كيف تحاول إيران هزيمة إسرائيل والولايات المتحدة دون حسم عسكري
ترجمة وإعداد: حسن سليمان
الإكراه عبر الاستنزاف..
مقدمة: من الردع إلى الاستنزاف
لطالما أدركت إيران، على مدى سنوات طويلة، ضعفها في مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة. فقدراتها القتالية الجوية والبحرية محدودة نسبياً، ما دفعها إلى تطوير استراتيجية تمكنها من تعزيز تصدير الثورة ومواجهة التهديد الذي تشكله الدول ذات التفوق العسكري الواضح.
وبناءً على ذلك، صاغت إيران استراتيجية ترتكز على ثلاثة عناصر قوة مركزية: منظومة صواريخ واسعة النطاق، وبناء قدرات نووية، وبرنامج وكلاء إقليميين.
إلا أن الصراع الإقليمي الذي اندلع عقب هجوم حماس الإرهابي في 7 ت1 2023، كشف عن قصور هذا المفهوم: ففي الواقع، تلقت رؤية تصدير الثورة الإسلامية ضربة قاسية، وعجزت عن منع أي هجوم على إيران. وبناءً على ذلك، يبدو أن طهران لم تتخلَّ عن عناصر القوة التي بنتها على مر السنين، بل كيّفت طريقة استخدامها لتتوافق مع منطق حرب مختلف. هذا المنطق، كما تجلى في حرب “زئير الاسد”، قريب من مفهومي الإكراه والاستنزاف، اللذين يتمحوران حول محاولة تقويض قدرة إسرائيل والولايات المتحدة واستعدادهما لمواصلة القتال تدريجياً، وذلك أساساً من خلال تقويض الشرعية المحلية والدولية لمواصلة الحملة.
نظرياً، يمكن اعتبار الاستراتيجية الإيرانية متجاوزة لمفهوم الإكراه، كما عرّفه المفكر المحوري توماس شيلينغ، والذي يعتمد على ممارسة ضغط مستمر بهدف تغيير سلوك الخصم وإجباره على التوقف عنه أو تحييده. وعلى عكس الردع، الذي يسعى إلى منع العمل، يهدف الإكراه إلى إيقافه أو تغييره، وذلك أحياناً من خلال استراتيجية استنزاف متعددة الأبعاد.
بما أن النظام ينظر إلى هذه الحملة على أنها حرب وجودية، فإنه لا يتردد في استخدام جميع الوسائل المتاحة له (إغلاق مضيق هرمز، ومهاجمة دول الخليج وإسرائيل، واستهداف مواقع أمريكية) للضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل لوقف الهجوم على إيران ما دام النظام في السلطة. ويتمثل رصيده الرئيسي في هذا السياق في الاتفاق على عدم محاولة الإطاحة بالنظام باستخدام القوة البرية. وإذا ما تم استخدام القوة البرية، فسيكون ذلك مقتصراً على مهام محددة ومحدودة، حتى وإن كانت بالغة الأهمية، مثل فتح المضائق، والسيطرة على جزيرة خرج، أو إزالة اليورانيوم المخصب. وبالتالي، فإن بقاء النظام ليس في خطر على المدى القريب، طالما أنه قادر على ردع معارضيه المحليين عن محاولة إزاحته من السلطة عبر انتفاضة شعبية واسعة النطاق أو انقلاب.
تسعى هذه المقالة إلى دراسة الأساس المنطقي لاستخدام أدوات الضغط الإيرانية في الحرب الحالية، وكيف يُراد لها التأثير على عمليات اتخاذ القرارات في القدس وواشنطن. لهذا الغرض، سيتم تحليل أدوات الضغط التي تمارسها إيران في أربعة مجالات رئيسية: الاقتصادية والدبلوماسية والأيديولوجية والعسكرية. تهدف الأدوات الثلاث الأولى بالدرجة الأولى إلى تقويض شرعية استمرار القتال، بينما يهدف البُعد العسكري إلى استكمالها من خلال تعطيل القدرات العملياتية بشكل مباشر. يعكس هذا المزيج استراتيجية استنزاف متعددة الأبعاد، هدفها إنهاء الحرب في ظل ظروف تخدم مصالح طهران، وتحديداً ضمان بقاء النظام، مع تهيئة واقع إقليمي أكثر ملاءمة لها.
