادي وطبيعة المعادلات والقوانين القائمة فيه. أي أن مهمته تكمن في الوصف، وصف الظواهر الطبيعية (كيف نزل المطر؟ كيف تطور الجسد؟ كيف يعمل الدواء؟). ووسيلته وأداته لتحقق ذلك هو المعايرة المادية والتجربة والحساب القياسي المادي، بما يعني أن وحقيقته نسبية قابلة للخطأ والتعديل.
– أما الدين فهو يجيب على سؤال “لماذا؟”: أي أنه هو مصدر المعنى والقيمة والغاية. ومهمته تتمحور حول تفسير سبب الوجود من خلال ما يقدمه من إجابات على الأسئلة: (لماذا نحن هنا؟ ما معاناة المرض؟ ما مصيرنا بعد الموت؟ ما الغاية من الوجود؟). وأداته الوحي والإيمان من خلال التفكر والتأمل في الخلق، وحقيقته مطلقة فيما يتعلق بالمبدأ والغاية.
وبموجب هذا المبدأ، لا يمكن للعلم أن يثبت “الوجود الإلهي” أو ينفيه معملياً تجريبياً فهذا ليس من اختصاصه ولا حقله، لأن الله ليس جسماً مادياً قابلاً للقياس. بالمقابل، لا يمكن للدين أن يقدم نظرية فيزيائية بديلة عن الجاذبية مثلاً، لأن مهمته ليست شرح آلية سقوط التفاحة، بل تأمل الحكمة من حركة الكون..
المبدأ الثاني- تفكيك مفهوم “السلطة” (من سيطرة إلى خدمة):
ما تسميه “إحساس المؤسسة الدينية باقتطاع سلطتها” هو لب المشكلة.. والحل يكمن في تغيير فهم ووعي هذه المؤسسة لسلطتها وحدودها والتزاماتها.. حيث أن النموذج القديم (السلطة الشاملة)، كان رجل الدين فيه هو “المرجع الكلي” (طبيب، فلكي، فيلسوف، وفقيه).. لكن هذا النموذج انتهى بفضل تخصص العلم.. أما النموذج المتكامل (السلطة الروحية): فهو الذي يجب أن تتحول فيه سلطة رجل الدين من “السيطرة على تفسير الظواهر” إلى “تقديم التوجيه الأخلاقي والروحي وإضفاء المعنى والغاية”. فعندما يذهب المريض إلى الطبيب، لا يكمن دور رجل الدين في وصف الدواء، بل تذكير المريض بضرورة الصبر، وأن الشفاء بيد الله، وتحليل العلاقة بين المرض والذنب إن وردت في النص الديني بشكل لا يتعارض مع الطب.
المبدأ الثالث- منهجية “التأويل العلمي” للنص الديني:
لكي لا يكون هناك صدام وصراع علمي ديني، يجب تطوير آلية معرفية لفهم النص الديني (القرآن والسنة) في ضوء المعطيات العلمية القطعية:
- التمييز بين “الغيب” و “الشهادة”:
فهناك النصوص التي تتحدث عن أمور غيبية (كيفية خلق الروح، الجنة والنار)، وهذا هو مجالها الخاص. أما النصوص التي تذكر ظواهر كونية (توسع الكون، الجبال، خلق الإنسان) فهي “آيات” أي علامات تدعو للتفكر والتأمل، ويفهم معناها الظني وفقاً لمستوى العلم في كل عصر.
2-مبدأ “الظنية والدلالة”: فالنص الديني قطعي الثبوت، ولكن دلالته على الظاهرة العلمية غالباً ما تكون ظنية (أي تحتمل أكثر من تفسير). وهذا ما يسمح بإعادة تفسير النص بما يتوافق مع الحقيقة العلمية الثابتة (لا النظرية القابلة للشك والخطأ)، دون المساس بقدسية النص. فالعلم يحدد “المراد العلمي” للآية، والنص يمنح “البعد الإيماني” للحقيقة.
المبدأ الرابع- الاعتراف بـ”تواضع” كلا الطرفين أمام الحقيقة:
التكامل الحقيقي يبدأ عندما يعترف كل طرف بحدود أدواته ووسائله:
فمن جهة العلم يجب على العالِم أن يعترف بأن العلم لا يجيب عن أسئلة “المعنى” والغاية والهدفية.. نعم، يمكن للعالم أن يشرح آلية عمل الدماغ بدقة، لكنه لا يستطيع أن يثبت أو ينفي وجود “الوعي” أو “الروح” بمجرد التحليل الكيميائي.. هذا العجز يترك مساحة للدين للاشتغال وتقديم رؤيته المعنوية الهادفة.