الضغط الاقتصادي والدبلوماسي: مضيق هرمز كأداة إكراه عالمية
يُعدّ إغلاق مضيق هرمز أبرز تحركات إيران في حرب “زئير الاسد”، وهو أحد أهم الممرات المائية في سوق الطاقة العالمية، حيث يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط والغاز. وتسعى طهران، من خلال التهديد بمهاجمة السفن في هذه المنطقة، إلى خلق نقص في السوق. ستؤدي أزمة الطاقة العالمية إلى ضغوط من الدول المنتجة والمستهلكة على إسرائيل والولايات المتحدة للموافقة على شروطها لإنهاء الحرب. من الناحية النظرية، يُعدّ هذا محاولة كلاسيكية لممارسة الإكراه الاقتصادي، تعتمد على إلحاق الضرر بأطراف ثالثة للتأثير على قرارات الخصم. في هذا السياق، صرّح المتحدث باسم قيادة الطوارئ الإيرانية، خاتم الأنبياء، بأنه “من المستحيل خفض أسعار النفط والطاقة عن طريق التنفس الاصطناعي، وهو تصريح يعكس مفهوماً منهجياً لممارسة ضغط شامل لتحقيق تأثير استراتيجي
مع ذلك، لا يُستخدم اغلاق المضائق كوسيلة ضغط محددة فحسب، بل كجزء من محاولة أوسع لإعادة صياغة قواعد اللعبة في المجال البحري. تعمل إيران على صياغة “نظام” جديد لقواعد المرور عبر المضيق، بهدف ترسيخ هيمنتها، بل وسيادتها الفعلية، في المنطقة. أفادت وكالة أنباء تسنيم بأن إيران تطالب بتطبيق نظام قانوني جديد في مضيق هرمز، بل إن بعض الأصوات في النظام السياسي تطالب بممارسة السيادة الكاملة. وبناءً على ذلك، صرّح غودارزي، عضو مجلس الشورى الإسلامي، بأن “هذه القدرة [السيطرة على مضيق هرمز] ستُصبح ميزة اقتصادية لإيران مع إقرار النظام القانوني الجديد”. ويتجاوز هذا التوجه سياق الحرب المباشر، ويعكس تطلعات إيرانية أوسع نطاقاً لتشكيل نظام إقليمي واقتصادي جديد
ومن مظاهر هذا التوجه فرض قواعد انتقائية للمرور عبر المضيق، والتي تهدف إلى إظهار سيطرة إيرانية فعلية. وذكر موقع “دنية اقتصاد” أن المضيق مغلق أمام السفن التابعة لإسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما، ولكنه يبقى مفتوحاً أمام السفن الصينية والدول “الصديقة لإيران”. وبذلك، لا تمارس طهران ضغوطاً على خصومها فحسب، بل تسعى أيضاً إلى التمييز بين الأطراف الدولية ومكافأة شركائها الاستراتيجيين
في هذا السياق، يتزايد التقارب بين إيران والصين في المجال الاقتصادي. فقد أشار موقع “تابناك” إلى تقرير يفيد بدراسة إمكانية السماح بمرور سفن النفط برسوم عبور تُدفع باليوان الصيني بدلاً من الدولار. وإذا ما نُفذت هذه الخطوة، فإنها تتجاوز السياق التكتيكي للحرب، وتعكس محاولة لتقويض هيمنة النظام المالي الأمريكي، وإن كان ذلك على نطاق محدود. ورغم محدودية الجدوى العملية لمثل هذه الخطوة على المدى القريب، فإن مجرد طرحها يُعدّ بمثابة رافعة ضغط إضافية على الساحة الدولية.
وبالتوازي مع الضغط الاقتصادي، تمارس إيران ضغطاً دبلوماسياً وعسكرياً مباشراً من خلال شنّ هجمات على دول المنطقة التي تستضيف قواعد أمريكية، وعلى رأسها السعودية والإمارات وقطر والبحرين. ورغم تصريحاتها بأن هذه الهجمات تستهدف مصالح أمريكية وفقاً لمبدأ الدفاع عن النفس.
في الواقع، تتجاوز هذه الهجمات أحياناً هذا النطاق لتؤثر على فضاء الدولة الأوسع. وبذلك، تسعى طهران إلى ممارسة ضغط غير مباشر.
ينبغي للولايات المتحدة استخدام نفوذها لتقويض استقرار الدول المضيفة، على افتراض أنها ستتخذ إجراءات لتقليص الوجود الأمريكي على أراضيها.
مع تطور الحرب، اتسع نطاق التهديدات ليشمل البنية التحتية المدنية في دول الخليج. فبعد أن هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمهاجمة البنية التحتية للكهرباء في إيران، نشرت وكالة أنباء النظام ملصقاً بعنوان “وداعاً للكهرباء!”، تضمن قائمة بمحطات توليد الطاقة الرئيسية في دول المنطقة. إضافةً إلى ذلك، وُجهت تهديدات بإلحاق الضرر ببنية تحتية مدنية أخرى، بما في ذلك الفنادق، حيث زعم وزير الخارجية الإيراني عراقجي أن جنوداً أمريكيين كانوا يعملون انطلاقاً منها. يعكس هذا النمط من العمل تحولاً من الردع الموجه إلى تهديد واسع النطاق للمناطق المدنية، وذلك في إطار توسيع نطاق أدوات الضغط على صناع القرار في دول المنطقة
وإلى جانب الخطوات المتخذة بالفعل، تمتلك طهران أيضاً خطوات تصعيدية إضافية لم تُنفذ بعد. من بين هذه الاحتمالات، يمكن الإشارة إلى إمكانية استخدام الحوثيين لإغلاق مضيق باب المندب، مما يزيد الضغط على طرق التجارة البحرية؛ وتوسيع نطاق الهجمات ضد المصالح الأمريكية والغربية في دول أخرى. خلال الحرب، وردت تقارير عن هجمات في عُمان، وأذربيجان، وتركيا، وقبرص، والتي لا تزال، حتى كتابة هذه السطور، حوادث معزولة، لكنها قد تعكس احتمال تصعيد أوسع، سواء كان ذلك نتيجة تخطيط مسبق أو بسبب غياب التنسيق بين مختلف عناصر النظام الإيراني.
من حيث الفعالية، يبدو أن الضغط الاقتصادي والدبلوماسي هو أقوى أدوات الضغط المتاحة لإيران، ولكنه أيضاً الأكثر حساسية لاعتبارات التوازن. فمن جهة، يمتلك هذا الضغط إمكانية حقيقية للتأثير على الجهات الفاعلة الدولية؛ ومن جهة أخرى، قد يؤدي استخدامه بقوة مفرطة إلى رد فعل مضاد، بما في ذلك تشكيل تحالف إقليمي ودولي ضد إيران. وبناءً على ذلك، يتضح أن طهران تتصرف بطريقة تدريجية ومنضبطة، ملتزمةً بمراحل التصعيد، كتهديد البنية التحتية قبل شنّ هجوم فعلي عليها. ويشير هذا النمط إلى محاولة تحقيق التوازن بين ممارسة ضغط فعّال وتجنب التصعيد الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة الاستراتيجية.