ومن جهة الدين يجب على رجل الدين الاعتراف بأن النصوص الدينية لم تنزل لتكون موسوعة علمية دقيقة ومفصلة عن أي شيء في هذا الوجود المادي العضوي. بل الغرض منها هو الهداية. لذلك، من العبث البحث فيها مثلاً عن تفاصيل “نظرية الكم” أو “جراحة القلب”. هذا الاعتراف ينهي حالة “الدفاعيات” المتوترة التي تبحث عن “إعجاز علمي” في كل آية بشكل متكلف، مما يسبب ضرراً كبيراً لا نفع فيه أبداً.
المبدأ الخامس- تغيير الخَطاب من حالة “الصراع” إلى حالة التكامل و”السلم الحضاري”:
وهذا يقتضي توعية الناس على أن الإسلام (كنموذج ديني) لم ينشأ في فراغ، بل حث على النظر والتفكر في الكون وصولاً لمعرفة الخالق، وما يستوجبه ويقتضيه من أفعال والتزامات سلوكية هادفة لتحقيق الغايات الإنسانية في الأمان والسلام الإنساني الذاتي والموضوعي.. والآلية هنا هي:
1- ربط العلم بالعبادة: من خلال توضيح أن دراسة الكون وفهم قوانينه ومعادلاته الكبيرة والعميقة هي عبادة وطاعة لأمر الله ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾]يونس: 101[. عندما ينظر المجتمع إلى الطبيب أو المهندس أو الفيزيائي على أنهم “جنود لله” في فهم سننه، يزول التوتر.
2- التاريخ كدليل: حيث يجب العمل على تذكير الناس بتلك العصور الذهبية للحضارة الإسلامية التي كان فيها الجامع مدرسةً ومستشفى ومرصداً في آنٍ واحد، ولم يكن هناك ازدواجية في شخصية العالم المسلم كابن سينا الذي كان فقيهاً وطبيباً جمع في وعيه وسلوكه بين تقنيات العلم المادي ومعاني الدين الروحية العميقة، معنى ومعرفة وفلسفة).
وهكذا يمكن القول للناس: إنّ العلم يخبرنا عن “عنوان” الكتاب (الكون)، والدين يخبرنا عن “محتوى” الكتاب (أي الهداية).. وبالتالي لا يمكن فهم الكتاب الكوني (العلم) دون قراءة متقنة وواعية، ولا يمكن فهم الكتاب المقروء (الدين) دون بصيرة عميقة. والمشكلة ليست في الكتابين، بل في قارئ يظن أن طريقة قراءة أحدهما تلغي الآخر.
إن التكامل يحدث عندما نستخدم العلم لفهم “آلية” عمل الكون، والدين لفهم “قيمة” هذا العمل وغايته.. فالعلم يصف الآلية، والدين يعطي الغاية. والآلية لا تنفي الغاية، والغاية لا تلغي الآلية.. ومن يخلط بينهما يقع في خطأ معرفي كبير.
الخلاصة الصريحة:
إن العلم لم يُضيّق مجال الدين وعمله؛ بل أرجعه إلى دوره الحقيقي الأعظم القائم على إضفاء وإعطاء المعنى والأخلاق والارتباط بالمطلق. والدين لم يُهزم؛ بل تحرّر من عبء أن يكون “موسوعة علمية قديمة”. وهذا التكامل ليس “تسوية” سياسية، بل حقيقة معرفية: مجالان مختلفان تماماً في المنهج والغاية، فلا يلتقيان في صدام إلا إذا تجاوز أحدهما حدّه. ولهذا من يفهم هذه الآلية الثنائية يرى أن العلم والدين متضامنان بالضرورة: فالعلم يُظهر عظمة الخلق، والدين أيضاً يُظهر عظمة الخالق. وهذا هو الطريق الوحيد لتوعية الناس بصدق دون تكلف أو تمييع. وهذا الاشتغال هو من مختصات القضية الأهم وهي فلسفة العلوم التي توضح:
- أنّ العلم ليس “حقيقة مطلقة” ولا “خرافة”، بل هو منهج عملي ديناميكي قابل للخطأ والتصحيح.
- تمنع الوقوع في “الخطأ المعرفي” عند خلط العلم بالدين أو الفلسفة. فالعلم يجيب – كما قلنا – على “كيف” (الآلية)، بينما الدين والفلسفة يجيبان على “لماذا” (المعنى والغاية).
وهذا التكامل – كما في الآية الكريمة:﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾] فصلت: 53[ – هو ما يجعل العلم عبادة يكشف عظمة الخلق.