من جهة أخرى، تجدر الإشارة إلى أن قدرة دول الخليج والدول الغربية على استيعاب الصدمات في سوق الطاقة، إلى جانب وجود بدائل جزئية للإمداد، تحدّ من فعالية هذه الأداة على المدى القريب. علاوة على ذلك، فإن ممارسة ضغط مفرط قد يحفز هذه الجهات على التوحد ضد إيران، ما يقلل من نطاق تحركها.
ضغط وعيوي: تشكيل المفاهيم وتآكل الشرعية
بالتوازي مع المجال الاقتصادي والدبلوماسي، تُنفذ إيران حملة توعية واسعة النطاق تستهدف فئات متنوعة من الجمهور، داخلياً وخارجياً. وتندمج هذه الحملة في مفاهيم الحرب السياسية والتأثير الاستراتيجي، والتي تتمحور حول محاولة تشكيل تصورات ومواقف وسلوكيات الجماهير المعنية لتحقيق أهداف سياسية. ويمكن تلخيص الرسالة الرئيسية التي تسعى طهران إلى إيصالها على النحو التالي: “إن مواصلة القتال ضد إيران محكوم عليه بالفشل وسيؤدي إلى أضرار ومعاناة لا داعي لها”. وتتكون هذه الرسالة من عدة عناصر متكاملة، كل منها موجه إلى فئة مختلفة من الجمهور.
أولاً، فيما يتعلق بهدف القتال، تسعى طهران إلى تصوير الحملة على أنها ميؤوس منها بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة. وتؤكد أبواق النظام أن التحركات الهجومية، مثل مهاجمة منشآت الطاقة في إيران، ليست سوى تعبير عن اليأس والجمود في تحقيق أهداف الحرب. وبذلك، تسعى إيران إلى تقويض إحساس الطرف الآخر بالهدف والتقدم
ثانياً، يُبرز النظام “فشل” خصومه من خلال بقائه. ويُقدّم البقاء نفسه كدليل على أن إسرائيل والولايات المتحدة قد تراجعتا، في الواقع، عن هدفهما المتمثل في إسقاط النظام. وبينما تُردد طهران هذه الرسالة في الخارج، فإنها تعمل أيضاً على تعزيزها في الداخل: إذ يزيد النظام من سيطرته على المجال العام، ويُشجع على مظاهر الدعم في الأوقات الحساسة، ويُوجه تهديدات ضد خصومه، ويُسلط الضوء على إجراءات الإنفاذ والعقاب. إضافةً إلى ذلك، يُولى اهتماما خاصا للتهديدات في المناطق الحدودية، لا سيما على الحدود الغربية مع كردستان العراق. تهدف هذه الإجراءات إلى خلق صورة من الاستقرار والسيطرة، وتوضيح عدم وجود تهديد حقيقي لبقاء النظام.
في الوقت نفسه، تُدير إيران منظومة تأثير تهدف إلى إبراز تكاليف الحرب وأضرارها على خصومها، مع تكييف الرسائل لتناسب مختلف الجماهير المستهدفة.
إسرائيل
في مواجهة إسرائيل، تجمع إيران بين الضغط المادي والضغط النفسي. يسعى النظام إلى مواصلة إطلاق الصواريخ – عبر الحرس الثوري ووكلائه، بقيادة حزب الله والحوثيين – باتجاه المراكز السكانية، بهدف خلق ضغط مستمر على الجبهة المدنية الداخلية. ويصاحب هذا الإطلاق رسائل تهديد مصممة لتأجيج الشعور بالخطر. على سبيل المثال، هدد قائد القوات الجوية للحرس الثوري، ماجد موسوي، قائلاً: “من الآن فصاعداً، سيتم استخدام صواريخ برؤوس حربية تزن طناً أو أكثر، وسيزداد معدل إطلاق النار ونطاق الهجمات”. وفي تصريح آخر، قال: “للصواريخ الإيرانية سيطرة على سماء إسرائيل”، و “ستُضاء سماء جنوب إسرائيل لساعات بنيران الانفجارات”.
في الوقت نفسه، تُجري إيران عمليات تأثير، لا سيما في الفضاء الإلكتروني. وتُظهر أنشطة حساب “حنظلة” الإلكتروني، الذي نفّذ هجمات متنوعة، معظمها بأسلوب القرصنة والتسريب – بما في ذلك هجوم على خوادم معهد دراسات الأمن القومي – محاولةً لاختراق الوعي العام، وخلق شعور بالضعف، وممارسة ضغط غير مباشر على صُنّاع القرار. وفي الوقت نفسه، تُشنّ طهران حملات دعائية تهدف إلى تقويض الثقة في القيادة الإسرائيلية وصرف الانتباه عن جراح قيادتها. على سبيل المثال، انتشرت حملة تزعم أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد قُتل أو أُصيب بجروح خطيرة، وأنه لم يكن يقود الحرب فعلياً.
الولايات المتحدة
تستهدف جهود الدعاية ضد الولايات المتحدة في المقام الأول الرأي العام الأمريكي، وتركز على تصوير الحرب على أنها عبثية ولا تخدم مصالح الولايات المتحدة، بل مصالح إسرائيل. وفي هذا السياق، صرّح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية بأن الحرب “ليست حرب الشعب الأمريكي، ويمكن لكل مواطن ومسؤول على الأقل أن ينكر ذلك”
إضافةً إلى ذلك، تُستخدم رسائل المؤامرة والشحنات العاطفية القوية لتقويض الثقة بالحكومة. فقد ادّعى علي لاريجاني، قبل اغتياله، أن “عصابة إبستين” كانت تخطط لعملية “علم زائف” على غرار هجمات 11 ايلول – مع إلقاء اللوم على إيران – لتبرير التصعيد. تهدف هذه الرسالة إلى استغلال الصدمات السابقة وانعدام الثقة بالمؤسسة الحاكمة، وبالتالي تقويض الدعم الشعبي للحرب.
تعمل وسائل الإعلام الموالية للنظام الناطقة بالإنجليزية، مثل صحيفة طهران تايمز، على ترويج هذه الرسائل للرأي العام الأمريكي. فعلى سبيل المثال، أكد منشور على موقع اكس أن “الشعب الأمريكي سئم من الحكام الإسرائيليين الذين يسيطرون على الديمقراطية الأمريكية”، رابطاً ذلك بالاحتجاجات الداخلية في الولايات المتحدة.
علاوة على ذلك، تُشدد طهران على الخسائر البشرية للحرب. كتب محسن رضائي: “هل الجنود الأمريكيون مستعدون للموت من أجل إسرائيل؟ نحن ننتظر…”. كما ورد في الصحف أن “إعادة النعوش من ساحة المعركة تذكير آخر بأن قرار خوض الحرب ليس مجرد قرار سياسي، بل هو قرار له ثمن بشري… – وهي رسالة تهدف إلى حشد الرأي العام للضغط على الإدارة الأمريكية.
إلى جانب الخسائر البشرية، تُشدد إيران أيضاً على التكلفة الاقتصادية للحرب على الولايات المتحدة. على سبيل المثال، هدد رئيس مجلس الشورى الإيراني قاليباف قائلاً: “نحن نراقب أسهم الشركات الأمريكية، وهذا إنذار أخير في هذا الشأن”. إضافةً إلى ذلك، تنشط إيران أيضاً في الفضاء الإلكتروني ضد أهداف أمريكية، بما في ذلك هجوم على شركة سترايكر، والذي تسبب في أضرار جسيمة.
تقييم الفعالية
تستند جهود التوعية العامة الإيرانية إلى افتراض أن الضغط الشعبي – في إسرائيل والولايات المتحدة – قد يُترجم إلى ضغط سياسي على صناع القرار لإنهاء الحرب. مع ذلك، يبدو تأثيرها محدوداً حتى الآن. ففي إسرائيل، ورغم محاولات تقويض الشعور بالأمن والثقة في القيادة، لا يزال مستوى التماسك الشعبي مرتفعاً نسبياً. وفي الولايات المتحدة، ورغم تأثر الخطاب العام برسائل حول تكلفة الحرب، لم يكن هناك حتى الآن تأثير حاسم على السياسة الحكومية
من جهة أخرى، قد يُحدث تنفيذ جهود التوعية العامة – بالتزامن مع الضغط العسكري والاقتصادي – أثراً تراكمياً مع مرور الوقت، لا سيما في حال استمرار الحرب وتزايد تكاليفها. وبهذا المعنى، فإن الضغط النفسي ليس بالضرورة يهدف إلى إحداث حسم فوري، بل ليكون بمثابة عنصر أساسي في استراتيجية استنزاف أوسع.
باختصار، تُدير إيران نظاماً وعيويا متعدد الأبعاد يهدف إلى تقويض الشرعية الشعبية والسياسية لاستمرار الحرب، وخلق حالة من النفور بين الشعب والقيادة. ورغم أن تأثيره المباشر محدود في هذه المرحلة، إلا أنه يُشكّل عنصراً مكملاً وهاماً ضمن مجموعة أدوات الضغط التي تستخدمها طهران.
الضغط العسكري: تعطيل العمليات، والوكلاء، وحدود القوة
تمارس إيران أيضاً ضغطاً عسكرياً على إسرائيل والولايات المتحدة، بهدف رئيسي هو تعطيل فعالية الهجمات ضدها وتصعيب استمرار العمليات العسكرية. ومن بين جميع أدوات الضغط، يُعد هذا البُعد على الأرجح نقطة ضعف طهران الواضحة، نظراً للفجوات في القدرات بينها وبين خصومها. وبناءً على ذلك، تعتمد إيران بشكل كبير على الوسائل غير المتكافئة، ولا سيما إطلاق الصواريخ على أهداف مدنية، والوكلاء الذين رعتهم على مر السنين. ومع ذلك، فإن هذا الجهد، حتى الآن، لا يزال محدود الإنجازات.
تشمل الوسائل المباشرة المتاحة لطهران منظومة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إلى جانب منظومة الدفاع الجوي. على الرغم من نطاقها الواسع، لم تُحقق هذه المنظومات بعدُ إنجازات استراتيجية ملموسة، كشلّ البنية التحتية الحيوية أو إلحاق أضرار جسيمة بالقدرات الجوية لإسرائيل والولايات المتحدة. مع ذلك، سُجّلت بعض الإنجازات المتفرقة في الساحة الأمريكية، بما في ذلك تدمير مواقع رادار وإلحاق أضرار بطائرة إنذار مبكر وتحذير جوي (أواكس) أثناء وجودها على الأرض في السعودية، لكن يبدو أن تأثيرها الإجمالي محدود حتى الآن.
أما في الساحة الإسرائيلية، فتتركز إنجازات منظومة الدفاع الجوي الإيرانية بشكل أساسي على اعتراض الطائرات المسيّرة. إضافةً إلى ذلك، يُقدّر أن هناك محاولات تُبذل لمهاجمة قواعد القوات الجوية، وبالتالي تعطيل حرية العمليات الجوية الإسرائيلية، لكن لم تُنشر حتى الآن أي مؤشرات موثوقة على نجاحات ملموسة في هذا الصدد. يعكس هذا الوضع محدودية قدرة إيران على ممارسة تأثير مباشر على ميزان القوى العسكرية.
في المقابل، يشكّل الوكلاء العنصر الأكثر فعالية في ذراع الضغط العسكري الإيراني، ويعدّ بمثابة مُضاعِف للقوة الاستراتيجية. تتوزع أنشطتهم على عدة جبهات – لبنان والعراق واليمن – لكن الجبهة اللبنانية تبرز كأهمها. حزب الله، الذي انضم إلى القتال في اليوم الثالث من الحرب، يدفع ثمناً باهظاً لذلك، لكنه تمكن منذ ذلك الحين من الحفاظ على جبهة نشطة ومنسقة مع إيران، بما في ذلك إطلاق وابلات قصف مشتركة وموقّتة. يتطلب هذا النشاط من إسرائيل توزيع اهتمامها ومواردها بين جبهات مختلفة.
رداً على ذلك، تعمل إسرائيل في الجبهة اللبنانية من خلال عملية عسكرية واسعة النطاق، تشمل توسيع سيطرتها البرية وتحويل مواردها، بما في ذلك القوة الجوية، إلى هذه الجبهة. يخدم هذا التوجه المصالح الإيرانية إلى حد ما، إذ قد يأتي على حساب الاهتمام والجهد الموجهين نحو الجبهة الإيرانية نفسها. وبهذا، يُظهر نشاط الوكلاء مساهمتهم في استراتيجية طهران الشاملة للاستنزاف. من جهة أخرى، قد لا تقل الخسائر التي يتكبدها حزب الله عن المكاسب التي يجنيها من أنشطته.
ينبغي النظر إلى الوكلاء ليس فقط كأداة عسكرية، بل كنظام استراتيجي متعدد الأبعاد يسمح لإيران بالعمل في آنٍ واحد على عدة ساحات، مع طمس المسؤولية وتقليل خطر التصعيد المباشر. وبهذا، يُشكلون عنصراً أساسياً في قدرة طهران على تنفيذ استراتيجية استنزاف مستدامة
تقييم الفعالية
يبدو أنه في الوقت الراهن، لا يستطيع الضغط العسكري وحده حسم الأمر أو إنهاء الحرب وفقاً للشروط الإيرانية. إنجازاته تكتيكية في المقام الأول، ومحدودة زمنياً ومكانياً. مع ذلك، يكمن إسهامه الرئيسي في استكمال أدوات الضغط الأخرى: فهو يُساعد في الحفاظ على شعور دائم بالتهديد، ويُجبر الخصم على تشتيت موارده، ويُهيئ ظروفاً أكثر ملاءمة لممارسة الضغط الاقتصادي والأيديولوجي.
من جهة أخرى، فإن قدرة إسرائيل والولايات المتحدة على مواصلة حشد قوة عسكرية كبيرة، إلى جانب آليات دفاع وتعافي فعالة، تُحد من تأثير هذه الأداة. وبهذا المعنى، لا يُغير الضغط العسكري الإيراني ميزان القوى، بل يُساهم في تآكله بمرور الوقت.
في الختام، يتمثل الهدف الرئيسي للضغط العسكري في تعطيل أنشطة إسرائيل والولايات المتحدة، ومنح إيران مزيداً من الوقت للانتظار، ريثما تُؤتي أدوات الضغط الأخرى ثمارها، مُحدثةً ضغطاً سياسياً لإنهاء الحرب
خلاصة: استراتيجية استنزاف متعددة الأبعاد ..
النجاحات، والقيود، والنتائج
تستخدم إيران طيفاً واسعاً من أدوات الضغط – الاقتصادية، والدبلوماسية، والأيديولوجية، والعسكرية – بهدف إنهاء الحرب بشروط تخدم مصالحها. وتقترب الاستراتيجية الإيرانية الحالية من مفهوم الإكراه والاستنزاف، الذي يسعى للتأثير على عملية صنع القرار لدى إسرائيل والولايات المتحدة من خلال خلق ضغط تراكمي على مستويات متعددة في آن واحد
لا تهدف معظم أدوات الضغط إلى تحقيق نصر عسكري مباشر – وهو هدف مستحيل بالنسبة لطهران – بل إلى تقويض الشرعية السياسية والشعبية لاستمرار القتال، محلياً ودولياً. تسعى إيران من خلال ذلك إلى خلق فجوة بين أهداف خصومها الحربية واستعدادهم لتحمّل تكاليفها
مع ذلك، يبدو أن أهداف إيران تتجاوز مجرد استعادة الوضع الراهن. فتصريحات طهران المتكررة بأنه “لا رجعة إلى الوراء” تشير إلى طموحها في صياغة نظام إقليمي جديد يحدّ من حرية الولايات المتحدة في العمل ويعزز موقف إيران، حتى في قضايا لا ترتبط مباشرة بالحرب.
وتعكس قائمة المطالب المنشورة في صحيفة كيهان هذا الطموح بوضوح، وتشمل، من بين أمور أخرى، انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، ووقف إطلاق النار في جميع الساحات، وتغيير النظام القانوني في مضيق هرمز، ورفع العقوبات، والاعتراف بالمطالبات الإقليمية الإيرانية. كما تجسد هذه المطالب رغبةً غير مسبوقة في توسيع نطاق الحماية الإيرانية لتشمل الجماعات الوكيلة. أدلى قائد فيلق القدس، قاآني، بتصريح حول هذا الموضوع، فكتب: “اعتادوا على نظام جديد في المنطقة؛ كان نتنياهو يحلم بمنطقة أمن، لكن إطلاق النار من قبل حزب الله وأنصار الله [الحوثيين] قد بدّد هذه الأمنية”
تشير هذه المطالب إلى اعتقاد بأن حتى تحقيق جزء منها سيُعدّ نجاحاً استراتيجياً وتغييراً في موازين القوى الإقليمية. مع ذلك، يمكن تفسير هذه المطالب أيضاً كأداة للمساومة – “شجرة” يتسلقها النظام لينزل منها لاحقاً، مُقدّماً بذلك حلاً وسطاً على الساحة الدولية وانتصاراً على الساحة الداخلية.
عملياً، وحتى وقت كتابة هذا التقرير، لم تُفضِ ضغوط إيران إلى اختراق ملموس: فلا يوجد تباعد جوهري واضح بين دول الخليج والولايات المتحدة؛ والحملة ضد حزب الله م تخفف الضغط العسكري على إيران بشكلٍ ملحوظ، كما أن الدول الأوروبية والصين لا تمارس ضغطاً حاسماً لإنهاء الحرب. تُشير هذه العوامل إلى محدودية استراتيجية الاستنزاف الإيرانية على المدى القصير.
مع ذلك، في حال استمرار الحرب وتصاعد تكاليفها، قد تُصبح هذه الاستراتيجية أكثر فعالية. في هذا السياق، قد يتحوّل اكتفاء النظام الإيراني بالبقاء كهدفٍ رئيسي إلى سلاحٍ ذي حدين: فبينما قد يُمكّنه ذلك من البقاء على المدى القصير، إلا أنه قد يُضرّ باستقرار إيران الاقتصادي والاجتماعي على المدى المتوسط والطويل، لا سيما إذا تضررت البنية التحتية الحيوية، وخاصةً منشآت الطاقة.
بهذا المعنى، لا يكمن الابتكار الرئيسي في استراتيجية إيران في قوة الأدوات المتاحة لها، بل في كيفية توظيفها معاً، لخلق ضغطٍ تراكمي متعدد الأبعاد ومستدام، لا يهدف إلى سحق الخصم في ساحة المعركة، بل إلى إضعاف رغبته في مواصلة القتال.
يعتمد نجاح هذه الاستراتيجية على عدة شروط: استمرار الحرب، وتزايد التكاليف على الأطراف المتنازعة، وغياب حل عسكري واضح. وفي غياب هذه الشروط، من المرجح أن يظل تأثير أدوات الضغط محدوداً.
معهد القدس للاستراتيجية والأمن – د. آفي دافيدي
